الصنف الثاني: القواعد التي تُمثِّل مفهوم المخالفة لنص القاعدة الكبرى:
وهي على النحو الآتي:
القاعدة الأولى (ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين)[1]
وتحت هذه القاعدة جملة من المسائل:
أن الشيء إذا ثبت ثبوتاً جازماً أو راجحاً وجوداً أو عدماً فإنه يحكم ببقائه، ولا يُحكم بتغيُّره إلا بأمرٍ جازمٍ أو راجحٍ آخر ينفي ذلك الثبوت.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
هذه القاعدة دلَّ عليها ما تقدم من أنه ورد أنه شُكي إلى النبي ﷺ الرجلُ يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال ﷺ: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[2]، وكذا قوله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه: أخرج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[3].
ووجه الدلالة من هذا: أن النبي ﷺ أرشد إلى أنه في حال الدخول في الصلاة أو الدخول في المسجد - وهذا لا بد أن يكون بطهارةٍ متيقنةٍ - فإنه لا يخرج من هذا اليقين إلا بيقينٍ آخر، وهذا اليقين يتمثل في سماع الصوت أو وجدان الريح.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:
1- لو دخل المكلف في الصلاة، ثم إنه شك في فعل مأمورٍ من مأموراتها، فإنه يُحكم عليه بأنه لم يفعله، وعليه أن يأتي به إنْ أمكن تداركه في محله، أو يأتي بالركعة التي شك في أنه تركه منها إنْ كان ركناً، ويسجد للسهو له، أو يجبره بسجود السهو إنْ كان واجباً أو مندوباً؛ لأن شغل الذمة بذلك المأمور قد ثبت بيقينٍ، فلا يرتفع إلا بيقين الفعل.
2- لو دخل المكلف في الطواف، ثم إنه شك في أثنائه: هل طاف - مثلاً- ستة أو سبعة أشواط؟، أو أنه في الرمي شك هل رمى - مثلاً – خمساً أو ستّاً؟، فإنه يُحكم بأنه لم يأتِ بالشوط السابع، وعليه الإتيان به في الحالة الأولى، ويُحكم في الحالة الثانية أنه لم يرمِ الحصاة السادسة، فعليه أن يرميها ويرمي حصاةً سابعةً بعدها؛ وذلك لأن الأشواط السبعة، وكذا الرمي بالحصيات السبع قد ثبت في الذمة بيقين، فلا يرتفع إلا بيقين الفعل.
3- لو شك رجلٌ هل طلَّق زوجته أو لا؟، فإنه يُحكم بعدم وقوع الطلاق؛ لأن النكاح قد ثبت بيقين، فلا يرتفع إلا بيقين الطلاق.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تمثل مفهوم المخالفة للقاعدة الكبرى، وبيان ذلك: أن القاعدة الكبرى نصَّت على أن اليقين لا يزول بالشك، والمفهوم المخالف لذلك: أن اليقين يزول بما هو أقوى من الشك، وهو اليقين.
القاعدة الثانية (لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح)[4]
وهذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: الألفاظ التي تحتاج إلى بيانٍ في هذه القاعدة هي:
- لفظ (لا عبرة) ومعناه: لا اعتداد، كما تقدم.
- ولفظ (الدلالة) والمراد به: كل ما يفيد فائدةً، وهو غير لفظٍ. وذلك كاليد، والعرف، والإشارة، والحال، ونحوها.
- ولفظ (في مقابلة) أي عند التعارض بينهما قبل العمل بالدلالة.
- ولفظ (التصريح) معناه: ما كان المراد به ظاهراً ظهوراً بيِّناً بطريق اللفظ أو الكتابة.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الدلالة - بحسب معناها المتقدم - إنما تعتبر ويعتد بها إذا لم يُعارضها تصريحٌ بخلافها، فأما إنْ عارضها تصريحٌ بخلافها فإنه لا يُعتد بها، ويكون الاعتداد بالتصريح؛ لأنه هو الأقوى.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:
1- لو دخل شخصٌ دار شخصٍ آخر بإذنه، فوجد إناءً معدّاً للشرب، فتناوله ليشرب فوقع وانكسر، فإنه لا يضمن؛ لأنه مأذونٌ له بطريق دلالة الحال في الانتفاع، لكن لو صرَّح صاحب الدار بمنعه من الشرب من هذا الإناء، فتناوله ليشرب، فوقع وانكسر، فإنه يضمن؛ لأن الإذن بطريق الدلالة قد عارضه تصريحٌ بخلافه، ولا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح.
2- لو استأجر شخصٌ سيارةً جرى العرف باستعمالها في حمل الأمتعة، فإنه يجوز له الانتفاع بها في هذا الأمر؛ لأنه مأذونٌ له بطريق دلالة العرف في هذا النوع من الاستعمال، لكن لو صرَّح المؤجرُ بمنع المستأجر من استعمال السيارة في هذا الأمر، فإنه لا يجوز للمستأجر حينئذٍ أن يستعملها في حمل الأمتعة؛ لأن الإذن باستعمالها بطريق الدلالة قد عارضه تصريحٌ بخلافه، ولا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تمثل مفهوم المخالفة للقاعدة الكبرى، وذلك أن اليقين يزول بما هو أقوى من الشك، وهو اليقين، وبيانه في هذه القاعدة: أن الدلالة إذا لم يُعارضها تصريحٌ بخلافها فإنها تفيد اليقين، فيُعمل بها، فأما إذا عارضها تصريحٌ بخلافها فإن هذا التصريح يُفيد اليقين أيضاً، وهو أقوى مما تفيده الدلالة، فيزول ويرتفع يقين الدلالة بيقين التصريح.