حجم الخط:

محتوى الدرس (17)

Adobe Systemsالمسألة الثامنة: القواعد المتفرعة عن قاعدة (المشقة تجلب التيسير):

تفرَّع عن هذه القاعدة عددٌ من القواعد الفقهية، ومنها:

القاعدة الأولى (إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع الأمر ضاق)[1]

هذه القاعدة تتضمن عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

هذه القاعدة مكوَّنة من شقين متقابلين:

أولهما: قولهم (إذا ضاق الأمر اتسع).

وثانيهما: قولهم (وإذا اتسع الأمر ضاق).

ومعناهما: أنه إذا تحققت مشقةٌ في أمرٍ من الأمور، ونتج عنها حرجٌ وضيقٌ، فإنه يُوسَّع فيها ويُخفَّف بما يُزيل هذه المشقة، فإذا زالت عاد الأمر إلى ما كان عليه في أصل التكليف.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الأدلة على هذه القاعدة:

دل على هذه القاعدة القرآن والسنة:

- فأما القرآن فما ورد في شأن مشروعية صلاة الخوف في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ [النِّسَاء: 101]، إلى قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النِّسَاء: 103].

ووجه الدلالة: أن الله تعالى شرع لنا قصر الصلاة وتغيير نظمها عند حصول الضيق والمشقة في حال الخوف من العدو مما يدل على أن الأمر إذا ضاق اتسع، ثم بيَّن أنه إذا زال الخوف وحصل الاطمئنان فإنه يلزم إقامة الصلاة على هيئتها المعتادة في أصل التكليف، مما يدل على أن الأمر إذا اتسع ضاق. هههه

- وأما السنة فقد ورد عن عائشة J قالت: دفَّ ناسٌ من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «ادخروا لثلاثٍ [الثلث]، وتصدقوا بما بقي» فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله ﷺ: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم، ويُجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله ﷺ: «وما ذاك؟» قالوا: يا رسول الله نهيت عن ادخار لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال ﷺ: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفَّت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا»[2]، وفي روايةٍ: «إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاثٍ لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا وادخروا واتجروا...»[3].

ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ نهى عن ادخار لحوم الضحايا فوق الثلث توسيعاً على المسلمين لما ضاق الأمر عليهم بقدوم أهل البادية إلى المدينة وقت المجاعة، فلما اتسع الأمر وزال الضيق بعد ذلك عاد الأمر إلى ما كان عليه، فأُبيح لهم الانتفاع كما كانوا من قبل.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو أن شخصاً كان عليه دينٌ حالٌّ، فأعسر في سداده، وليس له كفيلٌ بالمال فإنه يجب إنظاره، وإذا لم يستطع أداءه جملةً فإنه يُساعد في تأديته مقسَّطاً؛ لأن الأمر إذا ضاق اتسع، فلو أن هذا المعسر قد زال إعساره بعد ذلك فإنه يجب عليه الوفاء بالدين حالاً؛ لأن الأمر إذا اتسع ضاق.

2- أن شهادة النساء على ما لا يطَّلع عليه الرجال غالباً، وكذا شهادتهن وشهادة الصبيان على الحوادث التي تقع في المواضع التي لا يحضرها الرجال غالباً تُقبل؛ لأن الأمر إذا ضاق اتسع؛ فإننا لو لم نقبل شهادتهم لضاعت الحقوق حينئذٍ؛ لأنه لا سبيل إلى إثباتها إلا بهذه الشهادة، وفيما عدا ذلك لا تُقبل شهادة النساء منفرداتٍ، ولا شهادة الصبيان؛ لأن الأمر إذا اتسع ضاق.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تفيد في شقها الأول، وهو قولهم: (إذا ضاق الأمر اتسع) أن حصول المشقة في أمرٍ من الأمور يُعد سبباً للتوسيع والتيسير، وهذا هو عين ما تفيده القاعدة الكبرى.

كما أنها أفادت في شقها الثاني وهو قولهم: (وإذا اتسع الأمر ضاق) أن التيسير عند حصول المشقة مقيَّدٌ بحال وجود المشقة، أما إذا زالت فإن التيسير يزول معها، وهذا تقييدٌ للقاعدة الكبرى.

القاعدة الثانية (الضرورات تُبيح المحظورات)[4]

هذه القاعدة تتضمن الكلام على المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى:

هذه القاعدة يُحتمل تفريعها على قاعدة (المشقة تجلب التيسير) من جهة أن الضرورة فيها تمثل مشقةً يُخفف عندها باستباحة المحرم، ويُحتمل تفريعها على قاعدة (الضرر يزال) التي يُعبَّر عنها بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) من جهة أن حالة التلبس بالضرورة تلبسٌ بضرر ينبغي إزالته بدفعه أو رفعه، وهذا يُفسِّر لنا فعل ابن السبكي عندما كرَّر ذكر هذه القاعدة عند كلامه عن قاعدتي (المشقة تجلب التيسير) و(الضرر يُزال)، ويُفسِّر لنا كذلك اختلاف مَنْ جاء بعده في القاعدة التي تتفرع منها هذه القاعدة؛ ففرَّعها بعضهم على قاعدة (الضرر يُزال) التي يُعبَّر عنها بــ(لا ضرر ولا ضرار)[5]، وفرَّعها بعضهم على قاعدة (المشقة تجلب التيسير)[6]، وهذا هو الأولى؛ لأن مضمون هذه القاعدة التي معنا متعلِّق بالتيسير عند وجود الاضطرار، وهذا المعنى أليق بقاعدة (المشقة تجلب التيسير)، والضرورة في هذه القاعدة تمثِّل أعلى درجات المشقة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من ثلاثة ألفاظٍ:

- لفظ (الضرورات) وهذا جمع ضرورةٍ، والضرورة هي الحالة التي يصل فيها الإنسان إلى حدٍّ إذا لم تُراعَ لجُزم أو خيف أن تضيع مصالحه الضرورية.

- ولفظ (تُبيح) من الإباحة، والمراد به: الترخيص في تناول المحرم.

- ولفظ (المحظورات) جمع محظورٍ، وهو الممنوع، أي المحرم شرعاً.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أن الوصول إلى حد الهلاك أو مقاربته إذا لم يكن للخلوص منه إلا طريق تناول المحرم شرعاً فإنه يُرخَّص في تناوله.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ كثيرةٌ من القرآن الكريم، ومنها:

1- قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البَقَرَة: 173].

2- قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المَائدة: 3].

3- قوله تبارك تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ [الأنعَام: 119].

4- قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعَام: 145].

5- قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البَقَرَة: 173].

ووجه الدلالة: أن هذه الآيات قد أفادت صراحةً بأن التلبس بحالة الضرورة مبيحٌ لتناول الأمر المحرم شرعاً.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على هذه القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة عددٌ كثيرٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو شارف شخصٌ على الهلاك جوعاً، ولم يجد إلا طعاماً محرماً كالميتة فإنه يجوز له الأكل منها دفعاً لمشقة الجوع.

2- لو صال حيوانٌ أو إنسانٌ على شخصٍ ولم يمكن له دفعه إلا بقتله، فإنه يُشرع له ذلك، وذلك دفعاً لمشقة الصيال.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة أفادت أن الضرورة التي هي أعلى درجات المشقة يُشرع عندها الأخذ بالأيسر، ولو كان ذلك باستباحة الأمر المحرم، وذلك من أجل دفع هذه المشقة، وهذا المعنى هو ما تفيده القاعدة الكبرى.

Adobe Systemsالمسألة السادسة:

قاعدة (الضرورات تُبيح المحظورات) مقيَّدةٌ بعدة قيودٍ، منها ما سيأتي في قواعد لاحقةٍ، ومنها ما ذكره بعض العلماء ملازماً لنص هذه القاعدة، وهو قولهم: (الضرورات تُبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها)[7] ومعنى هذا: أنه لا بد أن يكون البقاء على حالة الضرورة أشد من الإقدام على الأمر المحرم حتى يُمكن إعمال هذه القاعدة. وبناءً عليه فلو أن حالة الضرورة كانت مساويةً في الشدة لحالة الإقدام على الأمر المحرم فإن الضرورة حينئذٍ لا تُبيح المحظور، فمثلاً لو هُدِّد شخصٌ بالقتل على أن يقتل شخصاً معصوماً، فإنه لا يجوز له الإقدام على القتل لدفع حالة الضرورة المتمثلة في قتله هو.

ومن باب أولى لو كانت حالة الضرورة أنقص في الشدة من حالة الإقدام على الأمر المحرم فإن الضرورة أيضاً لا تُبيح المحظور، وذلك مثل ما لو هُدِّد شخصٌ بأخذ ماله على أن يقتل شخصاً معصوماً، فإنه لا يجوز له الإقدام على القتل لدفع حالة الضرورة المتمثلة في أخذ ماله.

القاعدة الثالثة (الضرورات تقدَّر بقدْرها)[8]

والكلام عن هذه القاعدة سيكون من خلال المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أن التصرف الذي يُستباح به الأمر المحرم لأجل الضرورة يجب أن يُكتفى فيه بما يدفع تلك الضرورة، ولا تجوز الزيادة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ من القرآن، وهما:

1- قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البَقَرَة: 173].

2- قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعَام: 145].

3- قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النَّحل: 115].

ووجه الدلالة من هذه الآيات: أنه قد فُسِّر (الباغي) بأنه الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، وفُسِّر (العادي) بأنه الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه من المحرم[9]، وبناءً عليه فإن هذه الآيات تدل على جواز الترخص في حال الضرورة بشرط أن لا يبغي المضطر عند استباحته المحرم، أي: أن لا يتعدى قدر حاجته من المحرم، فدل على أن الضرورة ينبغي أن تُقدَّر بقدرها.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى عليها عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو شارف شخصٌ على الهلاك جوعاً، ولم يجد إلا طعاماً محرماً كالميتة فإنه يجوز له الأكل منها دفعاً لمشقة الجوع كما تقدم في القاعدة السابقة، ولكن يجب عليه أن يقتصر في الأكل على ما يدفع ضرورة الهلاك جوعاً؛ لأن إباحة الأكل من الطعام المحرم كان لأجل الضرورة، والضرورة تقدَّر بقدْرها.

2- لو اضطر شخصٌ إلى كشف عورته للطبيب لأجل المعالجة، فإنه يُباح له ذلك، ولكن يجب عليه أن يقتصر على كشف موضع المعالجة فقط من العورة، وكذلك يحرم على الطبيب النظر إلى غير موضع المعالجة من العورة؛ وذلك لأن كشف العورة بالنسبة للمريض، ونظر الطبيب إليها إنما جاز لأجل ضرورة المعالجة، والضرورات تقدَّر بقدْرها.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

تقدم لنا أن الضرورة سببٌ في المشقة يُشرع عندها استباحة الأمر المحرم، وقد أفادت هذه القاعدة أن ما يُستباح من الأمر المحرم يجب أن يُقتصر فيه على ما يحصل به التيسير ويدفع الضرورة.

وكما تلاحظ فهذه القاعدة تعد قيداً لقاعدة (الضرورات تُبيح المحظورات)، وقد ورد في نصٍّ مستقلٍّ، وهذا القيد يفيد في المعنى ما أفاده القيد الوارد في القاعدة الأولى وهو قولهم: (وإذا اتسع الأمر ضاق).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة