القاعدة الرابعة (الاضطرار لا يُبطل حق الغير)[1]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أن التصرف الذي يُستباح به الأمر المحرم لأجل الضرورة إذا تعلَّق بإتلاف حقٍّ لآدمىٍّ أو تفويته فإنه يلزم ضمان هذا الحق، ولا يبطل بهذا الاضطرار.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على هذه القاعدة بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1- لو صال حيوانٌ محترمٌ على إنسانٍ، ولم يمكن له دفعه إلا بقتله فقتله، فقد قيل: إنه يجب عليه ضمان هذا الحيوان بقيمته لصاحبه؛ لأن قتله وإن كان مباحاً لأجل الضرورة إلا أن الاضطرار لا يُبطل حق الغير.
2- لو أشرفت سفينةٌ على الغرق، فألقى بعض مَنْ كان عليها متاعَ غيره بدون إذنه؛ وذلك ليُخفِّفها، فقد قيل: إنه يلزم المُلقي هنا ضمان هذا المتاع؛ لأن إتلاف المتاع بإلقائه في الماء وإنْ كان مباحاً لأجل الضرورة إلا أن الاضطرار لا يُبطل حق الغير.
هذه القاعدة تدل بلفظها على أن كل اضطرارٍ لا يُبطل حق الغير مطلقاً، ولكن عند النظر في فتاوى العلماء نجدهم يجعلون الاضطرار مبطلاً حيناً وغير مبطلٍ حيناً آخر، لذلك حاول ابن رجب أن يضبط هذا التفاوت بذكر قاعدةٍ فيها تفصيلٌ دقيقٌ حسنٌ، فقال: (القاعدة السادسة والعشرون: مَنْ أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمنه، وإنْ أتلفه لدفع أذاه به ضمنه) وخرَّج على هذه القاعدة جملة من الفروع الفقهية التي يظهر من خلالها هذا التفصيل، ومنها:
- أنه لو صال على الآدمي آدميٌّ آخر أو بهيمةٌ، ولم يمكن له دفعه إلا بقتله، فقتله، فإنه لا يضمنه؛ لأنه أتلفه لدفع أذاه له، ولو أنه قتل حيواناً مملوكاً لغيره في مجاعةٍ ليُحيي به نفسه، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلفه ليدفع الأذى به.
- لو أشرفت سفينةٌ على الغرق فألقى بعضُ من كان عليها متاعَ غيره ليُخففها بدون إذنه، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلف المتاع لدفع الأذى به، ولو أنه سقط عليه متاع غيره فخشي أن يُهلكه، فدفعه، فوقع في الماء، فإنه لا يضمنه؛ لأنه أتلفه ليدفع الأذى له[2].
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
تقدم لنا أن الضرورة سببٌ في المشقة يُشرع عندها استباحة الأمر المحرم، وقد أفادت هذه القاعدة أن الأمر المحرم المستباح بالضرورة إذا كان متعلِّقاً بإتلاف حقٍّ من حقوق الخلق أو تفويته فإن هذا الحق لا يبطل بل يلزم ضمانه.
وكما تلاحظ فإن هذه القاعدة تعد أيضاً قيداً لقاعدة (الضرورات تُبيح المحظورات)، وقد ورد أيضاً هذا القيد في نصٍّ مستقلٍّ.
وقد يقول قائلٌ: فما فائدة الاضطرار هنا إذا كان لا يبطل ما ترتب عليه؟
والجواب: أن فائدة الضرورة هنا هي في رفع الإثم المترتب على إتلاف مال المسلم أو تفويت حقٍّ من حقوقه الحاصل في حال عدم الضرورة.
القاعدة الخامسة (الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة عامةً كانت أو خاصةً)[3]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: الألفاظ التي تحتاج إلى بيانٍ في هذه القاعدة هي:
- لفظ (الحاجة) والمراد بها: الافتقار إلى ما يقوم به الحال ويستمر معه المعاش، بحيث يؤدي عدم مراعاته إلى الحرج والضيق دون الهلاك أو خشيته.
- ولفظ (عامةً كانت أو خاصةً) هذا وصفٌ للحاجة، فإن الحاجة التي تُعطى حكم الضرورة لا تخلو من نوعين:
النوع الأول: الحاجة العامة، وهي: الحاجة الشاملة لجميع الأمة فيما يمس مصالحهم العامة.
وقد نصَّ بعض العلماء على هذا النوع من الحاجات في بعض نصوص القواعد فقالوا: (الحاجة إذا عمَّت كانت كالضرورة)[4].
النوع الثاني: الحاجة الخاصة، وهي: الحاجة الشاملة لطائفةٍ معيَّنةٍ من الناس، كأهل بلدٍ، أو حرفةٍ معيَّنةٍ كالتجار، أو الصُّنَّاع، أو الزُرَّاعِ.
فالحاجة في هذين النوعين معتبرةٌ عند إلحاقها بالضرورة، أما الحاجة الخاصة بفردٍ أو بأفرادٍ محصورين فغير معتبرةٍ أصلاً ولا تُلحق بالضرورة؛ وذلك لأن لكل فردٍ حاجاتٍ متجددةً ومختلفةً عن غيره، ولا يمكن أن يكون لكل فردٍ تشريعٌ خاصٌّ به.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أن الحاجة العامة تعطى حكم الضرورة من جهة كونها سبباً في المشقة التي يجوز الترخص عندها.
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلامٍ ابن تيمية: «فكل ما احتاج إليه الناس في معاشهم، ولم يكن سببه معصيةً هي ترك واجبٍ أو فعل محرمٍ، لم يُحرَّم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغٍ ولا عادٍ»[5].
المسألة الثانية: شروط إعمال هذه القاعدة:
يمكن القول إنه يشترط لإعمال هذه القاعدة الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن تكون الحاجة متحققةً. وإذا كان الحكم بتحقق الحاجة أمراً فيه عسرٌ لكونها من الأمور الباطنة التي يصعب الوقوف على حقيقتها فإنه يمكن أن يستدل على تحققها بتحقق دليلها، ودليل الحاجة هو: الأمارة المحسوسة التي يدل وجودها على وجود الحاجة في الغالب سواءٌ أكانت هذه الأمارة زماناً أم مكاناً أم عملاً صادراً من المكلفين، فمثلاً: قد يحتاج الزوجان أو أحدهما إلى الطلاق فيكون حينئذٍ مأذوناً فيه شرعاً، وهذه الحاجة أمرٌ باطنٌ يعسر الاطلاع عليه والحكم بتحققه، لذا فإنه يستدل على وجود الحاجة إلى الطلاق بوقوعه في زمنه، وهو الطهر الخالي عن الجماع، فإن الغالب أن من أوقع الطلاق في هذا الزمان فإنه يكون محتاجاً إليه.
الشرط الثاني: أن تكون الحاجة عامةً. ومعنى عمومها: أن يكون من شأنها الشمول لعموم الأمة أو لطائفةٍ معيَّنةٍ منهم في جميع أحوالهم.
الشرط الثالث: أن يكون المحرم المستباح بالحاجة من قبيل المحرم لغيره. وقد يعبر عنه بالمحرم لكسبه أو لعارضٍ أو سدّاً للذريعة، ومعنى هذا أن الحاجة لا تقوى على استباحة المحرَّم لذاته أو كما يعبر عنه بالمحرَّم لوصفه؛ وذلك لأنه لما كانت الحاجة أقل من الضرورة في الشدة كانت أضعف منها في تخصيص النص المحرِّم، ومن المعلوم أن ما حرم سدّاً للذريعة أخف مما حُرِّم تحريم المقاصد أي ما كان محرَّماً لذاته.
الشرط الرابع: أن لا يكون النهي نصّاً خاصّاً صريحاً في التحريم. وذلك لأن للنص في هذه الحالة من القوة ما لا تقوى معه الحاجة على تخصيصه، فالحاجة يقتصر أثرها على تخصيص النص العام أو القياس العام المعبَّر عنه بالقاعدة العامة في الشريعة.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:
1- أن الناس يحتاجون إلى التعامل بجملةٍ من العقود، كالإجارة، والقرض، والوكالة، والوديعة، والمضاربة، والمزارعة، والضمان، وغيرها؛ ولو قيل: إنه لا يحق لأحدٍ الانتفاع إلا بما هو ملكه، ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه، ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه، للحقت المشقة العظيمة بالناس، فجاء التيسير عليهم؛ تنزيلاً للحاجة العامة منزلة الضرورة.
2- أن التجار يحتاجون إلى اعتبار البيع بالنموذج مسقطاً لخيار الرؤية، ولو قيل بعدم اعتباره وأن خيار الرؤية لا يسقط إلا برؤية الشيء المبيع كله لشق ذلك على التجار، خاصةً إذا كان المبيع كثيراً محفوظاً في أغلفةٍ أو نحوها، فجاء التيسير هنا؛ تنزيلاً للحاجة الخاصة منزلة الضرورة.
3- أن بيع الوفاء - وهو عقدٌ يتضمن التزام المشتري برد المبيع إلى البائع، متى ردَّ البائع إليه الثمن - قد احتاج إلى التعامل به في وقتٍ مضى بعضُ أهل البلاد، كأهل بخارى، وأهل مصر، وذلك لأن الناس أمسكوا عن إقراض أموالهم بلا منفعةٍ، فشق ذلك على من يريد الانتفاع بالمال دون الوقوع في المراباة، فقيل بالتيسير هنا تنزيلاً للحاجة الخاصة منزلة الضرورة.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
تقدم لنا أن الضرورة سببٌ في المشقة الجالبة للتيسير، وأنها تمثِّل أعلى درجات المشقة، وقد أفادت هذه القاعدة إلحاق الحاجة العامة أو الخاصة بالضرورة، فتكون الحاجة حينئذٍ سبباً في المشقة الجالبة للتيسير.
المسألة الخامسة: الفرق بين الحاجة والضرورة:
إذا كانت الحاجة ملحَقةً بالضرورة في المنزلة بحيث يكون كلٌّ منهما سبباً في حكمٍ استثنائيٍّ فإن بينهما فرقاً من وجهين[6]:
الوجه الأول: أن الأحكام الاستثنائية الثابتة بالضرورة تكون في الغالب إباحةً لمحظورٍ ممنوعٍ بنصٍّ شرعيٍّ خاصٍّ صريحٍ، وتكون هذه الإباحة مؤقتةً حيث تنتهي بزوال الاضطرار وتتقيد بالشخص المضطر.
أما الأحكام الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالباً لا تُخالف نصّاً خاصّاً صريحاً، ولكنها تخالف النصوص العامة أو القواعد العامة في الشرع، والحكم الثابت بها يكون في الغالب ثابتاً بصورةٍ دائمةٍ، ويستفيد منها المحتاج وغيره.
الوجه الثاني: أن الضرورة تُبيح المحظور سواءٌ أكان الاضطرار حاصلاً للفرد أم للجماعة، أما الحاجة فلا تكون سبباً في التيسير إلا إذا كانت حاجةً عامةً أو خاصةً بطائفةٍ كثيرةٍ غير محصورةٍ، فلا تكون سبباً في التيسير في حقِّ فردٍ أو أفرادٍ محصورين.