حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

القاعدة الثالثة (المطلَق يُجرى على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصّاً أو دلالةً)[1]

هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة تتعلق بالمطلق، والتقييد نصّاً، والتقييد دلالةً، وإليك معاني هذه الألفاظ:

- فأما لفظ (المطلَق) فللعلماء فيه عدة تعريفاتٍ، والمرجَّح أن المراد به في هذه القاعدة: الأمر المجرد من القيود الدالة على بعض الأوصاف أو الحدود.

- وأما لفظ (التقييد نصّاً) فالمراد به: أن يكون الأمر مقروناً بلفظٍ يدل على بعض الأوصاف أو الحدود.

- وأما لفظ (التقييد دلالةً) فالمراد به: أن يكون الأمر مقروناً بحالةٍ أو عرفٍ أو نحوهما مما يدل على بعض الأوصاف أو الحدود.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

هذه القاعدة ترسم لنا منهجاً في إعمال الكلام المطلق والمقيد، وذلك أنه إذا وُجد كلامٌ خالٍ من القيود فإنه يُعمل به على إطلاقه، فإذا قام الدليل على تقييده، فإنه يُعمل به مقيداً، سواءٌ أكان التقييد بطريق اللفظ أم بطريق الدلالة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

الفروع المبنية على القاعدة يمكن ذكرها من خلال ذكر حالات هذه القاعدة، فإن هذه القاعدة لا تخلو من ثلاث حالاتٍ:

الحالة الأولى: إجراء المطلَق على إطلاقه:

ومن أمثلة هذه الحالة ما يأتي:

1- لو وكَّل شخصٌ شخصاً آخر في أن يشتري له سيارةً بقوله: اشترْ لي سيارة، فاشترى له الوكيلُ سيارةً بيضاء، فقال الموكِّل: أردتُ السيارةَ حمراءَ، فإنه لا يُقبل كلامه هنا، لأن توكيله مطلَقٌ، والمطلَق يُجرى على إطلاقه.

2- لو أعار شخصٌ شخصاً آخر شيئاً بقوله: أعرتك هذا الشيء، فإنه يجوز للمستعير الانتفاع بالعارية في جميع وجوه الانتفاع بالحدود المعتادة، ولا يتقيد الانتفاع بزمانٍ أو مكانٍ معينين، أو طريقةٍ خاصةٍ؛ لأن الإعارة هنا مطلَقةٌ، والمطلَق يُجرى على إطلاقه.

الحالة الثانية: تقييد المطلَق نصّاً:

ومن أمثلة هذه الحالة ما يأتي:

1- لو وكَّل شخصٌ شخصاً آخرَ بقوله: اشترْ لي سيارةً سوداء، فاشترى له الوكيل سيارةً خضراء، فإنه لا يلزم الموكِّل قبول السيارة؛ لأنه قد قام دليل التقييد نصّاً، فلا يكون الكلام مطلَقاً، بمعنى: أنه لا يجوز للوكيل شراء السيارة بأي لونٍ يختاره هو.

2- لو أعار شخصٌ شخصاً آخر شيئاً بقوله: أعرتك هذا الشيء لمدة يومين، فإنه لا يحق للمستعير الانتفاع بهذا الشيء بعد مضي اليومين؛ لأنه قد قام دليل التقييد نصّاً، فلا يكون الكلام مطلَقاً، بمعنى: أنه يتقيَّد بالمدة التي ذكرها المعير.

الحالة الثالثة: تقييد المطلق دلالةً:

ومن أمثلة هذه الحالة ما يأتي:

1- لو كان هناك شخصٌ يعمل في حمل الأمتعة، فوكَّل صديقاً له في أن يشتري له سيارةً، فاشترى له الوكيل سيارةً صغيرةً لا تصلح لحمل الأمتعة، فإنه لا يلزم الموكِّل قبول السيارة؛ لأنه قد قام دليل التقييد دلالةً، المتمثِّل في حالة الموكِّل، فلا يكون الكلام مطلَقاً، بمعنى: أنه لا يجوز للوكيل شراء السيارة من أي نوعٍ يختاره هو.

2- لو وكَّل طالب علمٍ شرعيٍّ صديقه في أن يشتري له بعض الكتب، فاشترى له الوكيل كتباً في الطب أو في الهندسة، فإنه لا يلزم الموكِّل قبول هذه الكتب؛ لأنه قد قام دليل التقييد دلالةً، المتمثِّل في حالة الموكِّل، فلا يكون الكلام مطلَقاً، بمعنى: أنه لا يجوز للوكيل شراء الكتب في أي علمٍ يختاره هو.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله:

هذه القاعدة ترسم لنا منهجاً من مناهج إعمال الكلام؛ وذلك أن الكلام إذا كان مطلَقاً فإنه يُعمل به على الإطلاق، وإذا كان مقيَّداً فإنه يُعمل به على التقييد.

القاعدة الرابعة (ذكْرُ بعضِ ما لا يتجزأ كذكر كله)[2]

هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى:

هذا هو نص القاعدة عند ابن نجيم في كتابه (الأشباه والنظائر)، وهو نصها في (مجلة الأحكام العدلية)، أما عند الزركشي والسيوطي فنصها: (ما لا يقبل التبعيض، فاختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله)، ومعنى العبارتين واحدٌ.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

أن ما لا يقبل التجزئة يكون ذكر البعض منه - اختياراً أو إسقاطاً - قائماً مقام ذكر الكل من جهة ما يترتب على الكل من أحكامٍ.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو طلَّق رجلٌ نصف زوجته أو ربعها مثلاً، بأنْ قال: نصفكِ طالقٌ، أو ربعكِ طالقٌ، فإنها تطلق كلها؛ لأن المرأة لا تتجزأ، فيكون ذكر البعض منها كذكر الكل.

وكذا لو طلَّق رجلٌ زوجته نصف طلقةٍ أو ربعها مثلاً، بأن قال: أنتِ طالقٌ نصف طلقةٍ أو ربع طلقةٍ، فإنها تطلق طلقةً واحدةً كاملةً؛ لأن الطلقة لا تتجزأ، فيكون ذكر البعض منها قائماً مقام ذكر الكل.

2- لو كفل إنسانٌ نصف إنسانٍ آخر كفالة نفسٍ، أي كفالة إحضارٍ، بأن قال: أنا أكفل نصفه، فإنه يكون كفيلاً بهذا الشخص كله؛ لأن الإنسان لا يتجزأ، فيكون ذكر البعض منه قائماً مقام ذكر الكل.

3- لو عفا بعض أولياء الدم عن حقهم من القصاص، فإنه يسقط القصاص كله؛ لأن القصاص حقٌّ لا يتجزأ، فيكون إسقاط بعضه كإسقاط كله.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله:

هذه القاعدة ترسم لنا منهجاً من مناهج إعمال الكلام واجتناب إهماله، وذلك تنزيل بعض ما لا يتجزأ منزلة الكل فيما يترتب عليه من أحكامٍ يجعل للكلام ثمرةً، فيكون الكلام معملاً، ولو كان ذكر البعض لا يقوم مقام ذكر الكل هنا لم يكن للكلام ثمرةٌ، فيكون الكلام مهملاً، وقد نصَّت القاعدة الكلية على أن إعمال الكلام أولى من إهماله.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: تنبيهان متعلقان بهذه القاعدة:

التنبيه الأول: هذه القاعدة متعلِّقةٌ بما لا يقبل التجزئة، فيكون ذكر البعض فيها كذكر الكل، فيأخذ حكمه، أما ما يقبل التجزئة فلا تتعلَّق به هذه القاعدة، ويكون للبعض منه حكمٌ خاصٌّ كما أن للكل حكماً خاصّاً آخر، ومثاله: لو كفل إنسانٌ إنساناً آخر في نصف ما عليه من الدين، فإن هذه الكفالة تصح، ويكون هذا الشخص كفيلاً بنصف المال الذي على ذلك الشخص المكفول؛ لأن المال مما يقبل التجزئة، فيكون للبعض منه حكمٌ كما أن للكل حكماً آخر.

التنبيه الثاني: هذه القاعدة تتحدث عن الجزء - أي البعض - والكل، وقد ذكر بعض العلماء أن الجزء لا يزيد على الكل في الحكم إلا في مسائل قليلةٍ، منها ما يأتي:

1- لو قال رجلٌ لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإن هذا يكون صريحاً في الظهار، ولو قال: أنتِ عليَّ كامي، لم يكن هذا صريحاً، بل هو كناية عن الاحترام مثلاً، ولا يقع ظهاراً إلا إذا نواه.

2- أن بعرة البعير اليابسة - عند من يرى أن فضلة البعير نجسةٌ - يعد الجزء منها سبباً في تنجيس الماء، والبعرة الكاملة لا تُنجِّسه[3].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة