القاعدة الكلية الرابعة والعشرون (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)[1]
هذه القاعدة قد تُذكر على أنها قاعدة، وقد تُذكر على أنها ضابط، باعتبار تعلقها بجزئيات أو أبواب محددة في أحكام الفقه، حسب وجهات النظر في الفرق بين القاعدة والضابط، وعلى كلٍّ لا إشكال في ذلك، فالمقصود هو إعمال مضمونها.
والكلام في هذه القاعدة سيكون من خلال المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:
- لفظ (القرض)، وهو دفع المال لمن ينتفع به ويرد بدله.
- ولفظ (النفع) وهو الفائدة أو المصلحة التي تعود إلى أحد أطراف عقد القرض.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن أي فائدةٍ أو مصلحةٍ يحصل عليها أحد أطراف عقد القرض يعد أمراً محرماً؛ لأن ذلك يجعل القرض في هذه الحالة قرضاً ربويّاً خالصاً.
المسألة الثانية: مجال إعمال القاعدة:
هنا يرد سؤالٌ مفاده: هل كل منفعةٍ في القرض تكون محرمةً؟ أو أن هناك منافع تكون جائزة، حتى ولو اشتمل عليها عقد القرض؟
والمقام هنا مقام تفصيل؛ فالقاعدة تدل بعمومها على أن كل منفعةٍ جرها قرضٌ فإنها رباً محرم، وعند التحقيق يتبين أن هذه القاعدة ليست على عمومها، وإنما يخرج منها بعض المنافع الجائزة، ومنها:
أولاً: المنفعة غير المشروطة للمقرِض عند الوفاء.
فلو جاء المقترض عند الوفاء وقدَّم هديةً زيادةً في المال للمقرِض، دون أن يشترط المقرِض، فهي جائزة على الراجح، ومن باب حسن القضاء، سواء كانت الزيادة في القدْر أم الصفة، وسواء كانت من جنس القرض أم من غير جنسه، ما دامت غير مشروطة.
ثانياً: المنفعة المشروطة للمقترض.
كأن يشترط المقترض على المقرِض أن يوفيه أقل من الدَّين الذي عليه، بأن قال: أنت تعطيني عشرة آلاف، لكني لا أستطيع أن أسدد إلا ثمانية آلاف. فوافق المقرِض على هذا الشرط.
ومثله: اشتراط الأجل، كان يقول: أقرضني عشرة آلاف، وأسدد لك بعد شهرين أو ثلاثة.
ولو حصلت هذه المنافع من غير اشتراط فمن باب أولى أن تكون جائزةً، كأن اقترض شخصٌ من آخر على أن يسدده غداً، ولكن المقرِض لم يطالبه بذلك، واستمر الدَّين على الشخص شهرين أو ثلاثة، فحصلت المنفعة في التأخير بدون شرط، فلا إشكال.
ثالثاً: المنفعة المشروطة للطرفين إذا كان في ذلك مصلحة لهما من غير ضرر لواحد منهما على الآخر.
كاشتراط الوفاء في غير بلد القرض، كان يقول: أقترضُ منك في الرياض، وأوفيك في مكة، فهذه جائزة على الراجح، مع أن فيها نفعاً مشروطاً، وهو غير متمحض في هذه الحالة، وإنما جاء تبعاً وضمناً لا استقلالاً.
وإذا كان الاشتراط يجوز فغير الاشتراط يجوز، كأن اقترض شخص من آخر عشرة آلاف في الرياض، ثم بعد شهرين لقيه بمكة، فأعطاه العشرة آلاف.
رابعاً: المنفعة غير المشروطة للمقرِض قبل الوفاء إذا عُلم أن سببها ليس القرض.
فحينئذٍ لا يكون القرض جارّاً لها، فلا تكون محرمة، بل جائزة.
خامساً: منفعة ضمان المال.
فلو قال المقرضُ: أقرضك عشرة آلاف لكن أحضر لي ضامناً يضمنك. فهذه منفعة، لكن يوجبها القرض ويتضمنها؛ لأنها منفعة أصلية في القرض ولا اختيار فيها، ولا يقال بدخولها في هذه القاعدة.
وبناءً على ما تقدم فإنه يمكن أن نلخص مجال إعمال هذه القاعدة في كل قرض جرَّ منفعةً زائدة متمحضةً مشروطةً للمقرِض على المقترض أو في حكم المشروطة له، فهي التي تعد رباً.
ولذا إذا كانت المنفعة للمقترض فلا تدخل في حكم هذه القاعدة، كما أنه لا بد أن يكون المقرِض مشترطاً لها، أما إذا كان المقترض متبرعاً بها فلا بأس بذلك، وتكون أيضاً على المقترض، ولو كانت المنفعة على المقرِض وهو الذي دفعها فلا بأس بذلك.
والمقصود بما في حكم المشروطة: المنفعة المشترطة عرفاً لا لفظاً.
فهذه القاعدة تشمل اشتراط الزيادة للمقرض في القدر أو الصفة، سواء كانت من جنس القرض أم من غير جنسه، وتشمل أيضاً اشتراط المنفعة الزائدة المتمحضة للمقرِض، كأن يشترط أن يعمل له المقترض عملاً، أو أن يقرضه المقترض بدل هذا القرض، ونحو ذلك من المنافع المتمحضة للمقرِض، ولا يقابلها منفعة للمقترض سوى هذا القرض.
كما تشمل هذه القاعدة المنافع التي تكون في حكم المشروطة للمقرِض، مثل المنافع التي تكون عن تواطؤ، أو تشترط عادةً لا لفظاً على سبيل المعاوضة لا الإحسان.
المسألة الثالثة: أنواع منافع القرض:
المنفعة في القرض تتعدد أنواعها باعتبار تعدد المنافع التي يمكن أن ترد في عقد القرض، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: المنفعة المادية أو العينية، مثل النقود والمجوهرات والأراضي ونحوها.
ثانياً: المنفعة العَرَضية، مثل سكن الدار، وركوب الدابة والسيارة، والحصول على خدمة معينة.
ثالثاً: المنفعة المعنوية، مثل شكر المقترض للمقرِض، وضمان المال، وضمان خطر الطريق، والحصول على شفاعة ونحو ذلك.
وباعتبار آخر تتنوع المنافع في القرض: فقد تكون المنفعة للمقرِض، وقد تكون للمقترض، وقد تكون مشتركة بينهما، أو لطرفٍ ثالثٍ غيرهما، وقد تكون مشروطةً، إما لفظاً، وإما عرفاً، وقد تكون غير مشروطة، وقد تكون بسيطة أي تحصل مرةً واحدةً، وقد تكون مركبة، أي تتراكم وتتركب أضعافاً مضاعفةً مقابل التأجيل.
مع الإشارة إلى أنه يدخل في المنفعة، ما يُعرف عند الاقتصاديين بالفائدة.
المسألة الرابعة: الأدلة على القاعدة:
دل على هذه القاعدة جملة من الأدلة من القرآن والسنة:
فمن أدلة القرآن ما يأتي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ ﴾ [البَقَرَة: 275].
ثانياً: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البَقَرَة: 278].
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ [البَقَرَة: 279].
رابعاً: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ ﴾ [آل عِمرَان: 130].
ووجه الاستدلال من هؤلاء الآيات: أن القرآن الكريم دل على تحريم الزيادة المشروطة في بدل القرض للمقرِض، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: دخول الزيادة المشروطة في بدل القرض للمقرِض في الربا المحرَّم في القرآن.
الوجه الثاني: دخول الزيادة المشروطة في بدل القرض في ربا الجاهلية المحرَّم في الآيات السابقة.
وقد تقرر أن ربا القرض داخل في ربا الجاهلية.
وأما أدلة السنة على هذه القاعدة، فقد وردت نصوصٌ تدل على تحريم اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرِض، وهي:
أولاً: قول النبي ﷺ في حجة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوعٌ كله»[2]، وفي لفظ: «ألا إن كل رباً من ربا الجاهلية موضوعٌ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون»[3].
ووجه الاستدلال من الحديث: أن هذا الحديث دل على تحريم الزيادة المشروطة في بدل القرض للمقرِض؛ لأنها من ربا الجاهلية الموضوع، ويؤيد ذلك استشهاد النبي ﷺ بآية الربا في الحديث.
ثانياً: حديث: «كل قرض جر منفعة فهو ربا».
وهذا الحديث بهذا اللفظ فيه خلاف في ثبوته، فقد روي مرفوعاً إلى النبي ﷺ، ولا يصح[4]، وروي موقوفاً على فضالة بن عُبيد رضي الله عنه[5]، وروي مقطوعاً[6]، وإسناد المرفوع ضعيف جدّاً، وإسناد الموقوف ضعيف، إلا أن معناه صحيح إذا كان القرض مشروطاً فيه نفعٌ للمقرِض فقط، أو كان في حكم ذلك.
وتتقوى صحة معناه بعدة أمور:
الأمر الأول: أن الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع تدل على تحريم اشتراط المنفعة للمقرِض.
الأمر الثاني: تلقي كثير من العلماء لهذا الحديث بهذا اللفظ بالقبول واستدلالهم به في مصنفاتهم.
الأمر الثالث: أن الآثار عن الصحابة والتابعين دلت على تحريم كل قرض جر منفعة.
الأمر الرابع: المرويات الواردة في النهي عن الهدية للمقرِض. كما ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقرض أحدكم قرضاً فأُهدي إليه أو حُمل على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه قبل ذلك»[7]: يعني يكون بينه وبينه قبل ذلك اتفاق على الركوب أو على تلك الهدية، وأما إذا كانت بعد القرض فلا يجوز؛ لأنه يكون قرضاً جر نفعاً.
المسألة الخامسة: الفروع المبنية على القاعدة:
من هذه الفروع ما يأتي:
1- لو اقترض شخصٌ قرضاً، ثم إن المقترض باع للمقرِض ما يساوي ألفاً بخمسمائة محاباة له على هذا القرض، فهو قرض جر منفعة، فيكون رباً.
2- لو أن شخصاً أهدى لأحد الصانعين مالاً من دَين، ثم إنهما تعاقدا على تصنيع شيء يحتاجه المقرِض، ولكن المقرِض أنقص الصانع الأجرة المستحقة له بناء على ما له عنده من القرض، فهذا قرض جر منفعة فهو ربا.
ومن الأمثلة المعاصرة على هذه القاعدة:
1- انتفاع صاحب الحساب الجاري في المصرف، فإنه يعد قرضاً لا وديعة.
2- انتفاع صاحب الحساب الجاري بالأسعار المميزة لبعض خدمات المصرف، إذا كان للعميل دون غيره، ولم يكن للمصرف منفعة سوى إيداع الحساب لديه، فإنه قرض جر نفعاً.
3- الفوائد التي يحصل عليها أصحاب السندات[8]، فهذه الفوائد تكون قروضاً تجري عليها أحكام المنفعة في القرض؛ لأن أصحابها يحصلون على فائدة محددة ثابتة، وهذه الفائدة محرمة لأنها منفعة مشروطة في بدل القرض متمحضة للمقرِض، ولا يقابلها عوضٌ سوى القرض، فتكون محرمة.
القاعدة الكلية الخامسة والعشرون (الغرر يؤثر في التصرفات)[9]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:
- لفظ (الغرر) وقد تعددت تعبيرات العلماء في بيان المراد به، ولعل أقرب هذه العبارات وأوضحها: أنه الخطر الذي يكون بسبب الشك في الشيء أو الجهل بعاقبته.
ومن الشك في الشيء: تردده بين الوجود والعدم، أو عدم القدرة على تسليمه.
ومن الجهل بعاقبته: عدم العلم بحصوله في المستقبل.
- ولفظ (التصرفات) جمع تصرف، وهو كل ما صدر عن المكلف من قول أو فعل.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن التصرف إذا كان مشتملاً على مخاطرة بسبب الشك في الشيء أو الجهل بعاقبته، فإنه تصرف غير صحيح، ويكون مؤثراً في عدم صحة التصرف الصادر من المكلف.
قال ابن عبد البر: (بيع الغرر يجمع وجوهاً كثيرة، منها: المجهول كله، في الثمن والمثمن إذا لم يوقف على حقيقة جملته، فبيعه على هذه الحال من بيع الغرر، وإن وقف على أكثر ذلك وحصر حتى لا يشكل المراد منه فما جهل منه التافه اليسير الحقير والنزر في جنب الصفقة إذا كان مما لا يمكن الوصول إلى معرفة حقيقته فلا يضر ذلك، وهو متجاوز عنه غير مراعى عند جماعة العلماء)[10].
وقال النووي: (أما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة)[11].
إذا تأملنا واقع الفروع الفقهية التي يرد فيها الغرر فإنا نجد أن هناك تصرفات لا يُغتفر فيها الغرر، فلا تصح مع وجود الغرر، وفي مقابل ذلك نجد أن الغرر قد يُغتفر في تصرفات أخرى، فتصح تلك التصرفات مع وجود الغرر فيها، ولإيضاح هذا الأمر يمكن تقسيم الغرر إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: الغرر الكثير.
وهو الغرر الفاحش الذي لا تدعو إليه الضرورة أو الحاجة، وإذا كان كثيراً كذلك فلا يُعفى عنه إجماعاً، والسبب في ذلك أن الغالب يُعطى حكم المحقق، بمعنى أنه إذا كان احتمال وقوع الخطر قويّاً غالباً فإنه يؤثر في عدم صحة التصرف، ومن أمثلة ذلك:
1- تحريم بيع الحصاة، وهو أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي، وقيل في معناه: هو أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا وقعت الحصاة من يدي فقد وجب البيع، فهذا فيه غرر كثير، وهو محرم، ومؤثرٌ في صحة التصرف.
2- تحريم بيع الملامسة، وهو أن يُعلَّق البيع بلمس الرجل للثوب دون أن ينشره وينظر إليه ويتبين ما فيه، أو يبتاع ليلاً بطريق اللمس ولا يعلم ما فيه، فهذا محرم؛ لما فيه من الغرر الفاحش الكثير، وهو مؤثرٌ في صحة التصرف.
3- تحريم بيع المنابذة، وهو أن ينبذ كل واحد من المتبايعين الثوب إلى صاحبه من غير أن يعين أن هذا بكذا، فيجب البيع في هذه الحالة بناء على هذا، وفي هذا غرر كثير فيحرم، ويؤثر في صحة التصرف.
ومثل ما تقدم تحريم بيع الطير في الهواء، وتحريم بيع المجهول.
المرتبة الثانية: الغرر القليل اليسير.
وهو الذي تدعو إليه الضرورة والحاجة، ولا يمكن القيام بالفعل إلا به، فحينئذٍ يُعفى عنه إجماعاً، بمعنى أنه إذا كان الخطر الواقع أو المحتمل وقوعه قليلاً فإنه لا يؤثر في صحة التصرف، ومن أمثلة ذلك:
1- الجهل بأساس الدار، فإن الشخص الذي يشتري بيتاً لا يعلم أساس البيت كيف هو؟، وهذا غررٌ، ولكنه يسيرٌ قليلٌ وغير مؤثر، فيُغتفر.
2- الجهل بمقدار الأجرة ومدة اللبث وقدر الماء المستعمل عند الدخول إلى حمامات الاغتسال.
فإن الغالب في الحمامات التي تستأجر للاغتسال أن لا يُعرف مقدار الماء الذي سيُسكب، ولا مقدار الوقت الذي سيبقاه المغتسل في الحمام، وهذه كلها أمور مجهولة ويُغتفر الغرر فيها لأنها يسيرة.
ومثله الجهل بمقدار الماء المسكوب في مغاسل السيارات، فإنه لا يُعرف مقداره، ومع ذلك يصح التصرف ويكون مقبولاً؛ لأنه غررٌ يسيرٌ يمكن احتماله.
3- استئجار الأجير بطعامه، وذلك أن يقول لشخصٍ: اعمل لي هذا الحائط وغداؤك وعشاؤك عليَّ، فإن مقدار ما يؤكل غير منضبط؛ لأنه لا يُعرف إذا كان سيأكل قليلاً أو كثيراً، لكنه يُغتفر.
4- بيع بعض الأشياء التي لا يُعرف ما بداخلها كالرمان والبطيخ وغيرهما، فهذه أشياء تُباع بقشرها، ولا يُعلم ما بداخلها هل هو صحيح أو فاسد، ولكنه غررٌ يسيرٌ يُعفى عنه للضرورة والحاجة.
فهذه الأمثلة التي مرت تنغمر مفاسدها فيما يحصل فيها من المصالح الراجحة، بالإضافة إلى أن الغرر قليلٌ ونادرٌ، وتقرر في الشريعة أن النادر يُعطى حكم المعدوم فلا يُلتفت إليه.
المرتبة الثالثة: الغرر المتوسط.
فليس غرراً يسيراً قليلاً، وليس غرراً كبيراً فاحشاً، وهنا نعمل فيه بمبدأ التقريب، فإذا قرب من الغرر الكبير فيعتبر كبيراً ولا يُعفى عنه ولا يصح التصرف معه، وإذا قرب من الغرر القليل فيُعتبر قليلاً ويُعفى عنه، وذلك أن ما قارب الشيء يُعطى حكمه.
كما لو اشترى شخص من آخر سلعة على أن يوفيه ثمنها بعد الحصاد أو الجذاذ، فإن الأجل هنا مجهول ولا يُعرف بعينه، والغرر هنا يقرب من الغرر القليل؛ لأنه يمكن تعيين الأجل تقريباً عن طريق العُرف، ومعروف أن الجذاذ والحصاد يكون في الوقت الفلاني.
وهذا بخلاف ما لو قال: أبيعك هذه السلعة بألف ريال أو قريبٍ منها، فالثمن مجهول، والغرر فيه يقرب من الغرر الكبير الفاحش؛ لأن المشاحة في الأثمان تكثر غالباً.
ويجدر التنبيه في ختم الكلام على هذه القاعدة إلى أنه قد يحدث خلافٌ بين العلماء في حكم حادثةٍ من الحوادث بسبب خلافٍ في تحديد مقدار الغرر: هل هو من الغرر المؤثر؟ أو من الغرر غير المؤثر؟ ومن أمثلة ذلك: اختلاف الإمام مالك مع الإمام الشافعي في بيع الجوز واللوز في قشره.
فأجازه الإمام مالك ومنعه الإمام الشافعي، والسبب اختلافهم في الغرر الواقع في هذا البيع: هل هو من الغرر المؤثر في البيوع؟ أو ليس كذلك؟
وفي هذا وقائع كثيرة يمكن أن تُلحق بهذه القاعدة.