حجم الخط:

محتوى الدرس (45)

القاعدة الكلية الثلاثون (الخروج من الخلاف مستحب)[1]

هذه القاعدة من القواعد الضابطة للتعامل مع الخلاف الفقهي، والتي يعتمد عليها المفتون قديماً وحديثاً.

فمن المعلوم أن الخلاف الفقهي يتسع بابه ليشمل أبواب الفقه، كما أن المذاهب الفقهية المعتبرة متعددةٌ، وتختلف مآخذ الآراء فيها قوةً وضعفاً، وكثيراً ما تعرض المسألة للمفتي فتتقارب مآخذ المذاهب فيميل إلى الخروج من الخلاف في المسألة؛ رغبةً في الاحتياط في الدين.

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكونة من عدةِ ألفاظٍ تحتاج إلى البيان، وذلك على النحو الآتي:

- فأما لفظ (الخروج) فهو نقيض الدخول، وهو يحمل معنى الانفصال والخلوص[2].

- ولفظ (الخلاف) يعني منازعةٌ يأخذ فيها كل واحدٍ طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله.

ولا فرق في استعمالات العلماء بين لفظي (الخلاف) و(الاختلاف)[3].

- وأما لفظ (مستحبٌ) اسم مفعولٍ من الاستحباب، وهو لفظٌ مرادفٌ للمندوب، وهو ما يستحق فاعله الثواب ولا يستحق تاركه العقاب.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أنه يُندب للمفتي والمستفتي الأخذ بالدليل أو القول المرجوح فعلاً أو تركاً في المسالة، قبل وقوعها، احتياطاً، عند تعارض أدلة المختلفين لدى العلماء المجتهدين، أو عند الاشتباه في حكم المسألة لدى من سواهم من طلاب العلم المحصِّلين أو عامة المقلدين.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: صور تطبيق هذه القاعدة:

ذكر بعض العلماء - كالعز بن عبد السلام والقرافي وغيرهما[4] - صوراً لتطبيق هذه القاعدة بحسب المسائل المختلف فيها، وذلك على النحو الآتي:

الصورة الأولى: الخروج من الخلاف بترك الفعل.

وهذه الصورة تتحقق في حال ما إذا كان الخلاف بين العلماء في مسألةٍ بين الإباحة والتحريم، أو بين الندب والتحريم.

الصورة الثانية: الخروج من الخلاف بالفعل.

وتتحقق هذه الصورة في حال ما إذا كان الخلاف بين العلماء في مسألةٍ بين الإباحة والوجوب، أو بين الكراهة والوجوب، أو بين المشروعية وعدمها.

الصورة الثالثة: الخروج من الخلاف بالجمع بين الهيئات المختلفة[5].

وتتحقق هذه الصورة فيما إذا اتفق العلماء على مشروعية فعلٍ واختلفوا في هيئته.

وبقيت صورةٌ قد ترد هنا، وهي ما إذا كان الخلاف بين العلماء في مسألةٍ بين الإيجاب والتحريم، أو بين الاستحباب والكراهة؛ فإن هذا محل ترددٍ، وقد قال عنه الشوكاني: (فهذا هو المقام الضنْك، والموطن الصعب)[6].

وهنا قد يقال: يقدم الترك، لتجنب المحرم والمكروه؛ لأن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح.

وقد يقال: إنه لا احتياط هنا؛ لأن العقاب متوقعٌ على كل تقديرٍ في الوجوب والتحريم، ولتساوي الجهتين في الندب والكراهة[7].

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ منها:

1- عموم الأدلة الدالة على الحث على ترك المشتبه واتقاء الشبهات، والخروج منها احتياطاً للدين، ومنها قوله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»[8]، وقوله ﷺ: «إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه»[9].

حيث حضَّ النبي ﷺ على اتقاء الشبهات، وهي ما اشتبه على الناظر حكمه، ولم ينكشف له حقيقة أمره، ويدخل في هذا ما اختلف العلماء فيه اختلافاً قويّاً وتعارضت أدلتهم فيه، فيكون الخروج من الخلاف فيه فعلاً أو تركاً من قبيل اتقاء الشبهات، فيكون ذلك مستحبّاً.

2- أن الشرع يتشوف إلى تجنب المشتبَه فيه، وإذا اختلف الفقهاء في مسألةٍ اختلافاً قويّاً، وتعارضت الأدلة، وكان الدليل المعارض قويّاً، كان وجود ذلك شبهةً من الشبهات التي يمكن الاستناد إليها، والأخذ بالاحتياط للخروج منها.

على أنه يجدر التنويه إلى أن الخلاف ليس هو الشبهة في ذاته، وإنما الشبهة هي تعارض الأدلة وتقاربها عند الاختلاف، ولذا يقول العز بن عبد السلام: (فليس اختلاف العلماء هو الشبهة... وإنما الشبهة التعارض بين أدلة التحريم والتحليل)[10].

3- أنه قد نُقل الإجماع على قبول هذه القاعدة، والعمل بها من الأئمة، فقال النووي: (فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلالٌ بسنةٍ أو وقوعٌ في خلافٍ آخر)[11]، وقال ملا علي القاري: (الخروج من الخلاف مستحبٌّ بالإجماع)[12].

4- أن الفقهاء متفقون - في المذاهب الأربعة - على اعتبار الخلاف القوي شبهةً دارئةً في الحدود، واعتبروه من مقتضيات درء الحدود، فيقاس عليها ما عداها، متى حصل الاشتباه، وتطلب الأمر الاحتياط[13]، وفي هذا يقول الماوردي: (وأقوى الشبهات: عقدٌ اختلف الفقهاء في إباحته، فكان بإِدْرَاء الحد أولى)[14].

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على هذه القاعدة:

1- اختلف الفقهاء في حكم غسل النزعتين[15] مع الوجه في الوضوء؛ فذهب جمهورهم إلى أنه لا يلزم غسلهما؛ لأنهما ليستا من الوجه، وذهب قلةٌ منهم إلى أنه يلزم غسلهما مع الوجه؛ لأنهما من الوجه.

إلا أن الشافعية ذهبوا إلى استحباب غسلهما مع الوجه، وعللوا لذلك بأن الخروج من الخلاف مستحبٌّ.

2- اختلف الفقهاء في حكم نية الصيام في شهر رمضان؛ فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنها تجب لكل يومٍ نيةٌ مستقلةٌ من الليل، وذهب المالكية إلى أنها تكفي نيةٌ واحدةٌ من أول الشهر لجميعه، إلا أنهم قالوا: يُستحب تجديدها كل ليلةٍ، وعللوا لذلك بأن الخروج من الخلاف مستحبٌّ.

3- اختلف الفقهاء في اشتراط إذن الإمام في تملك الأرض الموات بالإحياء؛ فذهب الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أنه لا يشترط إذن الإمام في ذلك، ذهب أبو حنيفة إلى اشتراط إذن الإمام، وذهب المالكية إلى التفصيل: فإن كانت الأرض قريبة من العمران فيُشترط إذن الإمام، وإن كانت بعيدةً فلا يشترط.

إلا أن الشافعية استحبوا استئذان الإمام على كل حالٍ، وعللوا لذلك بأن الخروج من الخلاف مستحبٌّ.

4- اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على الرجعة على من طلَّق زوجته طلاقاً رجعيّاً ثم أراد أن يراجعها؛ فذهب جمهورهم إلى أن الإشهاد غير واجبٍ، وذهب مالكٌ في روايةٍ والشافعي في قوله القديم وأحمد في روايةٍ إلى أن الإشهاد واجبٌ.

إلا أن جميع من قال بعدم وجوب الإشهاد قد قال باستحبابه، وعلَّل بعضهم بأن الخروج من الخلاف مستحبٌّ.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: مجال إعمال هذه القاعدة:

ينحصر مجال إعمال قاعدة الخروج من الخلاف في الحال التي تكون قبل وقوع الفعل، وهي الحال التي يتأتى فيها الاحتياط، ويكون ذلك بالتحرز من الخلاف والخروج منه ما أمكن، بسلوك طريق الاحتياط، قبل صدور الفعل من المكلف.

وهذا يعني أنه إذا اختلف أهل العلم في مسألةٍ ما، فإنه يُلتزم فيها أحوط الأقوال، حتى يُبتعد عن مظنة بطلان العمل ومواقعة الإثم على جميع الأقوال راجحها ومرجوحها، والباعث على هذا هو الورع وطلب السلامة للدين[16].

Adobe Systemsالمسألة السادسة: أسباب الخروج من الخلاف وشروطه:

ترجع أسباب الخروج من الخلاف إلى سببٍ واحدٍ، وهو الاحتياط والورع.

والاحتياط يُعرَّف بأنه الاحتراز من الوقوع في ترك أمرٍ مأمورٍ به أو فعل أمرٍ منهيٍّ عنه عند الاشتباه.

والورع يقرب من معنى الاحتياط، واستعمالات العلماء له تشير إلى التوقي والاحتراز والاجتناب ونحوها، ولذا سوَّى كثيرٌ من العلماء بينهما.

وحيث تقدم معنا أن مجال إعمال هذه القاعدة ينحصر فيما كان قبل الوقوع فإن السائغ أن يكون الاحتياط هو سبب الفعل أو الترك، وإنما يسوغ الاحتياط عندما يحصل الاشتباه، ولا شك أن خلاف العلماء في مسألةٍ ما يعد شبهةً؛ من جهة أن كل عالمٍ قد اعتمد على دليلٍ له اعتباره، فيحصل التعارض بين دليلين أو أكثر فيميل المفتي إلى الأخذ بالاحتياط، فيراعي ذلك الخلاف ويسعى للخروج منه، يدفعه لذلك إرادة السلامة للدين، والابتعاد عما يُخشى تبعته، ولذلك فإن ابن السبكي قد جعل قاعدة (الخروج من الخلاف مستحبٌّ) من القواعد المتشعبة من الاحتياط، المبنية على عموم أدلته.

وإذا تقرر هذا فإنه يشترط للأخذ بهذه القاعدة وإعمالها شروط هي:

الشرط الأول: أن يكون دليل المخالف ومأخذه قويّاً.

وذلك بأن يستلزم هذا الدليل وذلك المأخذ وقوف الذهن عنده، وله قوةٌ أورثت في النفس شبهةً، فناسب توقيها بالتزام الأحوط والأبعد عن مظنة الإثم، حذراً من كونه هو الصواب.

وبناءً عليه فلو كان الدليل والمأخذ ضعيفاً لم يُراعَ، لأنه فقد تلك الأهلية، وأصبح القول المبني عليه معدوداً من الهفوات لا من الأقوال المعتبرة.

الشرط الثاني: أن يكون في المسألة شبهةٌ قويةٌ.

وذلك بأن لا يتبين وجه الحق فيها بجلاء، وأما إذا لم يكن في المسألة اشتباهٌ لدى المجتهد أو غيره من طالبي الحكم في المسألة، بحيث يكون دليل القول الراجح صحيحاً صريحاً سالماً عن المعارض فإنه يصبح الأخذ بالاحتياط والميل إلى القول الآخر طلباً للسلامة لا معنى له؛ إذ قد تبين أنه خطأٌ قطعاً، لعدم استناده إلى الدليل المعتبر، ومعارضته للدليل الصحيح.

الشرط الثالث: أن لا يؤدي الخروج من الخلاف إلى مخالفة الكتاب والسنة.

وذلك أن كل مخالفة للكتاب والسنة باطلةٌ، فما أدى إليها فهو باطلٌ، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والاحتياط حسنٌ ما لم يُفضِ بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط)، ويقول ابن السبكي ذاكراً ما يشترط للخروج من الخلاف: (أن لا يؤدي الخروج منه إلى محذورٍ شرعيٍّ من ترك سنةٍ ثابتةٍ أو اقتحام أمرٍ مكروهٍ أو نحو ذلك).

الشرط الرابع: أن لا يودي الخروج من الخلاف إلى خرق الإجماع.

وذلك لأن الإجماع حقٌّ وما خالفه باطلٌ، ومن الأمثلة على هذا الشرط: ما نُقل عن ابن سريجٍ أنه كان يغسل أذنيه مع الوجه في الوضوء ثلاثاً، ويمسحهما مع الرأس، ويُفردهما بالغَسل ثلاثاً، وذلك مراعاةً لمن قال إنهما من الوجه ولمن قال إنهما من الرأس ولمن قال إنهما عضوان مستقلان.

وهو بهذا قد وقع في خلاف الإجماع؛ إذ لم يقل أحدٌ بالجمع بين هذه الأعضاء في الوضوء[17].

الشرط الخامس: أن يكون الجمع بين المذاهب ممكناً.

وذلك أنه إذا لم يمكن الجمع بين المذاهب عند إرادة الخروج من الخلاف فإنه يتعين العمل بما يوجبه الدليل الشرعي، ولا يُترك الراجح عند معتَقَدِه لمراعاة المرجوح - بل يجب عليه اتباع ما غلب على ظنه، ويحرم عليه العدول عنه، ومن أمثلة ذلك: أن الجهر بالبسملة عند قراءة الفاتحة في الصلاة هو السنة عند الشافعي، وعند أبي حنيفة وأحمد الإسرار هو السنة، وعند مالكٍ الترك بالكلية، وعلى هذا فإنه لا يمكن الخروج من خلافهم جميعاً[18].

الشرط السادس: أن لا يوقع الخروج من الخلاف في خلافٍ آخر.

لأنه لا يحصل بهذا الخروج من الخلاف مطلقاً؛ ومن أمثلته: أن الحنفية يرون أن صلاة الوتر ثلاث ركعاتٍ لا يفصل بينها بسلامٍ، والجمهور على أن له أن يفصل.

وذهب بعض الشافعية إلى أن الفصل مكروهٌ، وذلك خروجاً من خلاف الحنفية، فاستحبوا له أن يصل الركعات الثلاث.

إلا أن هذا الخروج من الخلاف يوقع في خلافٍ آخر، وهو قولٌ لبعض الشافعية بعدم جواز الوصل، ووجوب الفصل بين الركعات الثلاث، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف أولئك بأولى من الخروج من خلاف هؤلاء.

Adobe Systemsالمسألة السابعة: الفرق بين قاعدة (الخروج من الخلاف مستحبٌّ) وقاعدة (مراعاة الخلاف):

قبل بيان الفرق بين هاتين القاعدتين يجدر التنبيه إلى معنى قاعدة (مراعاة الخلاف)، فهي تعني: العمل من قبل المفتي بالدليل المرجوح فعلاً أو تركاً في المسألة، عند تعارض أدلة المختلفين لدى العلماء المجتهدين.

وبناءً على هذا التعريف لحقيقة قاعدة (مراعاة الخلاف) يتضح أنهما يشتركان في أن في كلٍّ منهما عملاً بالأمر المرجوح، وتركاً للأمر الراجح، كما أن سبب كلٍّ منهما قد يكون التيسير ورفع الحرج وقد يكون الاحتياط.

وإذا تقرر هذا فالفرق بين قاعدة (مراعاة الخلاف) وقاعدة (الخروج من الخلاف) من وجهين:

الوجه الأول: أن بينهما عموماً وخصوصاً وجهيّاً، فقاعدة (مراعاة الخلاف) أعم من وجهٍ وأخص من وجهٍ، وقاعدة (الخروج من الخلاف) أعم من وجهٍ وأخص من وجهٍ؛ فقاعدة (مراعاة الخلاف) أعم من جهة أنها تجري فيما كان قبل وقوع الفعل وما بعد وقوعه، وقاعدة (الخروج من الخلاف) أخص من جهة أن محلها فيما كان قبل الوقوع.

وقاعدة (الخروج من الخلاف) أعم من جهة أن استعمالها قد يكون بيد المفتي - أي العالم المجتهد - وقد يكون المقلد أيّاً كانت درجته في العلم، وقاعدة (مراعاة الخلاف) أخص من جهة أن استعمالها بيد المفتي أي العالم المجتهد فقط.

الوجه الثاني: أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً؛ فقاعدة (مراعاة الخلاف) من قاعدة (الخروج من الخلاف)؛ حيث إن قاعدة (مراعاة الخلاف) قد يكون سببها التيسير ورفع الحرج، وقد يكون سببها الاحتياط، وأما قاعدة (الخروج من الخلاف) فسببها الاحتياط فحسب.

القاعدة الكلية الحادية والثلاثون (المتعدي أفضل من القاصر)[19]

هذه القاعدة تتعلق بموضوع المفاضلة بين الأعمال، فالشارع لم يسوِّ بين الأعمال، بل فاضل بينها، فجعل لكلٍّ منها ميزاتٍ وخصائص تختلف بها عن غيرها، وذلك لمقاصدَ عظيمةٍ وغاياتٍ شريفةٍ.

وقد اهتم العلماء بدراسة أسباب المفاضلة بين الأعمال، ووجوهها، وأنواعها، وذلك من أجل عدم الخلط بين فاضل الأعمال ومفضولها، فتضطرب عبودية الخلق لخالقهم، ولذا يقول العز بن عبد السلام: (ليس لأحدٍ أن يُفضِّل أحداً على أحدٍ ولا يسوِّي أحداً بأحدٍ حتى يقف على أوصاف التفضيل)[20]، ويقول ابن تيمية: (وهذا الباب إنْ لم يُعرف فيه التفضيل، وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال في كثيرٍ من الأعمال وإلا وقع فيه اضطرابٌ كبيرٌ)[21]، ويقول ابن القيم: (فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولاً، ثم درجاتها، ونسبة بعضها إلى بعضٍ، والموازنة بينها ثانياً، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثاً كثرةً وقوةً، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعاً...)[22].

وإذا تقرر هذا، فهذه القاعدة تتحدث عن سببٍ من أسباب المفاضلة بين الأعمال، وهو تعدي النفع، وهو سببٌ متعلق بالمفاضلة بين الأعمال من جهة ثمرة العمل، وسيكون الكلام عليها من خلال المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكونة من عدةِ ألفاظٍ تحتاج إلى البيان، وذلك على النحو الآتي:

- فأما لفظ (المتعدي) فهو من التعدي، وهو يعني الشيء المتجاوز في أثره.

- ولفظ (أفضل) هو أفعل التفضيل، ويعني الدلالة على أن شيئين اشتركا في صفةٍ وزاد أحدهما على الآخر فيها.

- ولفظ (القاصر) من القصور، ويعني الشيء الذي يقف أثره عند حدٍّ معينٍ ولا يتجاوز محله.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن العمل الذي يتعدى نفعه وأثره إلى غير القائم به، مقدمٌ في أولوية الفعل والأجر على العمل الذي يكون نفعه وأثره مقصوراً على فاعله وحده.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ منها:

1- قوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النِّسَاء: 95].

ووجه الدلالة منها أن الآية الكريمة قد نصت على نفي المساواة في الأجر والثواب والدرجة والمكانة بين المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهذا يعني تفضيل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهو عملٌ متعدي النفع، على القاعدين عن الجهاد وهم من أهل الإيمان، وعملهم قاصر النفع عليهم.

2- ما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والقيام؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هى الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»[23].

فقد دل الحديث على تفضيل إصلاح ذات البين، وهو عملٌ متعدي النفع، على التنفل بالصيام والقيام، وهما عملان قاصران على إصلاح النفس، حيث يتعدى أثر إصلاح ذات البين إلى الغير، فيؤدي إلى حصول الاجتماع ونبذ التفرق.

3- ما ورد أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ مرَّ بشعبٍ فيه عُيينةٌ من ماءٍ عذبةٌ فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلتُ الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة...»[24].

فقد دل الحديث على النهي عن التفريط في المصالح المتعدية التي تحصل من الجهاد في سبيل الله من أجل إدراك بعض المصالح التي يقتصر نفعها على الفاعل وحده بالانقطاع للعبادة واعتزال الناس، وهذا دليلٌ على أن العمل الذي يتعدى نفعه أفضل من العمل القاصر.

4- ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه...»[25].

فقد دل الحديث على تفضيل الرباط في سبيل الله على الصيام والقيام معاً، وذلك أن الرباط يتعدى نفعه، فيحصل به حماية الثغور والحدود، ومنع العدوان على المسلمين، فأما الصيام والقيام فنفعهما قاصرٌ على فاعلهما، وذلك دليلٌ على أن العمل المتعدي نفعه أفضل من العمل القاصر نفعه على الفاعل وحده.

5- ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»[26].

فقد دل الحديث على تفضيل العلم على العبادة، وذلك تفضيلٌ في الجملة، فالعلم نفعه يتعدى إلى من سوى المتعلم، فينتفع منه جمهور الناس، حين يُعلِّم الجاهل، ويُرشد الضال، ويصلح الفاسد، ويُصوِّب المخطئ، وتقام حدود الله وشريعته، وأما العبادة فيقتصر نفعها على العابد وحده، فدل هذا على أن العمل المتعدي النفع أفضل من العمل الذي يقصر نفعه على صاحبه.

6- اتفاق العلماء على أن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر على المرء نفسه، وقد نقل ابن الحاج هذا الاتفاق، فقال: (ولا خلاف بين الأئمة في أن الخير المتعدي أفضل من الخير القاصر على المرء نفسه)[27]، وقال أيضاً: (ولا يُختلف أن النفع المتعدي أفضل من القاصر على المرء نفسه بشرط السلامة من الآفات التي تَعْتَوِرُهُ في ذلك)[28].

7- أن تفضيل العمل الذي يتعدى نفعه على العمل الذي يقتصر نفعه على صاحبه هو الملائم عقلاً؛ فإن العمل الذي يتعدى نفعه تتحقق منه مصالح أعم وأكثر أثراً، وأما العمل القاصر فمصلحته خاصةٌ، ولا شك أن تحصيل المصالح العامة أولى من طلب وتحصيل المصالح الخاصة.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على هذه القاعدة:

1- أن أعمال البر التي ينتفع بها عامة المسلمين، كنشر العلم، والإغاثة بالإطعام والكسوة، أفضل من نوافل العبادات التي يكون نفعها مقصوراً على أصحابها، كالتنفل بالعمرة أو أداء حج النافلة.

2- أن الاشتغال بطلب العلم أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات إذا لم يمكن تحصيلهما معاً، فإذا كان الاشتغال بنوافل العبادات مؤدياً إلى فوات الدرس، فإن النافلة تترك لأجل إدراك الدرس.

3- أن بر الوالدين والعمل على قضاء حوائجهما أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات إذا لم يمكن تحصيلهما معاً، فإذا كان الاشتغال بنوافل العبادات مؤدياً إلى التفريط في حق الوالدين، فإن النافلة تترك لأجل إدراك برهما.

4- أن إنقاذ الغريق في حال القدرة على إنقاذه، أو من داهمه الحريق، أفضل من الاشتغال بالصلاة، ولو كانت فرضاً، ولو ضاق وقتها؛ لأن إنقاذ الغريق أو من داهمه الحريق يتعدى نفعه إلى الغير، بخلاف الصلاة فنفعها قاصرٌ على فاعلها وحده.

5- أن الاشتغال بالأعمال والمهن المشروعة كالصناعة والتجارة والزراعة يتفاضل فيما بينها بحسب تعدي نفعها للمجتمع، فحيث تقلُّ الأقوات ويحتاج المجتمع إلى الغذاء تكون الزراعة أفضل، وحيث تكثر الأقوات ويُحتاج إلى الصناعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للمجتمع تكون الصناعة أفضل، وعندما تتوافر الزراعة والصناعة ويُحتاج إلى من ينقل ذلك الإنتاج إلى البلاد الأخرى تكون التجارة أفضل، فتتفاوت رتب هذه الأعمال وأفضليتها بحسب ما تحققه من النفع المتعدي.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: موقف العلماء من هذه القاعدة ومجال إعمالها:

تفاوتت مواقف العلماء من هذه القاعدة على النحو الآتي:

الموقف الأول: من يرى أن هذه القاعدة أغلبية، وليست مطردةً، وإلى هذا ذهب الزركشي، والهيتمي، حيث قال الزركشي: (وأما الشبهة التي استند إليها هذا القائل فمبنيةٌ على أن العمل المتعدي أفضل من القاصر، وليست بقاعدةٍ مطردةٍ)[29]، وقال الهيتمي: (قاعدة أن العمل المتعدي أفضل من القاصر... أغلبية؛ لأن القاصر قد يكون أفضل، كالإيمان أفضل من الجهاد)[30]، وقال أيضاً: (الغالب أن العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر)[31].

ووجه هذا القول: أن قاعدة (العمل المتعدي أفضل من القاصر) يَرِدُ عليها بعض الاستثناءات التي تخرج من حكمها، ووجود الاستثناء دليلٌ على أن القاعدة لا تنطبق على كل جزئياتها بل على أكثرها، فتكون بهذا قاعدةً أغلبيةً لا كليةً.

الموقف الثاني: من يرى التفصيل بحسب أحوال التعدي والقصور، وأن القاعدة ليست على إطلاقها، وأنها لو أُخذت بهذا الإطلاق فإنها لا تصح، وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام، والقرافي، والمقري.

ففي حالٍ قد يكون العمل القاصر أفضل من المتعدي، وذلك كالتوحيد والإيمان والإسلام، وأركان الإسلام عدا الزكاة، فقد قال ﷺ: «خير أعمالكم الصلاة»[32]، وسُئل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمانٌ بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهادٌ في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرورٌ»[33].

فقد فضَّل النبي ﷺ الإيمان على الجهاد، والإيمان عملٌ قاصر النفع على صاحبه.

وفضَّل النبي ﷺ الذِّكر والتسبيح عقب الصلاة على التصدق بفضول الأموال[34]، ومعلومٌ أن الذِّكر التسبيح عملٌ قاصر النفع، بخلاف التصدق بفضول الأموال، فهو عملٌ متعدٍّ.

وفي حالٍ أخرى قد يكون العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر، كما مرَّ في تفضيل الجهاد في سبيل الله، وهو عملٌ متعدٍّ، على الحج المبرور، وهو عملٌ قاصرٌ.

وقد مرَّ بنا أن إنقاذ الغريق في حال القدرة على إنقاذه، أفضل من الاشتغال بالصلاة، ولو كانت فرضاً، ولو ضاق وقتها؛ لأن إنقاذ الغريق يتعدى نفعه إلى الغير، بخلاف الصلاة فنفعها قاصرٌ على فاعلها وحده.

ثم إن أصحاب هذا الموقف قد جعلوا ضابط التفضيل هنا مرتبطاً بأمرين:

أولهما: رجحان مصلحة العمل، فالعمل الذي تكون مصلحته أرجح يكون أفضل سواءٌ أكان عملاً متعدياً أم قاصراً.

ثانيهما: ورود النص بتفضيل العمل، فما ورد نصٌّ بتفضيله يكون أفضل وإنْ لم يُدرك سبب رجحانه.

ويقرب من هذا الموقف موقف من يرى أن هذه القاعدة مقيدةٌ في واقعها بشرطٍ، وهو أن تكون المصلحة الناتجة عن العمل المتعدي أرجح من المصلحة الناتجة من العمل القاصر[35]، فكأن نص القاعدة: (المتعدي الذي رجحت مصلحته أفضل من القاصر).

وبناءً عليه يصح إطلاق القاعدة بهذه العبارة، إلا أن لها شرطاً يجب تحققه لإعمالها، ولا يجب التصريح به في نصها، ولا يرد عليها الاستثناء كما قال أصحاب الموقف الأول، لأن ما قيل إنه مستثنى من القاعدة فهو غير داخلٍ في القاعدة من الأصل؛ إذ لم ينطبق عليه شرط القاعدة، فكأن نص القاعدة: (المتعدي الذي رجحت مصلحته أفضل من القاصر).

والذي يظهر أن العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر مطلقاً في حال تعارضهما، وعدم إمكان الجمع بينهما، وهو المناسب شرعاً، والملائم عقلاً، إذ الشرع والعقل قد دلا على أن العمل الذي رجحت مصلحته وتعدى نفعه أفضل من العمل الذي تكون مصلحته مرجوحةً أو يكون أثره قاصراً على صاحبه في حال التعارض وعدم إمكان الجمع.

وأما تفضيل العمل القاصر على المتعدي بناءً على بعض النصوص الواردة فيها، فتحمل على التفضيل المطلق الذي لا يكون في حال التعارض، كتفضيل الإيمان على الجهاد في سبيل الله، أو تفضيله في حالٍ أو وقتٍ أو لشخصٍ دون ما عدا ذلك، وذلك كتفضيل الذكر بعد الصلاة على الصدقة بالمال؛ حيث إن هذا التفضيل إنما هو لأولئك الذين سألوا النبي ﷺ ومن كان مثلهم ممن لا يملك المال للتصدق به، وأما من يملك المال ولا يمكنه التصدق به وإيصاله لمستحقيه إلا إذا ترك الذِّكر، لضيق وقته وخوف فوات تحصيل المستحق، فإن الذي يظهر أن تحصيل بذل الصدقة أفضل من الذكر في حقه.

وهذا مثل تفضيل بعض الأعمال المتعدية على بعض، فقد يحصل أن يفضَّل عملٌ متعدٍّ على غيره، وفي موضعٍ آخر يُفضَّل عملٌ متعدٍّ آخر، ويكون ذلك بحسب الأحوال أو الأشخاص أو المناسبات، كما ورد في تفضيل بر الوالدين والجهاد في سبيل الله[36]، وورد تفضيل إدخال السرور على المؤمن وقضاء الدين عنه وإطعامه[37]، وورد تفضيل التودد إلى الناس على غيره[38].

وبناءً على ما تقدم فإن الذي يظهر أنه لا يُحتاج إلى تقييد إطلاق القاعدة بمضمون الشرط المذكور - وهو رجحان مصلحة العمل المتعدي - لأن تعدي النفع من طبيعة العمل المتعدي، وصاحب العقل السليم والنظر المستقيم يرجِّح العمل ذا النفع المتعدي على العمل ذي النفع القاصر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة