حجم الخط:

محتوى الدرس (10)

القاعدة الخامسة (الأصل في الأشياء الإباحة)[1]

الكلام عن هذه القاعدة يتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى:

هذه القاعدة متعلقة بحكم الأشياء المسكوت عنها، أي التي لم يرد بشأنها دليلٌ يُبيحها بعينها أو يُحرمها بعينها، ولفظ (الأشياء) في هذه القاعدة وإنْ جاء مطلقاً إلا أنه عند التحقيق مقيَّدٌ بالأشياء غير الضارة؛ لأن الأشياء التي ثبت ضررها ليس الأصل فيها الإباحة وإنْ لم يرد بشأنها دليلٌ بعينها.

إذاً: فلفظ (الأشياء) هنا يخرج منه ما ورد بشأنه دليلٌ يُبيحه أو يُحرّمه بعينه، فهذا يُتّبع فيه الدليل، ويخرج منه كذلك ما ثبت أنه ضارٌّ فإنه يكون محرماً.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

أن القاعدة المستمرة في الشرع أن الأشياء المسكوت عنها شرعاً وغير الضارة من الأعيان والمنافع والمعاملات أنها غير محرمةٍ، ولا يُنتقل عن هذا الحكم إلا بدليلٍ.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:

دل على القاعدة أدلةٌ من القرآن والسنة والمعقول، وإليك تفصيل ذلك:

أولاً: الأدلة من القرآن:

1- قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البَقَرَة: 29]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى امتنَّ علينا في هذه الآية بأنْ خلق لنا جميع ما في الأرض، وأبلغ وجه الامتنان إباحة الانتفاع بالشيء، فيكون الانتفاع بجميع ما في الأرض مباحاً لنا.

2- قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ [الأنعَام: 145]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى قد ذكر هنا المحرمات من المطعومات على وجه الاستثناء، والاستثناء لا يكون إلا من أصلٍ على خلاف المستثنى، فيكون الأصل فيما عدا هذه المحرمات هو الإباحة.

3- قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ [الأعرَاف: 32]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى قد أنكر على من حرَّم أشياء بدون دليلٍ صادرٍ عنه تعالى، فدل على أن ما لم يأتِ بشأنه دليلٌ يُحرِّمه يكون حكمه الإباحة.

ثانياً: الأدلة من السنة: ورد فى السنة عدة أحاديث تفيد بمجموعها معنًى واحداً، وهو أن ما سُكت عن حكمه في الشرع فهو على العفو، وذلك دليلٌ على إباحته.

- فقد ورد أنه ﷺ قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عفوٌ، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً»[2].

- وورد أنه ﷺ قال: «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحرَّم حرماتٍ فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها»[3].

- وورد أنه ﷺ قال لما سُئل عن الجبن والسمن والفراء: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»[4].

ثالثاً: الدليل من المعقول: وهو أن الله تعالى إما أن يكون قد خلق هذه الأشياء لحكمةٍ أو لغير حكمةٍ، وكونه خلقها لغير حكمةٍ ممتنعٌ بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدُّخان: 38] فيبقى أن الله تعالى خلق هذه الأشياء لحكمة، وهذه الحكمة لا تخلو إما أن تكون لانتفاعه بها أو لانتفاع خلقه بها، وانتفاعه تعالى بهذه الأشياء ممتنعٌ؛ لاستغنائه سبحانه عن خلقه، فيبقى أن سبحانه خلقها لانتفاع الخلق بها؛ لأنهم هم المحتاجون إليها، فثبت إذاً أن الأصل في الأشياء الإباحة.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:

ينبني على هذه القاعدة أحكام ما سُكت عنه في الشرع وهو ليس ضارّاً، وذلك كثيرٌ جدّاً، ومن أمثلته:

1- أن الحيوان المشكل أمره يكون حكمه الإباحة، وذلك كالزرافة، قال السيوطي: (ومنها مسألة الزرافة. قال السبكي: المختار حل أكلها؛ لأن الأصل الإباحة)[5].

2- أن النبات الذي جُهلت سُمِّيته وجهل ضرره يكون حكمه الإباحة بناءً على هذه القاعدة.

3- لو دخل حمامٌ برج شخصٍ، ولم يُعلم هل هو مملوكٌ أو لا؟ فإن لصاحب البرج التصرف فيه؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة.

4- يتخرج على هذه القاعدة كثيرٌ من العقود والمعاملات المالية التي جدت في العصر الحديث، وذلك إذا خلت ابتداءً من أي محذورٍ شرعي، فإنه يكون حكمها الإباحة؛ لأن الأصل في الأشياء.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة أفادت أن إباحة الأشياء المسكوت عنها شرعاً وغير الضارة أمرٌ متيقنٌ، وحرمتها أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن وهو الإباحة، ونترك المشكوك فيه وهو التحريم، وهذا ما أفادته القاعدة الكبرى.

القاعدة السادسة (الأصل في الأبضاع التحريم)[6]

هذه القاعدة تتضمن عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: ما يحتاج إلى البيان من ألفاظ هذه القاعدة هو:

- لفظ (الأبضاع) وهو جمع بُضعٍ، وهو الفرج، فالأبضاع هي الفروج، وهذا اللفظ في هذه القاعدة كنايةٌ عن النساء والاستمتاع بهن.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن القاعدة المستمرة في الشرع في أمور النساء والاستمتاع بهن هي التحريم، فلا يُخرج من هذه القاعدة إلا بيقين الإباحة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة مجموعة من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو اشتبهت امرأةٌ محرَّمةٌ على رجلٍ بنساء قريةٍ محصوراتٍ، ولا يعرف عينها، فإنه لا يجوز له أن يجتهد ويتحرى في تعيين المرأة المحرَّمة عليه ثم النكاح من البواقي؛ لأن حرمة هؤلاء النسوة متيقنة؛ لكونها الأصل، وقد حصل الشك هنا في إباحتهن له.

2- لو أن رجلاً طلَّق إحدى نسائه بعينها، ثم نسيها، فإنه لا يجوز له أن يجتهد ويتحرى في تعيين المطلَّقة ووطء البواقي؛ لأن حرمة الأبضاع متيقنةٌ؛ لكونها الأصل، وقد حصل الشك هنا في إباحة زوجاته له.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة أفادت أن حرمة الأبضاع متيقنةٌ، وإباحتها مشكوكٌ فيها، فنأخذ بالمتيقن وهو التحريم، ونترك المشكوك فيه وهو الإباحة، وهذا ما أفادته القاعدة الكبرى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة