محتوى الدرس (20) (محتوى الدرس-الضرر يُدفع بقدر الإمكان-الضرر يُزال-القديم يُترك على قِدَمِه)
القاعدة الثانية (الضرر يُدفع بقدر الإمكان)[1]
الكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
المسألة الأولى: معنى القاعدة:
- أولاً: المعنى الإفرادي:
- لفظ (يُدفع) ظاهره يفيد إزالة الضرر قبل وقوعه، إلا أن واقع أحكام الشرع يدل على أنه يمكن أن يُراد به إزالة الضرر قبل وقوعه وكذا بعده.
- ولفظ (بقدر الإمكان) يعني بحسب الاستطاعة والقدرة.
- ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الواجب شرعاً هو منع وقوع الضرر أو رفعه بعد وقوعه بحسب الاستطاعة والقدرة، فإن أمكن منعه أو رفعه بالكلية وإلا فإن المنع أو الرفع يكون بحسب المستطاع.
المسألة الثانية: الأدلة على هذه القاعدة:
دل على هذه القاعدة ما يأتي:
1- قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التّغَابُن: 16]، مع قوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»[2].
ووجه الاستدلال منه: أن دفع الضرر قبل وقوعه أو رفعه بعد وقوعه من قبيل امتثال أمر الشرع؛ لأنه قد نهى عن إيقاع الضرر كما تقدم، فتكون إزالته واجبةً، والوجوب معلَّق بالاستطاعة بدلالة الآية والحديث، فيلزم دفع الضرر أو رفعه بحسب الإمكان.
2- قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفَال: 60].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى أمر المؤمنين بإعداد القوة لدفع ضرر الأعداء وقيَّد هذا الأمر بالاستطاعة مما يدل على أن دفع الضرر يكون بحسب الإمكان.
3- قوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ ﴾ [النِّسَاء: 34].
ووجه الاستدلال: أن نشوز الزوجة يعد ضرراً على الزوج، وقد أمر الله تعالى بدفعه بحسب الاستطاعة، مما يدل على أن الضرر يُدفع بقدر الإمكان.
4- قوله ﷺ: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[3].
ووجه الاستدلال: أن وقوع المنكر يعد ضرراً، وقد وجَّه النبي ﷺ إلى وجوب رفعه بحسب القدرة، مما يدل على أن الضرر يُدفع بقدر الإمكان.
5- ما ورد في حديث سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه الذي تقدم؛ فقد طلب النبي ﷺ من سمرة أن يبيعه، ثم أن يُناقله، ثم أن يهبه للأنصاري، وكل ذلك من قبيل السعي إلى دفع الضرر عن الأنصاري بقدر الإمكان.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
هذه القاعدة لها جانبان، جانب دفع الضرر أو رفعه بالكلية، وجانب دفع الضرر أو رفعه جزئيّاً، وفي كلٍّ منهما دفعٌ أو رفعٌ للضرر بقدر الإمكان، فحصل عندنا أربعة أقسامٍ:
- أحدها: رفع الضرر بعد وقوعه جزئيّاً.
- ثانيها: رفع الضرر بعد وقوعه بالكلية.
- ثالثها: دفع الضرر قبل وقوعه جزئيّاً.
- رابعها: دفع الضرر قبل وقوعه بالكلية.
فأما القسمان الأول والثاني اللذان يتعلقان بما بعد الوقوع فتقدم التمثيل لهما في القاعدة الأولى.
وأما القسم الثالث فمن أمثلته:
1- أن أذى المعتدي على العرض إذا لم يندفع إلا بدفع المال إليه فإنه يُشرع دفع المال إليه في هذه الحال؛ إزالةً للضرر بقدر الإمكان عن المعتدى عليه. وهذا من قبيل دفع الضرر جزئيّاً، فإن الضرر لا يندفع عن المعتدى عليه إلا بانصراف المعتدي دون أخذه لذلك المقابل المالي.
ومن أمثلة القسم الرابع:
1- أن أحد المتبايعين قد يقع له ضررٌ بعد لزوم عقد البيع، كأن يندم على البيع أو الشراء، فشُرع خيار المجلس وخيار الشرط؛ لدفع الضرر المتوقع لأحد المتعاقدين. وهذا في الجملة فيه دفعٌ للضرر بالكلية.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
لما كان الواجب شرعاً هو منع وقوع الضرر أو رفعه بعد وقوعه كما نصت على ذلك القاعدة الكبرى فقد أفادت هذه القاعدة أن ذلك المنع أو الرفع مقيدٌ بحسب الاستطاعة والقدرة.
القاعدة الثالثة (القديم يُترك على قِدَمِه)[4]
الكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
المسألة الأولى: معنى القاعدة:
- أولاً: المعنى الإفرادي:
في هذه القاعدة لفظان نحتاج إلى بيان معنى كلٍّ منهما:
- فلفظ (القديم): هو ما توافر فيه وصفان:
أحدهما: أن لا يوجد وقت النزاع فيه مَنْ أدرك مبدأَه.
ثانيهما: أن يكون مشروعاً في أصله[5].
ومعنى هذا أنه لو فُقد أحد هذين الوصفين أو كلاهما فإنه لا يتحقق وصف القِدَم الاصطلاحي المقصود في هذه القاعدة.
- ولفظ (قِدَمُه) يُراد به: حالته التي هو عليها وقت النزاع.
- ثانياً: المعنى الإجمالي:
أن ما يقع فيه النزاع مما هو في أيدي الناس من أعيانٍ أو منافع - وكان مما لا يُدرك أحدٌ مبدأَه، وهو مشروعٌ في أصله - فإنه يُترك على حالته التي هو عليها بلا زيادةٍ ولا نقصٍ ولا تغييرٍ ولا تحويلٍ، ويُعد قِدَمُه دليلاً على أنه حقٌّ قائمٌ بطريقٍ مشروعٍ.
المسألة الثانية: الدليل على القاعدة:
يُمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بدليلٍ من المعنى، وهو: أنه لما كان هذا الشيء المتنازع فيه موجوداً من الزمن القديم على هذه الحال المشاهدة فإن الأصل بقاؤه على ما كان عليه، خاصةً وأن الغالب على الظن أنه ما حدث إلا بوجهٍ شرعيٍّ، والشيء إذا وُجد على وجهٍ شرعيٍّ فإنه ينبغي تركه على حالته فلا تجب إزالته.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
- لو كان لشخصٍ في داره ميزابٌ يصب على بيت جاره من الزمن القديم، وأراد الجار إزالة هذا الميزاب فإنه يُمنع من ذلك؛ لأن الميزاب قديمٌ، والقديم يُترك على قِدَمه.
- و كان لشخصٍ ممرٌّ في أرض جاره يمر منه إلى بيته من الزمن القديم، وأراد الجار إغلاق هذا الممر، فإنه يُمنع من ذلك؛ لأن الممر قديمٌ، والقديم يُترك على قِدَمِه.
- لو كان لشخصٍ بقعةٌ في أرض جاره يُلقي فيها فضلاته وفضلات بهائمه من الزمن القديم، وأراد صاحب الأرض منعه من ذلك فإنه لا يُمكَّن منه؛ لأن انتفاعه بتلك البقعة قديمٌ، والقديم يُترك على قِدَمِه.
- لو كان من عادة شخصٍ من الزمن القديم أن يحجز ماء المطر في أرضه حتى يمتلئ زرعه، ثم يُطلق الزائد لجاره، وأراد جاره أن يطلب منه أن يُطلق له الماء قبل امتلاء زرعه فليس له ذلك؛ لأن انتفاعه بتلك الطريقة قديمٌ، والقديم يُترك على قِدَمِهِ.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
أنه لما كان بعض ما في أيدي الناس مما هو قديمٌ من أعيانٍ أو منافع قد يظهر أن فيه ضرراً، والضرر- كما هو متقررٌ - تجب إزالته، فقد جاءت هذه القاعدة لتُبين أن القديم يُترك على قِدَمِهِ وإنْ ظهر أن فيه ضرراً.