حجم الخط:

محتوى الدرس (16)

القاعدة الكبرى الثالثة (المشقة تجلب التيسير)[1]

والكلام في هذه القاعدة سيكون ضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة وأهميتها:

القاعدة الكبرى الثالثة: المشقة تجلب التيسير

هذه القاعدة واحدةٌ من القواعد الكبرى التي بُني عليها الفقه، وقد ذكر العلماء أن هذه القاعدة يتخرَّج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته، يُضاف إلى هذا أن هذه القاعدة من أوضح مظاهر رفع الحرج في الشريعة، وهي أبرز ما يكشف عن تطبيقات هذا الأصل في الشرع.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من ثلاثة ألفاظٍ، وبيانها فيما يأتي:

- فأما لفظ (المشقة) فهي في اللغة: الجهد والعناء والشدة والتعب. وفي اصطلاح الشرع تعني: الوقوع في التعب والشدة عند القيام بالتكاليف الشرعية.

- ولفظ (تجلب) في اللغة يعني: سوق الشيء والمجيء به من موضعٍ إلى موضعٍ. والمقصود به هنا لا يخرج عن هذا المعنى.

- ولفظ (التيسير) في اللغة من اليسر ضد العسر، والمقصود به هنا: التسهيل والتخفيف بعملٍ لا يُجهد النفس ولا يُثقل الجسم.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن الشدة والصعوبة البدنية أو النفسية التي يجدها المكلف عند القيام بالتكاليف الشرعية تصير سبباً شرعيّاً صحيحاً للتسهيل والتخفيف بحيث تزول تلك الشدة والصعوبة أو تهون.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: أقسام تيسيرات الشرع وتخفيفاته:

تنقسم هذه التخفيفات وتلك التيسيرات في الشرع إلى قسمين:

القسم الأول: التيسير والتخفيف الأصلي: والمراد به أن الشرع قد جاء بأحكامٍ رُوعي فيها التيسير والتخفيف منذ شُرعت هذه الأحكام ابتداءً، وعامة أحكام الشرع مبنيةٌ على هذا، حتى إن الشريعة غدت توصف بمعناه، وقد وردت آياتٌ وأحاديثُ كثيرةٌ تدل على هذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ [الحَجّ: 78]، وقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ [البَقَرَة: 286]، وقوله ﷺ: «بُعثتُ بالحنيفية السمحة»[2]، وقوله ﷺ: «إن الدين يُسرٌ»[3]، وما في معنى هذه الأدلة كثيرٌ.

ومن صور هذا القسم ما يأتي:

1- سهولة الشريعة الإسلامية بالنسبة للشرائع السابقة.

2- مراعاة إباحة ما يحتاج إليه الناس من المعاملات من الأصل، كالسلم، والإجارة.

3- التيسير على الناس باعتبار أن الأصل في الأشياء الإباحة.

4- مراعاة اختلاف أحوال الناس، ومجيء الأحكام على وفق هذا الاختلاف من الأصل، كمراعاة حال المرأة والتخفيف عليها بالنسبة لحال الرجل، ومراعاة حال العبد والتخفيف عليه بالنسبة لحال الحر، ومراعاة حال الصبي الصغير والتخفيف عليه بالنسبة لحال البالغ العاقل.

5- مراعاة عدم التكليف بما يتعذر أو يمتنع وهو المستحيل.

القسم الثاني: التيسير والتخفيف الطارئ: والمراد أن الشرع قد راعى وجود بعض الأعذار الطارئة للمكلف في أحواله المختلفة، فشرع التيسير عند وجودها، وهو المقصود بالرخصة في كلام العلماء.

وقد قسَّم بعض العلماء التيسير والتخفيف الطارئ إلى ثمانية أنواع:

النوع الأول: تخفيف الإسقاط، ومن أمثلة هذا النوع: إسقاط الجمعة والجماعة عن المريض، وإسقاط وجوب الحج عمن لم يجد للحج إلا طريق البحر، وكان الغالب عدم السلامة.

النوع الثاني: تخفيف التنقيص، ومن أمثلته: قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلاة كتنقيص الركوع والسجود إلى القدر الميسور من ذلك.

النوع الثالث: تخفيف الإبدال، ولا بد هنا أن يكون البدل أخف وأسهل من المبدل حتى يكون من أنواع التخفيف، ومن أمثلته: إبدال الوضوء والغُسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق في الكفارات بالصوم عند فقدان الرقبة أو العجز عنها، والصوم بالإطعام عند عدم الاستطاعة.

النوع الرابع: تخفيف التقديم، ومن أمثلته: تقديم بعض الصلوات المعيَّنة إلى وقت ما قبلها كتقديم العصر إلى الظهر، والمغرب إلى العشاء في السفر والمطر. وقيل كذلك يكون عند الخوف والحاجة والمرض. وكذا تقديم الزكاة على الحول، وتقديم زكاة الفطر.

النوع الخامس: تخفيف التأخير، ومن أمثلته: تأخير بعض الصلوات المعيَّنة إلى وقت ما بعدها لما ذكرناه في تخفيف التقديم، وكذا تأخير صوم رمضان إلى عدةٍ من أيامٍ أخر لعذرٍ شرعيٍّ.

النوع السادس: تخفيف الترخيص، وقد يُعبّر عن هذا النوع بالإباحة مع قيام الحاظر، ومن أمثلته صحة صلاة المستجمر مع بقية آثار النجو، أي آثار النجاسة التي لا تزول إلا بالماء، وبصورة أعم: صحة الصلاة مع النجاسة التي يعسر الاحتراز منها. ومنه تناول النجاسات للتداوي، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

وهذه الأنواع الستة السابقة أول من ذكرها العز بن عبد السلام[4]، ثم تابعه العلماء في النقل عنه.

النوع السابع: تخفيف التغيير، ومن أمثلته تغيير نظم الصلاة في حال الخوف.

وهذا النوع مما استدركه العلائي على العز بن عبد السلام، وزاده على الأنواع المتقدمة[5].

النوع الثامن: تخفيف التخيير، ومن أمثلته: التخيير في كفارة اليمين بين الإطعام، والكسوة، وتحرير الرقبة، وكذا التخيير في جزاء الصيد للمحرم بين المثل، والإطعام، والصيام.

وهذا النوع مما استدركه شيخنا فضيلة الدكتور يعقوب الباحسين على من تقدمه من العلماء[6]، فكانت أنواع التخفيفات ثمانيةً.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الأدلة على هذه القاعدة:

تضافرت الأدلة من القرآن والسنة في الدلالة على معنى هذه القاعدة، والمقصود بهذه الأدلة ما كان منها دالّاً على التيسير عند وجود العذر الطارئ، وهي أدلةٌ تفيد بمجموعها معنًى عامّاً، وهو: مشروعية الترخص عند وجود المشقة التي رُبطت بأسبابٍ معيَّنةٍ يدل وجودها على تحقق المشقة المعتبرة شرعاً.

وهذه الأدلة تؤيدها في العموم أدلة التيسير الأصلي الذي بُنيت عليه هذه الشريعة، وقد تقدمت الإشارة إلى شيءٍ منها، والأدلة التي يمكن أن تذكر في هذا المقام هي على النحو الآتي:

أولاً: الأدلة من القرآن: ومن هذه الأدلة:

1- قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٤ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٨٥ [البَقَرَة: 183- 185].

ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن لحقته مشقةٌ مع التكليف بالصوم في حال المرض أو السفر أن يُفطر ويقضي بعد ذلك.

2- قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ [النِّسَاء: 101].

ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح للمسلمين في حال المشقة المتمثلة في الخوف عند القتال أن يقصروا الصلاة ويُغيِّروا نظمها.

3- الآيات الدالة على جواز الأخذ بالأيسر والأسهل في حال الوقوع في الضرورة، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المَائدة: 3].

ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن لحقته مشقةٌ متمثلةٌ في ضرورة الهلاك جوعاً أن يأكل الطعام المحرم كالميتة.

4- قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النّحل: 106].

ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن وقع في مشقة الإكراه على الكفر أن يتلفظ بكلمة الكفر في الظاهر مع اطمئنان قلبه بالإيمان.

5- قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النِّسَاء: 43].

ووجه الدلالة: أن الله تعالى شرع التيمم بالتراب بدلاً عن الاغتسال بالماء في حال عدم وجدانه أو العجز عن استعماله، وبيَّن أن ذلك فيه تيسيرٌ وتخفيفٌ، مما يدل على أن التيسير يُراعى عند تحقق المشقة.

ثانياً: الأدلة من السنة: ومن هذه الأدلة:

1- قوله ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»[7] ووجه الدلالة: أن المؤاخذة بما يحصل خطأً أو نسياناً أو إكراهاً يترتب عليه لحوق المشقة بالمكلف، لذا لم يؤاخذ الشرع بموجب التصرف في هذه الأحوال تيسيراً وتخفيفاً، مما يدل على أن حصول المشقة يعد سبباً في التيسير.

2- ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوفٍ ولا مطر. فلما سُئل ابن عباسٍ عن ذلك قال: أراد أن لا يُحرج أمته[8].

ووجه الدلالة من هذا: أن هذا يدل على أن الجمع بين الصلاتين لعذر الخوف والمطر متقررٌ عند الصحابة، وأيّاً كان السبب في جمع النبي ﷺ بين الصلاتين في هذا الحديث فإنه يدل على أن الجمع ملاحظٌ فيه دفع الحرج والمشقة - كما فهم ذلك ابن عباسٍ - مما يدل على أن تحقق المشقة في أمرٍ من الأمور داعٍ إلى التيسير والتخفيف.

وغير ذلك من الأدلة كثيرٌ في هذا المعنى وبخاصةٍ الأدلة التي وردت في مناسباتٍ جزئيةٍ.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: أسباب المشقة الجالبة للتيسير:

المراد بأسباب المشقة: الطرق التي يكون سلوكها مؤدياً إلى التلبس بالمشقة. وقد اجتهد بعض العلماء في حصر هذه الأسباب أو الطرق، فحصرها في سبعة أسبابٍ[9]:

السبب الأول: السفر، ومن تخفيفاته: جواز الفطر في حال الصوم في السفر، وجواز القصر والجمع بين الصلاتين في هذه الحال.

السبب الثاني: المرض، ومن تخفيفاته: جواز التيمم في حال المرض الذي يضر معه الاغتسال بالماء، وجواز الفطر في حال الصيام، وجواز التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة في المسجد، وغير ذلك.

السبب الثالث: النسيان، ومن تخفيفاته: عدم الإثم، وعدم وجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً وهو صائمٌ. وغير ذلك.

السبب الرابع: الإكراه، ومن تخفيفاته: أن من أُكره على البيع أو الشراء فإنه لا يلزمه موجب تصرفه، بل يُخيَّر بين الإمضاء والفسخ، ومن أُكره على الطلاق لا يقع طلاقه، ومن أُكره على إتلاف مال غيره فإنه لا يضمنه بل يكون الضمان على من أكرهه، ومن أُكره على التلفظ بكلمة الكفر لم يؤاخذ بموجب تلفظه بلسانه فقط.

السبب الخامس: الجهل، ومن تخفيفاته: عدم سقوط حق الشُّفعة إذا كان الشفيع جاهلاً بحقه فيها، وعدم سقوط الحق في الرد إذا اكتشف المشتري أن في السلعة عيباً وجهل أنه يجب رد السلعة بمجرد اكتشاف العيب.

السبب السادس: العسر وعموم البلوى، ولو عُبِّر عنه بـ(عموم البلوى) لكان كافياً؛ لأن العسر بمعنييه - عسر الاحتراز وعسر الاستغناء - يُمثِّل جزءاً من حقيقة عموم البلوى عند الفقهاء، فعموم البلوى هنا هو: شمول وقوع الحادثة للمكلفين أو للمكلف، بحيث يعسر الاحتراز منها أو الاستغناء عن العمل بها.

فحقيقة عموم البلوى عند الفقهاء تشمل صورتين:

الصورة الأولى: عسر الاحتراز، وهذه في الغالب مختصةٌ بما يقع بغير اختيارٍ من المكلف، وتكون الحادثة في هذه الصورة مطلوبٌ دفعها.

وذلك مثل النجاسة اليسيرة التي تكون بسبب نجاسةٍ يعسر الاحتراز منها كسلس البول، والدم الذي لا يرقأ، والدم الذي يكون بسبب القروح والدمامل، فإنه تجوز الصلاة معه، لعموم البلوى المتمثل في عسر الاحتراز عن تلك النجاسات.

الصورة الثانية: عسر الاستغناء، وهذه في الغالب مختصةٌ بما يقع باختيارٍ من المكلف، وتكون الحادثة في هذه الصورة مطلوبٌ جلبها والعمل بها.

وذلك مثل مس الصبيان للمصحف عند التعلم مع عدم طهارتهم، فإن ذلك يجوز ولا يؤمرون بالطهارة، ولا يُكلَّف الأولياء بأمرهم بالطهارة؛ وذلك لعموم البلوى المتمثل في عسر الاستغناء عن مسهم المصحف في هذه الحالة.

وعلى كل حالٍ فهذا السبب يعد أهم أسباب المشقة، وأوسعها تطبيقاً، وأكثرها ملامسةً للقضايا الفقهية المستجدة[10].

السبب السابع: النقص، هذا السبب له نوعان:

النوع الأول: النقص الحقيقي، وهو الذي يعود إلى نقصٍ في البدن أو أحد أعضائه، وهذا منه ما هو نقصٌ عقلي، فيشمل الصغر، والجنون، والعته، والنوم، والإغماء، والسُّكْر، ومنه ما هو عضويٌّ غير العقل، وهذا منه ما هو خلقيٌّ طبيعيٌّ وهو الأنوثة، ومنه ما هو غير طبيعيٍّ، فيدخل فيه أنواع العاهات، كالعمى، والخرس، والعرج، ونحوها مما يترتب عليه نقص القوى البدنية.

النوع الثاني: النقص الحُكْمي، وهو الذي لا يعود إلى نقصٍ في البدن، أو أحد أعضائه، وهذا مختصٌّ بالرق.

ونظراً لأن ذا النقص أضعف من ذي الكمال فإنا نجد أن الشارع قد خفف عنه إما بالإسقاط وإما بالتنقيص وإما بالإبدال وإما بالترخيص، أو غير ذلك.

فمثلاً الصغير غير مكلَّفٍ بالعبادات البدنية، وكذا المجنون، والمرأة غير مكلفة بالجمعة والجماعة، وكذا العبد، والأعمى والأعرج غير مكلفين بالجهاد، إلى غير ذلك من التخفيفات التي بُنيت على هذا السبب.

والذي نراه في هذا الحصر في هذه الأسباب السبعة أنه حصرٌ غير سديدٍ في الظاهر؛ لأنا نجد أن هناك أسباباً أخرى للمشقة غير ما ذُكر، كالخطأ، والخوف، والضرورة، والحاجة، والحيض والنفاس، والاستحاضة، وكبر السن أو الشيخوخة، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وحال نزول الثلج، أو البَرَد، وغيرها.

على أنه يُمكن أن يُعتذر لمن حصر أسباب المشقة في هذه الأسباب السبعة بأنه نظر إلى جانب الأغلبية، أي أن الغالب أن تخفيفات الشرع ترجع إلى هذه الأسباب السبعة، أو أن ما عدا هذه الأسباب السبعة يُمكن إرجاعها إليها بنوعٍ من التأويل، كإرجاع الإغماء إلى النقص أو إلى المرض، وإرجاع الخطأ والحيض والنفاس والضرورة والحاجة إلى عموم البلوى، وهكذا.

Adobe Systemsالمسألة السادسة: ضابط المشقة الجالبة للتيسير[11]:

يُعد ضبط وتحديد المشاق الجالبة للتيسير أمراً بالغ الأهمية، وخاصةً المشاق التي لم يرد بشأنها من الشارع ضبطٌ ولا تحديد؛ نظراً لما ينبني على هذه المشاق من التخفيفات.

ومن خلال النظر في مجموع ما ذكره العلماء من ضوابط هنا[12]، فإنه يمكن القول في الضابط هنا: إن المشاق لا تخلو من قسمين:

القسم الأول: مشاقٌّ ورد بشأنها نصٌّ من الشارع، فهذه ينبغي أن يُتَّبع فيها النص، سواءٌ أكان هذا النص بتعيين سبب المشقة، أو بضبط السبب نفسه الذي تتحقق به المشقة.

القسم الثاني: مشاقٌّ لم يرد بشأنها نصٌّ من الشارع يضبطها على النحو السابق، وهذه لا تخلو من نوعين:

النوع الأول: أن تكون تلك المشاق في جانب العبادات، ولا تنفك عنها العبادة غالباً، أي أنه لا يمكن تأدية العبادة بدونها، مثل مشقة الوضوء والغُسل في البرد، ومشقة الصوم في الحر وطول النهار، ومشقة النَّفْر في الجهاد، فهذا النوع من المشاق لا أثر له في التخفيف، لأنها لو كانت جالبةً للتيسير لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات أو غالبها، ولفات ما رُتِّب عليها من المثوبات.

النوع الثاني: أن تكون تلك المشاق في جانب العبادات، وهي مما تنفك عنه العبادة غالباً - أي أن الحالة الغالبة أن تؤدى العبادة بدون حصول هذه المشقة - أو تكون هذه المشقة في جانب المعاملات.

وهذا يمكن ضبطه بالنظر إلى معتاد الناس وعرفهم، فإنْ جرت عادة الناس على أن يتحملوا هذا النوع من المشاق وأن يستطيعوا المداومة على العمل معه، فهذا غير جالبٍ للتيسير؛ لأنه ما من تكليفٍ إلا وفيه مشقةٌ يُمكن احتمالها أدناها رياضة النفس على ترك الممنوع والأخذ بالمشروع، ولو كانت التكاليف يسراً خالصاً لم يوجد عصاةٌ ولا مخالفون.

وأما ما جرت عادة الناس بعدم احتماله مما هو خارجٌ عن طاقتهم، ولا يمكنهم المداومة على الفعل معه، فهذا النوع من المشاق جالبٌ للتيسير.

وأما إذا لم يكن هناك عرفٌ محددٌ فإن هذه المشقة يُعمل فيها بالتقريب إلى المشاق المعتبرة في جنسها، وحينئذٍ يمكن تمييز المشقة الجالبة للتيسير من غيرها.

Adobe Systemsالمسألة السابعة: شروط المشقة الجالبة للتيسير[13]:

لتطبيق قاعدة (المشقة تجلب التيسير) شروطٌ معيَّنةٌ؛ إذ ليس كل مشقةٍ جالبة للتيسير، وهذه الشروط مستفادةٌ من النظر في ضابط المشقة وأسبابها المتقدمة، وأهم هذه الشروط ما يأتي:

الشرط الأول: أن تكون المشقة من المشاق التي تنفك عنها العبادة غالباً؛ لأن المشاق التي لا تنفك عنها العبادة لا تؤثر في التيسير كما تقدم لنا.

الشرط الثاني: أن تكون المشقة خارجةً عن المعتاد وإنْ كانت مقدورةً للمكلف، والمقصود بالمشقة الخارجة عن المعتاد: المشقة التي تشوِّش على النفوس في تصرفها، ويحصل لها الاضطراب عند القيام بالعمل المشتمل على تلك المشقة في الحال أو في المآل، ويؤدي الدوام على العمل معها إلى الانقطاع عن العمل أو بعضه، وإلى وقوع خللٍ في النفس أو المال أو حالٍ من الأحوال.

وينبغي التفريق بين المشقة الخارجة عن المعتاد والزائدة عنه؛ لأن المشقة الزائدة عن المعتاد لا تجلب التيسير؛ لأن التكليف نفسه فيه زيادةٌ عن المعتاد قبل التكليف، وهو شاقٌّ على النفس؛ لاقتضائه أعمالاً زائدةً على ما اقتضته الحياة الدنيا.

الشرط الثالث: أن تكون المشقة متحققةً بالفعل، لا متوهمةً، وتكون المشقة متحققةً بالفعل عندما تستند إلى الأسباب التي خفَّف الشارع عندها وما جرى مجراها، أو أن تكون المشقة منضبطةً بالضوابط التي تُدخل المشقة فيما اعتبره الشارع مخفِّفاً وجالباً للتيسير.

وإنما يُعلم تحقق المشقة بالفعل إما بالتلبس بالمشقة عن طريق الدخول في الفعل المتضمن لها، وإما بحصول الظن القوي بوقوع المشقة عند الدخول في الفعل.

الشرط الرابع: أن يكون للمشقة شاهدٌ من جنسها في أحكام الشرع، كمشقة سلس البول، أو الجرح الذي لا يرقأ دمه، ونحوهما، فإن مشقتها تدخل في جنس مشقة الاستحاضة التي اعتبرها الشرع جالبةً للتيسير.

الشرط الخامس: أن لا يكون للشارع مقاصد من وراء التكليف بها، وذلك كمشقة الجهاد، من السفر والتعرض للهلاك وتلف الأعضاء، فإنها مشقةٌ غير جالبةٍ للتيسير؛ لأن للشارع مقاصد من وراء التكليف بها تنغمر فيها هذه المشاق، وذلك من حماية الدين، وأمن المسلمين، وحرية ممارسة شعائرهم، وحفظ أعراضهم وشرف نسائهم.

الشرط السادس: أن لا يكون بناء التيسير على المشقة مؤدياً إلى تفويت مصلحةٍ أعظم، فإنْ كان لم تكن المشقة جالبةً للتيسير حينئذٍ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة