القاعدة الرابعة (الضرر لا يكون قديماً)[1]
الكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
قبل بيان المعنى الإجمالي للقاعدة لا بد من التنبيه إلى أن المراد بقولنا: (لا يكون قديماً) أي: لا يُحتج بتقادمه، وليس المراد به عدم حصول التقادم في الضرر، فالقِدَم المنفي في هذه القاعدة هو القِدَم الاصطلاحي، أما القِدَم الواقعي فهو غير مقصودٍ بالنفي.
وبناءً على هذا يكون معنى القاعدة: أن ما في أيدي الناس من أعيان أو منافع من الزمن القديم إذا كانت مشتملةً على الضرر فإنه لا يصح الاحتجاج بقِدَمِ وجودها، بل تجب إزالة الضرر الواقع فيها ولو ترتب على ذلك إزالتها بالكلية.
المسألة الثانية: الدليل على القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الذي تقدم إيراده، ووجه الدلالة منه: أن الذي يظهر أن حق سمرة في دخول حائط الأنصاري كان قديماً، ولكن لما اشتمل على ضررٍ بالأنصاري لم يعتبر النبي ﷺ قِدَم هذا الحق، بل سعى إلى إزالته، مما يدل على أنه لا عبرة بالشيء المشتمل على ضررٍ ولو كان قديماً.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو كان لشخصٍ في داره ميزابُ أو مجرى أقذارٍ - من الزمن القديم - يصب في الطريق العام ويؤذي المارِّين من الزمن القديم فإنه تجب إزالته، ولا يُعتد بقِدَمِه؛ لأنه ضرر، والضرر لا يكون قديماً، أي لا يُحتج بقِدَمِه.
2- لو كان لشخصٍ في بيته نافذةٌ - من الزمن القديم - تكشف بيت جاره ويتأذى منها ذلك الجار، فإنه يجب أن يزيلها أو يضع حائلاً يمنع من انكشاف بيت جاره، ولا يُعتد بقدمها؛ لأنها ضررٌ، والضرر لا يكون قديماً، أي لا يُحتج بقِدَمِه.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تعد قيداً للقاعدة السابقة (القديم يُترك على قِدَمِه)؛ وذلك أنه قد تقرر في القاعدة السابقة أن القديم يُترك على قِدَمِهِ وإنْ ظهر أن فيه ضرراً، وجاءت هذه القاعدة لتبين أن ما يُترك على قِدَمِه هو ما لا ضرر فيه، وأما ما كان مشتملاً على ضررٍ فإنه لا يصح الاحتجاج بقِدَمِ وجوده، بل تجب إزالة الضرر الواقع فيه.
المسألة الخامسة: في بيان ضابط ما يُحترم قِدَمُهُ وما لا يُحترم:
مرَّ بنا في القاعدة الثالثة أشياءٌ قديمةٌ فيها ضررٌ ومع ذلك احتُرم قِدَمُها، ورأينا في هذه القاعدة الرابعة أشياءَ قديمة لم يُحترم قِدَمُها لأجل أن فيها ضرراً، فما الضابط في ذلك؟
لقد اجتهد الشيخ أحمد الزرقا في وضع ضابطٍ لهذا بعد أن قرَّر أن ميزان مراعاة قِدَم الضرر وعدم مراعاته يرجع إلى تحديد فُحش الضرر، وبيَّن ضابط هذا الفُحش بقوله: «إن كل ما يُمكن أن يُستحق على الغير بوجهٍ من الوجوه الشرعية فهو ليس بضررٍ فاحشٍ، فتجب حينئذٍ مراعاة قِدَمِه إذا كان قديماً، وما لا يُمكن أن يُستحق على الغير بوجهٍ شرعيٍّ فهو ضررٌ فاحشٌ، وُيرفع مهما كان قديماً»[2].
ولإيضاح ذلك فإن الميزاب الذي يصب على بيت الجار أو الممر الذي يكون في أرض الجار ونحو ذلك يُمكن أن يستحقه الإنسان على غيره بوجهٍ شرعيٍّ فيُحترم قِدَمُه.
وأما تنجيس الطريق العام أو كشف نساء الجار فإن ذلك لا يمكن أن يستحقه الإنسان على غيره بأي وجهٍ من الوجوه الشرعية، ولذلك فإنه لا يُحترم قِدَمُهُ.
الصنف الثاني: القواعد الخاصة بإزالة الضرر في حال التعارض.
وهي على النحو الآتي:
القاعدة الأولى (الضرر لا يُزال بمثله)[3]
الكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
أن الواجب شرعاً عدم إزالة الضرر بضررٍ مثله ولا بضررٍ أشد منه من باب أولى، وهذا يعني أن الضرر يجب أن يُزال بدون ضررٍ - إن أمكن- وإلا أزيل بضرر أقل.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو أُكره شخصٌ عن طريق التهديد بالقتل على قتل معصومٍ فإنه لا يجوز له قتله، لأن الإكراه بالتهديد بالقتل ضررٌ والإقدام على قتل المعصوم ضررٌ مثله، والضرر لا يُزال بمثله[4].
2- لو وُجد شخصٌ فقيرٌ وله قريبٌ فقيرٌ فإنه لا يُلزم أحدهما بالنفقة على الآخر إذا كان لا يقدر إلا على نفقة نفسه؛ لأن وجوده على حالة الفقر ضررٌ وإلزامه بالنفقة على قريبه ضررٌ مثله أو أشد، والضرر لا يُزال بمثله ولا بما هو أشد من باب أولى.
3- لو وُجد مالٌ مشتركٌ بين اثنين ولا يقبل القسمة وتضرر أحد الشريكين بالشركة فإنه لا يُجبر الشريك الآخر على القسمة؛ لأن في القسمة ضرراً أعظم من ضرر البقاء على الشركة، وإذا كان الضرر لا يُزال بمثله فإنه لا يُزال بضررٍ أشد منه من باب أولى.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تعد قيداً لقاعدة (الضرر يُزال)؛ فحيث وجبت إزالة الضرر فإنه لا تجوز إزالته بمثله ولا بما هو أشد منه، بل تجب إزالته بلا ضررٍ إن أمكن أو بضررٍ أقل[5].
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بقاعدة (الضرر لا يُزال بالضرر):
عبَّر بعض العلماء بالنص المشار إليه هنا عن القاعدة التي معنا[6]، وهذا يُشير إلى أنهم يرون أن كلا اللفظين بمعنىً واحدٍ.
إلا أن الذي يظهر أن بينهما فرقاً وهو أن لفظ (الضرر لا يُزال بالضرر) أعم من لفظ (الضرر لا يُزال بمثله)، وعمومه جاء من إطلاقه، فاللفظ الأول يفيد عدم جواز إزالة جنس الضرر بجنس ضررٍ آخر سواءٌ أكان مساوياً أو أقل أو أشد، فالواجب إزالة الضرر دون إيقاع ضررٍ آخر، أما اللفظ الثاني هنا فمقيدٌ، فهو يفيد - كما تقدم - عدم جواز إزالة الضرر بضررٍ مساوٍ أو أشد من باب أولى، وهذا يعني جواز إزالة الضرر بضررٍ أقل[7].
القاعدة الثانية (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف)[8]
والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
أنه إذا تقابل ضرران وكان لا بد من ارتكاب أحدهما وهو أعظم من الآخر وأشد في نفسه فإنه يُرتكب الضرر الأخف لإزالة الضرر الأشد.
المسألة الثانية: الدليل على القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بأدلةٍ من النص ومن المعنى:
- فأما الدليل عليها من النص فمنه:
1- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيٌّ فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مهْ مهْ. فقال رسول الله ﷺ: «لا تُزْرِموه، دعوه»، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن». قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنَّه عليه[9].
ووجه الدلالة منه: أنه قد تقابل في حق هذا الأعرابي ضرران:
أحدهما: تركه حتى يُكمل بوله، وفي هذا زيادة تنجيسٍ للمسجد.
وثانيهما: قطع بوله عليه، وفيه ضرر تنجيس بدنه وثيابه ومواضع أخرى من المسجد، واحتباس بقية البول عليه ونحو ذلك. والظاهر أن الضرر الثاني أشد من الأول، لذا نهى الرسول ﷺ الصحابة عن زجر هذا الأعرابي دفعاً للضرر الأشد بالضرر الأخف.
2- ما ورد في شأن صلح الحديبية، وفيه أن المشركين اشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال الصحابة: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً»[10].
ووجه الدلالة منه: أن هذا الشرط فيه ضررٌ على المسلمين لما فيه من الإذلال وعدم المكافأة بين الفريقين، ومع ذلك قبله النبي ﷺ لكون هذا الضرر أخف من ضرر حصول القتل للمسلمين الذين بمكة.
3- ما ورد في قصة الخضر مع موسى S، حيث خرق الخضر السفينة وقتل الغلام، وذلك ضررٌ ومفسدةٌ، إلا أنه قد قابل ذلك ذهاب السفينة كلها غصباً من الملك الظالم، وإرهاق أبويه كفراً، وإفساده لدينهما إنْ هو بقي، وهذا أيضاً ضررٌ ومفسدةٌ إلا أنه أشد وأعظم، فارتكب الخضر الضرر الأخف وهو خرقه للسفينة وقتله للغلام لإزالة الضرر الأشد[11]. وهذا قد ورد في شرعنا أنه من شرع من قبلنا، ولم يُصرِّح شرعنا بقبوله أو نفيه، وهو حجةٌ على الراجح.
- وأما الدليل على القاعدة من المعنى: فإن من المعلوم أن ارتكاب الفعل الضار محرمٌ شرعاً، فلا يُستباح إلا في حال الضرورة، فإذا تقابل ضرران جاز استباحة أحدهما من باب الضرورة، وحينئذٍ لا يُستباح إلا الأقل ضرراً؛ لأنه لا ضرورة في ارتكاب الأشد المشتمل على زيادة الضرر[12]، لما تقدم من أن الضرورة تقدَّر بقدْرها.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو وُجد شخصان بينهما قرابةٌ أحدهما موسرٌ والآخر فقيرٌ، فإن النفقة تجب للفقير على الموسر وإنْ كان في ذلك ضررٌ على الموسر؛ لأن ضرر الفقير بعدم النفقة أشد من ضرر فرض النفقة على الموسر، والضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف.
2- لو أن شخصاً ملك أرضاً بإرثٍ أو نحوه فبنى فيها أو غرس ثم ظهر أن للأرض مستحقّاً غيره، فإنه يُنظر إلى قيمة البناء أو الغرس فإن كان أكثر من قيمة الأرض فإن للمشتري أن يتملك الأرض بقيمتها جبراً على صاحبها المستحق؛ وذلك لأن في نزعها من يده في هذه الحالة ضرراً أشد من ضرر بقائها في يده ودفع قيمة الأرض للمستحق، والضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف، والعكس بالعكس.
3- لو وقع أسيرٌ مسلمٌ بيد الكفار ولم يمكن إطلاقه إلا بالفداء بالمال فإنه يجوز دفع المال إلى الكفار في هذه الحالة؛ لأن ضرر بقاء المسلم في الأسر أشد من ضرر انتفاع الكفار بأموال المسلمين، والضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تمثل إحدى صور مفهوم المخالفة لقاعدة (الضرر لا يُزال بمثله) التي هي قيدٌ لقاعدة (الضرر يُزال)؛ وذلك أنه إذا كان الضرر لا يُزال بمثله فإن مفهوم المخالفة من ذلك أنه يُزال بما هو أقل منه، ومن صور ذلك كون أحد الضررين أخف من الآخر، وقد أفادت هذه القاعدة أنه يُزال به الضرر الأشد.