القاعدة الكلية الثانية عشرة (إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر)[1]
هذه القاعدة هي إحدى القواعد المهمة في ضبط أحكام التضمين في حال حصول اجتماع المباشرة والتسبب في فعلٍ ما، حيث يذكر العلماء عدداً من القواعد الحاكمة للضمان منها ما يتعلق بالمباشرة ومنها ما يتعلق بالتسبب، ومنها ما يتعلق بهما معاً، وهو قاعدتنا هذه، وقد تقاربت عبارات العلماء في التعبير عن هذه القاعدة، والكلام عليها سيكون في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي: وهذه القاعدة تشتمل على عددٍ من الألفاظ، وذلك على النحو الآتي:
- فأما لفظ (اجتمع) فهو لفظٌ يقتضي وقوع الفعل من أكثر من واحدٍ.
- ولفظ (المباشر) فهو من المباشرة، وتطلق لغةً على الملامسة والوصول وعلى الإشراف وتولي الشيء.
ويُعرَّف المباشر اصطلاحاً بأنه الذي يحصل الأثر من فعله دون أن يتخلل بينه وبين الفعل واسطةٌ.
- ولفظ (المتسبب) من التسبب، ومادة هذه الكلمة (سبب) تطلق لغةً على ما يُتوصل به إلى غيره.
ويُعرَّف المتسبب اصطلاحاً بانه الذي يحصل الأثر من فعله وتخلل بينه وبين الفعل واسطةٌ[2].
- ولفظ (يضاف الحكم إلى المباشر) يعني أن المباشرة هي العلة التي يناط بها الحكم في حال اجتماع المباشرة والتسبب.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أنه إذا ترتب على فعلٍ ما أثرٌ، وكان قد اشترك في هذا الفعل من حصل الأثر بفعله من دون واسطةٍ ومن حصل الأثر بفعله مع الواسطة فإن هذا الأثر يُنسب إلى من حصل بفعله من دون واسطةٍ.
المسألة الثانية: الأدلة على هذه القاعدة:
الدليل الأول: الإجماع؛ وحاصله: أن ألفاظ الفقهاء وعباراتهم في المذاهب الأربعة وواقع عملهم يدل على اتفاقهم على العمل بهذه القاعدة.
الدليل الثاني: دليل المعقول؛ وحاصله: أن فعل المباشر يعد هو العلة المؤثرة في إحداث الأثر، والأصل أن تضاف الأحكام إلى عللها المؤثرة لا إلى أسبابها الموصلة، لأن العلل المؤثرة أقوى في التأثير وأقرب إلى الأثر الحادث من الأسباب الموصلة، وهذا كالعلة مع علة العلة؛ فإن الحكم يُضاف إلى العلة لا إلى علة العلة كما هو متقررٌ عقلاً وشرعاً.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو حفر شخصٌ حفرةً أو بئراً فجاء من ألقى فيها معصوماً أو حيواناً، فمات أو تضرر من هذا الإلقاء، فإن الموت أو التضرر يُضاف إلى الملقي دون الحافر، ويكون الملقي هو المسؤول؛ لأنه مباشرٌ، وأما الحافر فهو متسببٌ، والحكم يُضاف إلى المباشر لا إلى المتسبب إذا اجتمعا.
2- لو دلَّ شخصٌ آخرَ على مالٍ، فسرقه، أو على إنسانٍ، فقتله، فإن السرقة أو القتل يُضاف إلى السارق أو القاتل دون الدالِّ، ويكون السارق أو القاتل هو المسؤول؛ لأنه مباشرٌ، وأما الدالُّ فهو متسببٌ، والحكم يُضاف إلى المباشر لا إلى المتسبب إذا اجتمعا.
3- لو حفرت الجهات المختصة حفرةً في الطريق العام لتمديدات الكهرباء أو المياه، وأخذت باحتياطات السلامة المتعارف عليها، وجاء من يقود سيارةً فوقع فيها، فالضمان يكون على السائق؛ لأنه مباشرٌ، وأما الجهة المختصة فهي متسببٌ، والحكم يُضاف إلى المباشر لا إلى المتسبب إذا اجتمعا.
4- لو قام المسوِّق بعرض بضاعةٍ على المتسوقين، فقام المتسوق بشرائها من المتجر؛ ثم وجد فيها خللاً أو عيباً فإن الضمان يكون على البائع لا على المسوِّق؛ لأن التسويق تسببٌ والبيع مباشرةٌ، والحكم يُضاف إلى المباشر لا إلى المتسبب إذا اجتمعا.
5- لو أنتجت شركة الأدوية عقاراً لم يُعتمد دواءً من الجهات المختصة، فأعطاه الطبيب لأحد المرضى، فادى ذلك إلى وفاة المريض أو تضرره، فإن الطبيب هو المسؤول؛ لأنه مباشرٌ، وشركة الأدوية متسببٌ، والحكم يُضاف إلى المباشر لا إلى المتسبب إذا اجتمعا.
المسألة الرابعة: شروط القاعدة:
إضافة الحكم إلى المباشر عند اجتماع المتسبب معه في إحداث الأثر مقيدٌ بشروطٍ هي:
- الشرط الأول: أن تكون المباشرة أقوى تأثيراً من التسبب، أي أنه لا بد أن تكون المباشرة غالبةً على التسبب، بحيث تطرأ المباشرة على السبب، فتقطع عمله، ولذا لو كان التسبب أقوى فإن الحكم يُضاف إلى المتسبب، ولو كانا متساويين فإن الحكم يُضاف إليهما، ويكون الضمان بينهما، لتساوي آثارهما في إحداث الضرر.
ومن أمثلة هذا: ما إذا شهد الشهود عمداً وزوراً بالقتل عند الحاكم، فحكم بالقتل قصاصاً، ثم رجع الشهود بعد التنفيذ، فإن الضمان يكون على الشهود دون الحاكم المباشر؛ لأن التسبب هنا أقوى من المباشرة فيُضاف الحكم إليه.
ولو أكره شخصٌ آخر إكراهاً ملجئاً على القتل، فقتل، فإن القصاص - عند بعض الفقهاء - يكون على المكرِه والمكرَه؛ لأن التسبب هنا وهو الإكراه يتساوى مع مباشرة القتل في القوة.
- الشرط الثاني: أن تكون المباشرة فعلاً تصح إضافة الحكم إليه، وذلك بأن تكون فعلاً من مكلفٍ مختارٍ، فلو لم تكن المباشرة كذلك فإن الضمان يكون على المتسبب لا على المباشر، ومن أمثلة هذا: ما لو دفع شخصٌ سكيناً إلى صبيٍّ مميزٍ، فجرح الصبي بها نفسه، فلا ضمان على الدافع المتسبب، ويُضاف الأثر إلى المباشر، وهو الصبي، لكن لو وقعت السكين من يد الصبي فجرحت إنساناً، كان الضمان على الدافع؛ لأن المباشرة هنا ليست فعلاً من مكلفٍ مختارٍ.
- الشرط الثالث: أن لا تكون المباشرة ناشئةً عن التسبب ومتولدةً عنه دون فصلٍ اختياريٍّ، فلو كانت المباشرة نتيجةً ناشئةً عن السبب ومترتبةً عليه دون فاصلٍ بفعلٍ اختياريٍّ فإن الحكم لا يُضاف إلى المباشرة، وإنما يُضاف إلى التسبب، ومن أمثلته: ما لو دفع شخصٌ آخر من علوٍّ، فوقع على شخصٍ آخر فقتله أو على مالٍ فأتلفه، فإن الملقِي هو المسؤول هنا وإنْ كان هو المتسبب، ولا ضمان على الملقَى، وإن كان هو المباشر للقتل أو الإتلاف؛ لأن المباشرة هنا مترتبةٌ على التسبب دون إمكان الفصل بينها وبين التسبب بفعلٍ اختياريٍّ.
- الشرط الرابع: أن لا يتعذر تضمين المباشر، وذلك بأن يكون تضمين المباشر ممكناً شرعاً وعقلاً وعادةً، ولذا لو كان المباشر من غير أهل الضمان، أو كان غير موجودٍ أو غير معروفٍ، فإنه يكون الضمان على المتسبب، ومن أمثلته:
ما لو خرجت الأم من البيت وتركت صبيها الصغير الذي في حضانتها، فوقع في النار، فإن الضمان يكون على الأم، وهي هنا متسببةٌ، لأن الصبي - وهو المباشر - ليس من أهل الضمان هنا.
ولو زلق شخصٌ بماء المطر، فوقع في حفرةٍ حفرها شخصٌ بدون حقٍّ، فتضرر من هذا الوقوع، فإن الضمان على حافر البئر وإن كان متسبباً؛ لأنه لم يوجد مباشرٌ مسؤولٌ عن وضع الماء.
وكذا لو عثر شخصٌ بحجرٍ لم يُعرف واضعه فوقع في حفرةٍ، وتضرر، فإن الضمان على الحافر وإن كان متسبباً؛ وذلك لتعذر معرفة المباشر.
- الشرط الخامس: أن تكون المباشرة عدواناً، فلو أن المباشرة لا عدوان فيها، فإن الضمان على المتسبب، ومن أمثلة ذلك: لو ضرب شخصٌ دابةً عليها راكبٌ أو نخسها بعودٍ بلا إذن من الراكب، فضربت بيدها أو رجلها شخصاً آخر، أو نفرت فصدمته وقتلته، فإن الناخس هو المسؤول، وإن كان هو المتسبب؛ لأن المباشرة هنا وهي الركوب لا عدوان فيها.
- الشرط السادس: أن تنفرد المباشرة بالتأثير دون التسبب، فلو أن المباشرة لا تؤثر إلا بانضمام التسبب إليها أو أن التسبب يمكن أن يؤثر منفرداً عن المباشرة، فإن الحكم يُضاف إلى المباشر والمتسبب معاً، ويشتركان حينئذٍ في الضمان، ومن أمثلته:
ما مرَّ معنا من أنه لو أكره شخصٌ آخر إكراهاً ملجئاً على القتل، فقتل، فإن القصاص - عند بعض الفقهاء - يكون على المكرِه والمكرَه؛ لأن المباشرة هنا لا تؤثر إلا بانضمام التسبب إليها.
وكذا لو ساق شخصٌ دابةً وعليها راكبٌ يقودها، فأتلفت الدابة مالاً مملوكاً، فإن الضمان هنا يكون على السائق والراكب؛ لأن السوق وهو التسبب يمكن أن يؤثر منفرداً في الإتلاف دون المباشرة وهي الركوب.
وإذا تقرر ما سبق فقد ساق ابن رجب في قواعده في القاعدة السابعة والعشرين بعد المائة ما يشير إلى شيءٍ من هذه الاشتراطات، فقال: (إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرةٍ وسببٍ، تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، إلا أن تكون المباشرة مبنيةً على السبب وناشئةً عنه، سواءٌ أكانت ملجئةً إليه أو غير ملجئةٍ، ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية استقل السبب وحده بالضمان، وإن كان فيها عدوانٌ شاركت السبب في الضمان، فالأقسام ثلاثةٌ)[3].
- أولاً: قرر الفقهاء أن المباشر ضامنٌ مطلقاً عند حصول الضرر، فلا يشترط فيه التعدي أو التعمد لاستحقاق الضمان، بل يضمن المباشر على كل حالٍ، تعدى أو لم يتعدَّ، تعمد أو لم يتعمد[4]، مع اختلاف نوع الضمان باختلاف الحال.
وهذا بخلاف التسبب، فإن المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي، فإذا كان المتسبب متعدياً بقصدٍ أو بغير قصدٍ ضمن، وإن كان غير متعدٍ فإنه لا يضمن.
- ثانياً: كلٌّ من المباشرة والتسبب يمكن أن يكون بالفعل أو بالامتناع عن الفعل.
وقد مرَّ بنا في الأمثلة السابقة ما يوضح جانب المباشرة أو التسبب بالفعل، وأما المباشرة بالامتناع عن الفعل فمن أمثلتها: ما لو حفر شخصٌ حفرةً، فسقط فيها إنسانٌ أو حيوانٌ، ثم رآهم شخصٌ، لكنه امتنع عن إخراجهم وهو قادرٌ على ذلك، فيتضرر ذلك الإنسان أو الحيوان من بقائه في الحفرة، فهل يُضمَّن المباشر الممتنع عن الإنقاذ في هذه الحالة؟
ومثال التسبب بالامتناع عن الفعل: ما لو وضع شخصٌ مخلفات البناء من أحجارٍ وغيرها في الطريق، وقدر على إزالتها ولم يفعل، فجاء من اصطدم بها، وتضرر بهذا الاصطدام، فهل يضمن المتسبب الممتنع عن إزالة هذه المخلفات في هذه الحالة؟
وقع خلافٌ بين الفقهاء في أحكام مثل هذه الصور، ولهم تفصيلٌ في أحكام تضمين الممتنع عن الفعل مباشرةً أو تسبباً[5].
القاعدة الكلية الثالثة عشرة (يُضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبِراً)[6]
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
المسألة الأولى: معنى القاعدة:
أن الفعل الذي هو عبارةٌ عن تعدٍّ على مال الغير أو نفسه إذا كان بأمرٍ من أحدٍ فإن حكم هذا الفعل يُنسب إلى فاعله دون الآمر به، إلا إذا كان الآمر مكرِهاً للفاعل على الفعل أو في حكم المكرِه له بأن غرَّر به، وسواءٌ أكان الإكراه حقيقيّاً أم حكميّاً[7]، وحينئذٍ يُنسب حكم الفعل إلى الآمر[8]؛ لأن المأمور في هذه الحالة يكون في حكم الآلة في يد الآمر.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ ﴾ [البَقَرَة: 286].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى قد بيَّن هنا أنه يحصل التكليف بما كان داخلاً في قدرة المكلف ولذلك فإنه يكون من كسبه واكتسابه، أي يكون مسئولاً عنه، ويدخل فيه ما فعله المكلف بأمرٍ من أحدٍ وهو في حدود قدرته، فإنه يكون مسئولاً عنه.
ومفهوم ذلك أن ما كان خارجاً عن قدرة المكلف فإنه لا يُكلَّف به ولا يكون من اكتسابه، فلا يكون مسئولاً عنه، ولا يُنسب إليه، ومنه ما كان مكرَهاً على فعله.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو أمر شخصٌ آخر أن يحفر حفرةً في الطريق العام، ففعل، ثم وقع فيها إنسانٌ أو دابةٌ، فإن الضمان يكون على الفاعل دون الآمر.
2- لو أغرى شخصٌ شخصاً مكلفاً بإتلاف مالٍ لغيره، ففعل، فإن الإتلاف يتعلق بالمتلِف الفاعل دون الآمر، ولذلك فإن الضمان يجب على المتلِف دون الآمر.
3- لو أمر السلطان شخصاً بإيقاد نارٍ، ففعل، وترتب عليها ضررٌ، فإن ضمان الضرر يكون على السلطان الآمر دون الفاعل؛ لأن السلطان يعد في حكم المجبِر.
4- لو أمر شخصٌ مكلفٌ صبيّاً بإتلاف مالٍ لغيره، ففعل، فإن الضمان يتعلق بالمكلف الآمر، ولا يتعلق بالصبي؛ لأن المكلف الآمر إما مجبِرٌ أو مغرِّرٌ.
5- لو قال شخصٌ لآخر: افتح لي باباً في جداري هذا، ففعل، ثم تبين أن الجدار ليس له، فإن الضمان يكون على الآمر دون الفاعل؛ لأن الآمر مغرِّرٌ.