القاعدة الكلية السادسة والعشرون (المجهول كالمعدوم)[1]
هذه القاعدة وردت بعدة ألفاظ عند بعض العلماء، فوردت عند ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - بلفظ: (المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه).
ووردت عند ابن رجب بلفظ: (يُنزَّل المجهول منزلة المعدوم وإن كان الأصل بقاءه إذا يُئس من الوقوف عليه أو شق اعتباره).
وإذا تقرر هذا فإن هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:
- لفظ (المجهول)، وهو اسم مفعول من الجهل، وهو عدم العلم بالشيء إما من جهة الوجود والعدم، وإما من جهة الكيفية لكونه مبهماً.
- ولفظ (المعدوم) اسم مفعول من العَدَم، وهو مصدر: عدِمَ الشيء يعدَمه عَدَماً وعُدْماً، والعدم: نقيض الوجود، والمعدوم: هو ما كان خالصاً من معنى الإثبات، فهو المحكوم بنفي وجوده.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الشيء إذا كان لا يُعلم وجوده من عدمه، أو لا تُعلم كيفيته فإنه يُجعل بمنزلة المعدوم والمعجوز عنه الذي لا يمكن فعله، ولا نُكلف بفعله.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:
دل على هذه القاعدة أدلة، ومنها ما يأتي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ﴾ [البَقَرَة: 286]، وقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التَّغَابُن: 16]، وقول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم»[2].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان وجه الاستدلال بهذه النصوص: (فالله إذا أمرنا بأمر كان مشروطاً بالقدرة عليه والتمكن من العمل به، فما عجزنا عن معرفته أو عن العمل به سقط عنا)[3]، وبناء على ذلك يكون المجهول كالمعدوم.
ثانياً: قول النبي ﷺ في شان اللقطة: «فإن جاء صاحبها فأدها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء»[4].
ووجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ جعل اللقطة ملكاً للملتقط في حال الجهل بالمالك، فيكون المالك في هذه الحالة مجهولاً، وقد عده النبي ﷺ كالمعدوم، مما يدل على أن المجهول كالمعدوم.
ثالثاً: حديث معاوية بن الحكم أنه قال: بينما أنا أصلي مع النبي ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟... وفيه فقال النبي ﷺ: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»[5].
ووجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ لم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة؛ لأنه عندما تلفظ بهذا اللفظ كان جاهلاً، فجعل النبي ﷺ لفظه ذلك كالمعدوم ولم يعطه حكماً.
رابعاً: حديث يعلى بن أمية: «أن النبي ﷺ رأى أعرابيّاً قد أحرم وعليه جُبَّةٌ، فأمره أن ينزعها»[6].
ووجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ لم يأمر ذلك الأعرابي بالفدية، وذلك لجهله بالنهي عن لبس المخيط، فدل على أن الجبة في هذه الحالة مع الجهل بحكم لبسها تكون كأنها معدومة وكأنها لم توجد.
المسألة الثالثة: مجال إعمال القاعدة:
مجال إعمال هذه القاعدة يتضح من خلال النظر إلى صور المجهول، والمجهول لا يخلو من ضربين:
الضرب الأول: أن يكون المجهول عيناً.
والجهالة في العين على قسمين:
القسم الأول: أن تكون الجهالة في العين من جهة الوجود والعدم.
أي لا يُعلم وجودها من عدمه، فيُحكم لها حينئذ بالعدم؛ لأن ما عجزنا عن معرفته وجهلنا به فإنه يسقط عنا ويكون في حقنا كالمعدوم.
ومن أمثلة هذا القسم:
1- لو أن شخصاً غاب غيبةً انقطع فيها خبره، فمثل هذا يكون مجهولاً ويُقدَّر له حكم المعدوم، وحينئذ يجوز للقاضي أن يفرِّق بينه وبين زوجته وأن يقسم ميراثه، ويكون في هذه الحالة في حكم المعدوم.
2- لو أن الملتقِط جهل صاحب اللقطة، فيُقدَّر صاحب اللقطة معدوماً؛ لأنه مجهول، ويجوز للملتقط أن يملك اللقطة بعد تعريفها حولاً كاملاً، وما لا يتملك منها يتصدق به حسب الحكم الشرعي الوارد في ذلك.
القسم الثاني: أن تكون الجهالة في العين من جهة الكيفية.
أي أن يختلط بما لا يمكن تمييزه عنه، فيكون مبهماً، فيُقدَّر له حكم المعدوم؛ لأن الإبهام يشتمل على نوعٍ من الخفاء، ولا يمكن أن يُكلف الإنسان في الشرع بشيء فيه إبهامٌ أو يُعجز عن معرفته.
ومن أمثلة هذا القسم:
1- لو جُهل مقدار المال المتلف، أو عدد القتلى في قتالٍ حصل بين طائفتين، فهذا المال وهؤلاء القتلى في حكم المعدوم، وذلك لوجود الإبهام الحاصل في حقهم.
2- لو أن المال الذي قبضه الملوك ظلماً محضاً اختلط ببيت المال، وتعذر رده إلى صاحبه فإنه يُقدَّر معدوماً، نظراً لخفائه وإبهامه، فيُصرف في مصالح المسلمين؛ لأن المجهول في هذه الحالة كالمعدوم.
الضرب الثاني: أن يكون المجهول تصرفاً.
والذي يدخل معنا هنا من التصرفات هو التصرف المنهي عنه المرتَكب جهلاً، فإنه يكون في حكم المعدوم.
ومن أمثلة هذا الضرب:
1- لو تكلم المصلي في الصلاة جاهلاً بتحريم الكلام فيها، فلا تبطل صلاته، مع أن الكلام منهيٌّ عنه، لكنه في حكم المعدوم لكونه مجهول الحكم لدى المصلي.
2- لو تطيب المحرم جاهلاً بالتحريم، فإنه لا فدية عليه، ويكون فعله كالمعدوم، لكون التطيب مجهول الحكم لدى المحرم.
3- لو وطئ المحرم زوجته جاهلاً بالتحريم، فإنه لا فدية عليه، ويكون فعله كالمعدوم؛ لأن المجهول كالمعدوم.
القاعدة الكلية السابعة والعشرون (يد الوكيل كيد الموكِّل)[7]
هذه القاعدة قد يُلحقها بعض العلماء والباحثين بالضوابط ويخرجها من حيز القواعد، إلا أن الفصل التام بين القواعد والضوابط غير محسومٍ كما تقرر لنا فيما تقدم.
والكلام على هذه القاعدة سيكون وفق المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:
- لفظ (الوكيل) وهو الشخص الذي صدرت له الاستنابة.
- ولفظ (الموكل) وهو الشخص الذي صدرت منه الاستنابة.
وهذه القاعدة تتعلق بالوكالة، وهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الوكيل يستحق من التصرفات ويجب عليه من الحقوق في موضوع الوكالة مثل ما يستحقه الموكِّل وما يجب عليه.
المسألة الثانية: مجال إعمال هذه القاعدة:
ينحصر مجال إعمال هذه القاعدة في الآتي:
أولاً: الوكالة المطلقة، أي غير المقيدة بقيدٍ عرفي أو لفظي من الموكِّل، ولذا فإن الوكالة المقيدة بقيدٍ فيما يستحق الوكيل من التصرفات، أو فيما يجب عليه من الحقوق فإنه تتقيد بتلك القيود.
ثانياً: ما تجوز فيه النيابة من التصرفات والعبادات، وما تجوز فيه النيابة من التصرفات والعبادات ينحصر فيما يأتي:
الأمر الأول: حقوق الآدميين التي لا تتعلق بذات الشخص وعينه في المطالبة بها إثباتاً أو نفياً. كالبيع والشراء والطلاق ورد الدَّين والخصومة لدى القاضي.
الأمر الثاني: أداء حقوق الله تعالى التي تقبل النيابة، وهي الحقوق التي تتعلق بمال الشخص كالزكاة والكفارات، وأما ما يتعلق ببدن الشخص كالصلاة والصوم ونحو ذلك فليس محلّاً للوكالة.
الأمر الثالث: استيفاء حقوق الله تعالى، كاستيفاء حد الزنا من الزاني، واستيفاء حد السرقة من السارق، ونحوهما.
وبناءً عليه فإن ما عدا تلك الأمور لا تُقبل فيه النيابة بطريق الوكالة.
المسألة الثالثة: الدليل على القاعدة:
دل على هذه القاعدة ما ورد في السنة عن عروة بن أبي الجعد البارقي رضي الله عنه أنه قال: عُرض النبي ﷺ جَلَبٌ فأعطاني ديناراً، فقال: «يا عروة: ائت الجَلَب فاشتر لنا شاة»، قال عروة: فأتيت الجَلَب فساومت صاحبه، فاشتريت شاتين بدينار، فأتيت النبي ﷺ بالدينار وبالشاة، فقلت: يا رسول الله: هذا ديناركم، وهذه شاتكم. فقال النبي ﷺ: «كيف فعلت ذلك؟»...
فحدثه الحديث... فقال النبي ﷺ: «اللهم: بارك له في صفقة يمينه»[8].
ووجه الاستدلال من الحديث: أن عروة رضي الله عنه تصرف في الشراء كتصرف الموكِّل الذي هو النبي ﷺ، وفعل ما فيه مصلحة، ولو لم يجز له التصرف ما تجاوز توجيه النبي ﷺ، ولو كان النبي ﷺ هو المتصرف مباشرة لتصرف أيضاً بمثل ذلك التصرف، فدل على أن يد الوكيل كيد الموكِّل في التصرف.
المسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:
من هذه الفروع ما يأتي:
1- لو وكَّل شخص آخر في البيع والشراء نيابةً عنه، فإنه لا يجوز للوكيل أن يعقد عقداً يحرم على المسلم عقده؛ لأن يد الوكيل كيد الموكِّل.
2- أنه يجوز للوكيل حلُّ العقد الذي وُكِّل في عقده؛ لأن يد الوكيل كيد الموكِّل، فلما جاز للموكِّل حلُّ العقد الذي يخصه جاز للوكيل فعله أيضاً.
3- لو وكَّل شخص آخر في القيام بعملٍ ما، إلا أنه عجز عن عمله لكثرته أو انتشار هذا العمل مثلاً، فإنه يجوز للوكيل أن يوكِّل في القيام بهذا العمل؛ لأن يد الوكيل كيد الموكِّل، ويصبح عندنا موكِّلٌ، ثم وكيلٌ أول، ثم وكيلٌ ثانٍ.
القاعدة الكلية الثامنة والعشرون (ما قارب الشيء يُعطى حكمَه)[9]
الكلام في هذه القاعدة من خلال المسائل الآتية:
المسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة:
هذه القاعدة جليلة القدر؛ لأنه يدخل تحتها جملةٌ من القواعد، كما يتخرج عليها كثيرٌ من الفروع الفقهية، ومما يدل على عِظم قدرها توارد العلماء من المذاهب الأربعة على ذكرها والتعليل بها، سواءٌ في مؤلفاتهم في القواعد الفقهية أو مؤلفاتهم في الفروع الفقهية، وقد يذكر بعض العلماء نص هذه القاعدة بأسلوبٍ إنشائيٍّ بصيغة الاستفهام للإشارة إلى وقوع الخلاف فيها، كان يقولوا: هل ما قارب الشيء يُعطى حكمه؟
ولعل سبب الخلاف في هذه القاعدة يرجع إلى مأخذ النظر في نوع الشيء المقارِب، وذلك أن الشيء المقارِب لا يُجزم في الغالب بوقوعه، ولا يُعطى حكم ما قاربه إلا إذا كان قريب الوقوع، فمن نظر إلى عدم الجزم بوقوعه قال: إن ما قارب الشيء لا يُعطى حكمه، ومن نظر إلى قرب وقوعه قال: إن ما قارب الشيء يُعطى حكمه.
المسألة الثانية: معنى القاعدة:
أن الشيء إذا دنا وقرب من شيءٍ آخر حسّاً أو معنًى فإنه يأخذ حكمه المقرر له شرعاً.
المسألة الثالثة: الدليل على القاعدة:
لا يوجد ما يدل على هذه القاعدة بعينها، وإن كان العلماء يذكرونها كثيراً، إلا أن ما يؤخذ من كلام بعض العلماء أنه يمكن أن يُستدل على هذه القاعدة من خلال وجهين:
الوجه الأول: أن الشيء المقارِب لغيره قد يكون مما لا يتم الشيء إلا به، ومن المتقرر شرعاً أن ما لا يتم الشيء إلا به يُعطى حكم ذلك الشيء، ومن أمثلته: إمساك جزء من الليل في الصوم، فما قبل الفجر بدقيقةٍ أو نحوها يُعطى حكم الإمساك المطلوب شرعاً، وهو الإمساك الذي يكون مع دخول وقت الصيام.
الوجه الثاني: أنه إذا كان الشيء المقارِب لغيره مما يتم الشيء بدونه فإنه يمكن أن يُعطى حكم الشيء المقارب له استدلالاً بحديث: (مولى القوم منهم)[10]، وحديث: (المرء مع من أحب)[11].
حيث حكم في الحديث الأول بأن المولى من القوم أنفسهم؛ لمقاربته للدخول في جنسهم بطريق الولاء، فيكون حكمه كحكمهم.
وفي الحديث الثاني حُكم للمحب بمعيته لمن أحبه؛ لأنه إذا أحبه فقد قاربه حسّاً وروحاً.
المسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:
تتضح فروع هذه القاعدة من خلال ذكر صور المقاربة:
الصورة الأولى: المقاربة الحسية، وهذه الصورة لا تخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يقارب الشيءُ الشيءَ مقاربة زمنية، ومن أمثلتها: لو اشترى شخصٌ سلعة على أن له الخيار ثلاثة أيام، فقبض السلعة ثم جاء بها يردها بعد مضي الثلاثة أيام بزمنٍ يسيرٍ كساعةٍ أو ساعتين، فإن هذا التأخر في زمن الرد مقاربٌ لزمن الخيار، فيُعطى الرد في هذا الوقت حكم الرد في زمن الخيار؛ لمقاربته له، ويكون حقه في الرد باقياً.
الحالة الثانية: أن يقارب الشيءُ الشيءَ مقاربة مكانية، ومن أمثلتها: لو اكترى شخصٌ دابةً أو استعارها مسافةً معينةً، ثم إنه تجاوز بها المسافة المعينة بمسافة يسيرة، كان استأجرها لمسافة مائتي كيلو، ثم زاد كيلو واحداً عليها أو نحوه، ثم إن هذه الدابة أو السيارة هلكت خلال هذه الزيادة اليسيرة، فتُعطى هذه الزيادة اليسيرة حكم المسافة المحددة نفسها؛ لمقاربتها لها، ولا ضمان على المكتري أو المستعير.
الحالة الثالثة: أن يقارب الشيءُ الشيءَ في المقدار، ومن أمثلتها: لو وكَّل شخصٌ آخرَ في شراء سلعة أو بيعها بثمنٍ محدد، ثم إن الوكيل اشترى السلعة بزيادة يسيرة، كأن قال: اشتر هذه السلعة بألف. فاشتراها بألف وعشرة ريالات أو عشرين ونحو ذلك، أو قال: بعها بألف. فباعها بتسعمائة وخمسين ونحو ذلك، فإن هذه الزيادة وهذا النقص مقاربان للثمن المحدد، فيُعطى حكمه ويلزمان الموكِّل.
الصورة الثانية: المقاربة المعنوية، وذلك بأن تكون المقاربة بين شيئين في صفةٍ معنويةٍ غير محسوسةٍ، وأن يكون طريقها الحس، ومن أمثلتها: لو تردى حيوانٌ مأكول، وصار في الرمق الأخير من الحياة، فإن حياته صارت مستعارة، فقارب بذلك الميت، فيُعطى حكم الميت، ولا تفيد الذكاة في تحليله وإباحته، وهذه المقاربة بين الحياة والموت مقاربة معنوية غير حسية وإن كان طريقها الحس.