الصنف الثاني من القواعد المتفرعة: القواعد المتعلقة بالأيمان:
وهذا الصنف تحته خمس قواعد:
القاعدة الأولى
(النية في اليمين تُخصِّص اللفظ العام وتُعمم اللفظ الخاص)[1]
وهذه القاعدة تشتمل على عدة مسائل:
هذا هو نص القاعدة عند المالكية والحنابلة وبعض الحنفية، وهذه القاعدة مكوَّنة من شقين:
الشق الأول: هو تخصيص العام بالنية، وهذا متفقٌ عليه بين المذاهب، وإن كان الحنفية - ما عدا الخصاف - وبعض الشافعية يرون أن النية تخصص العام ديانةً لا قضاءً[2].
الشق الثاني: هو تعميم الخاص بالنية، وهذا محل خلافٍ؛ فأجازه المالكية والحنابلة وبعض الحنفية، فهؤلاء عندهم أن النية تعمم الخاص كما أنها تخصص العام.
ومنعه الشافعية وبعض الحنفية، فلفظ القاعدة عند هؤلاء هو: (النية في اليمين تخصص اللفظ العام ولا تُعمم الخاص).
المسألة الثانية: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من عدة ألفاظٍ تحتاج إلى بيان، وهي:
- لفظ (اليمين) ويُطلق على الحلف، وسبب إطلاقها عليه أنهم كانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمان. واليمين في الشرع: عقدٌ يُقوَّى به جانب العزم على الفعل أو الترك.
واليمين هنا لا يُقصد بها اليمين بالله تعالى فقط، ولكن يُقصد بها أيضاً الطلاق والعتق والإيلاء.
- ولفظ (العام) يُراد به هنا اللفظ المتناول لشيئين فصاعداً من غير حصرٍ.
- ولفظ (الخاص) يُراد به اللفظ الدال على مسمًّى واحدٍ سواءٌ أكان فرداً أو نوعاً.
- ولفظ (التخصيص) يُراد به قصر اللفظ العام على بعض أفراده.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن نية المتكلم لها أثرٌ في باب الأيمان من جهة أن المتكلم لو تلفظ بيمينٍ لفظها عامٌّ ونوى شيئاً خاصّاً فإن النية تخصص لفظه هذا، ويُعامل بحكم ما نواه، وكذا العكس فيما لو تلفظ بلفظٍ خاصٍّ ونوى شيئاً عامّاً فإن النية تعمم لفظه، ويُعامل بحكم ما نواه.
المسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:
هذه القاعدة كما تقدم مكونة من شقين، لذلك نحتاج إلى التمثيل على كل شقٍّ على حدةٍ:
فأما الشق الأول وهو تخصيص العام بالنية فهو محل اتفاقٍ في حكمه في الجملة، ومن أمثلته:
1- لو حلف شخصٌ أن لا يُكلِّم أحداً، ونوى أن لا يُكلِّم زيداً فقط، فإنه لا يحنث لو كلَّم غير زيدٍ، لأن يمينه وإنْ كانت عامةً في لفظها إلا أنه قد خصصها بنيته، والنية في اليمين تخصص اللفظ العام.
2- لو قال رجلٌ: كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ، ونوى نساء بلدةٍ معيَّنةٍ أو من أسرةٍ معيَّنةٍ، فإن له أن يتزوج امرأةً من غير البلدة التي عيَّنها ومن غير نساء تلك الأسرة التي عيَّنها؛ لأن يمينه وإنْ كانت عامةً في لفظها إلا أنه قد خصصها بنيته، والنية في اليمين تخصص اللفظ العام.
3- لو حلف شخصٌ على أن لا يأكل اللحم، ونوى لحم الإبل فقط ثم إنه أكل من لحمٍ غيره كلحم الغنم مثلاً، فإن هذا الشخص لا يحنث؛ لأن لفظه وإن كان عامّاً إلا أن نيته كانت خاصةً، والنية في اليمين تخصص اللفظ العام اتفاقاً.
وأما الشق الثاني وهو تعميم الخاص بالنية ففيه الخلاف الذي علمتَ، ومن أمثلته:
1- لو حلف شخصٌ أن لا يشرب من ماء فلانٍ من عطشٍ، ونوى أن لا ينتفع منه بشيءٍ، فبناءً على نص القاعدة المنقول عن المالكية والحنابلة وبعض الحنفية يحنث إذا انتفع منه بشيءٍ ولو كان لفظه خاصّاً بالشرب منه من عطشٍ؛ لأن نيته عامة، والنية في اليمين تعمم اللفظ الخاص.
وأما عند الشافعية وبعض الحنفية فإنه هنا لا يحنث إلا بالشرب منه من عطشٍ خاصةً، ولا يحنث لو انتفع منه بشيءٍ آخر كالطعام أو اللباس؛ لأن النية في اليمين لا تعمم اللفظ الخاص عندهم.
2- لو حلف شخصٌ أن لا يدخل هذا البيت، ونوى هجران أهل هذا البيت، ثم إنه دخل عليهم بيتاً آخر، فبناءً على نص القاعدة المنقول عن المالكية والحنابلة وبعض الحنفية يحنث هذا الشخص في يمينه ولو كان لفظه خاصّاً بالدخول عليهم في هذا البيت؛ لأن نيته عامةٌ، والنية في اليمين تعمم اللفظ الخاص.
وأما عند الشافعية وبعض الحنفية فإن هذا الشخص لا يحنث إلا بالدخول في هذا البيت المعيّن، ولا يحنث بالدخول عليهم في بيتٍ آخر؛ لأن النية عندهم لا تعمم اللفظ الخاص.
3- لو حلف شخصٌ أن لا يشرب لفلانٍ ماءً، ونوى الامتناع عن الشرب مطلقاً، ثم إنه شرب له بعد ذلك عصيراً أو قهوةً، فبناءً على نص القاعدة المنقول عن المالكية والحنابلة وبعض الحنفية يحنث هذا الشخص في يمينه ولو كان لفظه خاصّاً بشرب الماء؛ لأن نيته عامةٌ، والنية في اليمين تعمم اللفظ الخاص.
وأما عند الشافعية وبعض الحنفية فإن هذا الشخص لا يحنث إلا بشرب الماء خاصةً؛ لأن النية عندهم لا تعمم اللفظ الخاص.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تفيد أن للنية أثراً في ألفاظ اليمين؛ من جهة أن النيةَ تخصص اليمينَ العامةَ في لفظها باتفاقٍ، وقد تعمم اليمين الخاصة في لفظها، وهذا يتفق مع ما تفيده القاعدة الكبرى من أن أحكام تصرفات المكلف تختلف باختلاف نيته ومقصده.
القاعدة الثانية (تخصيص العام بالنية مقبولٌ ديانةً لا قضاءً)[3]
هذه القاعدة تمثل رأي جمهور الحنفية وبعض الشافعية؛ فعندهم أن اللفظ العام وإن كان يقبل التخصيص بالنية، إلا أنه يقبله ديانةً لا قضاءً، وهم بذلك يخالفون الجمهور من المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية والخصَّاف من الحنفية الذين يرون أن النية تخصص اللفظ العام مطلقاً، أي ديانةً وقضاءً كما تقدم في القاعدة الأولى.
وخصص ابن نجيم من الحنفية إمكان الأخذ بقول الخصّاف وقول الجمهور بتخصيص العام بالنية قضاءً كما هو ديانةً لمن يقع عليه ظلمٌ ولا يتمكن من رفعه إلا بأن يتلفظ عامّاً وينوي خاصّاً.
وما ذكره ابن نجيم يندرج في حكم قاعدة (اليمين على نية الحالف إنْ كان مظلوماً...) التي سيرد إيضاحها.
والكلام على هذه القاعدة سيكون في المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: من الألفاظ التي تحتاج إلى بيان في هذه القاعدة لفظ (ديانةً)، ولفظ (قضاءً).
- فأما لفظ (ديانةً) فالمراد به تفويض الأمر إلى ما بين المرء وربه.
- وأما لفظ (قضاء) فيراد به الحكم في حال الترافع إلى القاضي أو العرض عليه.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن نية المتكلم لها أثرٌ فيما ينبني على ألفاظه وعباراته من أحكام، فلو تلفظ بلفظٍ عامٍّ، وادعى أنه يريد معنىً خاصّاً، فإن لم يتعلق بلفظه هذا حكمٌ فإن دعواه تلك تُقبل، ويُترك الأمر ما بين المرء وربه، وأما إن تعلق بلفظه هذا حكمٌ اقتضى الرفع إلى القاضي أو العرض عليه فإن دعوى نية التخصيص تلك لا تقبل، ويُعامل عند القاضي في الحكم بموجب لفظه العام.
المسألة الثانية: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:
1- لو قال رجلٌ: كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ، ثم ادعى أنه يقصد نساء بلدةٍ معينةٍ أو من أسرةٍ معينةٍ، فإنه يُديَّن فيما بينه وبين الله تعالى، وله أن يتزوج من غير البلدة أو من غير نساء الأسرة التي خصصها بالنية؛ لأن تخصيص العام بالنية مقبولٌ ديانةً.
2- لو حلف شخصٌ بالطلاق أن لا يُصلي إماماً، ثم إنه أحرم بالصلاة منفرداً، فجاء شخصٌ آخر فاقتدى به في الصلاة، ثم إن زوجته رفعته للقاضي، فذكر أنه يقصد أن لا يكون إماماً باختياره، وأن هذا إنما حصل جَبْراً عليه، فإن القاضي يحكم حينئذٍ بحنثه، ووقوع طلاقه هنا؛ لأن تخصيص العام بالنية لا يُقبل قضاءً وإنْ قُبل ديانةً.
وهذا كما هو ظاهرٌ هو مذهب جمهور الحنفية وبعض الشافعية، وأما مذهب الجمهور والخصَّاف من الحنفية فإنه تُقبل منه دعوى نية التخصيص قضاءً كما تُقبل ديانةً، فلا يقع طلاقه في هذا المثال.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تفيد أن للنية أثراً في الألفاظ، وأن الألفاظ العامة تقبل التخصيص بالنية فيما يكون بين المرء وربه، وهذا يتفق مع ما تفيده القاعدة الكبرى من أن أحكام التصرفات تختلف باختلاف نية المكلف وقصده.
القاعدة الثالثة
(الأيمان مبنيةٌ على الأغراض لا على الألفاظ)[4]
وهذه القاعدة تشتمل على عدة مسائل:
هذا هو نص القاعدة عند المالكية والحنابلة، فعندهم أنه يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ ولم يكن الحالف ظالماً، سواءٌ أكان موافقاً لظاهر اللفظ أم مخالفاً له.
وأما عند الحنفية والشافعية فإن مبنى الأيمان على الألفاظ إنْ أمكن استعمال اللفظ، وإلا فإنها تبنى على الأغراض.
المسألة الثانية: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي: الألفاظ التي تحتاج إلى بيانٍ في هذه القاعدة هي:
- لفظ (الأيمان) وهي جمع يمينٍ، وتقدم بيان معناها، والمراد بها هنا: اليمين بالله تعالى فقط.
- ولفظ (الأغراض) جمع غرضٍ والمراد به النية والمقصد.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن اليمين بالله تعالى إذا اختلف لفظها عن نية الحالف فإن الحكم هنا يكون مبنيّاً على النية إذا احتملها اللفظ.
المسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على هذه القاعدة مجموعةٌ من الفروع الفقهية، ومنها:
١- لو اغتاظ الوالد من ابنه فحلف أن لا يشتري له بریالٍ، ثم إنه بعد ذلك اشترى له شيئاً بمائةٍ مثلاً، فبناءً على نص القاعدة المنقول عن المالكية والحنابلة يحنث هذا الشخص؛ لأن قصده عدم نفع ابنه مطلقاً، والأيمان مبنيةٌ على الأغراض لا على الألفاظ.
وعند الحنفية والشافعية لا يحنث هذا الشخص في يمينه؛ لأن لفظه (ریال) واشترى له بأكثر منه، فلم يفعل ما حلف على تركه، والأيمان عندهم مبنيةٌ على الألفاظ لا على الأغراض.
۲- لو حلف شخصٌ لا يبيع لشخصٍ آخر هذه السلعة بعشرة، ثم إنه باعها إياه بأقل أو أكثر، فبناءً على نص القاعدة المنقول عن المالكية والحنابلة يحنث هذا الشخص في يمينه؛ لأن قصده عدم نفع المشتري بهذا البيع، والأيمان مبنيةٌ على الأغراض لا على الألفاظ.
وعند الحنفية والشافعية لا يحنث هذا الشخص في يمينه؛ لأن لفظه (عشرة) ولم يفعل ما حلف على تركه، والأيمان عندهم مبنيةٌ على الألفاظ لا على الأغراض.
۳- لو حلف شخصٌ لا يدخل تلك الدار، ثم إنه جاء بسُلَّمٍ، فصعد على سطحها، فبناءً على نص القاعدة المنقول عن المالكية والحنابلة يحنث هذا الشخص في يمينه؛ لأن قصده عدم مقاربة هذه الدار، والأيمان مبنيةٌ على الأغراض لا على الألفاظ.
وعند الحنفية والشافعية لا يحنث هذا الشخص في يمينه؛ لأن لفظه كان (الدخول) أي عدم الكون داخل الدار، ولم يحصل منه هذا الأمر، والأيمان مبنيةٌ على الألفاظ لا على الأغراض.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تفيد في نصها المعتمد هنا أن حكم اليمين إذا اختلف بین لفظ الحالف ونيته فإنه يُبنى على النية، وهذا يتفق مع ما تفيده القاعدة الكبرى من أن أحكام تصرفات المكلف تختلف باختلاف نيته ومقصده.
المسألة الخامسة: تنبیهان متعلقان بهذه القاعدة:
التنبيه الأول: افترق مذهب الحنفية عن الشافعية هنا بأن الحنفية يقولون: إن اليمين تنعقد من الحالف بأي لفظٍ وقعت به، يستوي في ذلك ما إذا حلف ذاكراً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً، وكذا يحنث الحالف بفعل أو ترك المحلوف عليه، ذاكراً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً.
وأما الشافعية فيقولون: لا بد من وجود القصد إلى الحلف ومن وجود القصد إلى المحلوف عليه، حتى يمكن بناء الحكم على لفظ اليمين.
مثالٌ على التفريق: لو أراد شخصٌ أن يحلف أن لا يلبس ثوباً أبيضَ مثلاً، ولكنه قال: والله لا ألبس عباءةً. فعند الحنفية يحنث بلبس العباءة؛ لأنها لفظه، وعند الشافعية لا يحنث بلبس العباءة؛ لأنه لم يقصدها بلفظه.
التنبيه الثاني: مذهب المالكية والحنابلة يطَّرد في جانب تغليب النية على لفظ اليمين سواءٌ في تخصيص العام أو تعميم الخاص أو في بناء الحكم في اليمين على نية الحالف دون لفظه.
أما الحنفية فإنهم في الأيمان يُغلِّبون جانب اللفظ على جانب النية، سواءٌ في مجال عدم تعميم اللفظ الخاص بالنية، أو في بناء الحكم على لفظ اليمين عند اختلافه مع النية، إلا أن بعضهم يغلِّب جانب النية على جانب اللفظ في اليمين في تخصيص العام.
والشافعية في الجملة يتفقون مع الحنفية فيما تقدم في الجملة.
والذي يظهر أن السبب الذي دعا علماء الشافعية إلى القول بتأثير النية في تخصيص اللفظ العام يرجع إلى أن دلالة العام عندهم ظنيةٌ، وحينئذٍ فإنها تقبل التخصيص بالنية، ثم إنهم اختلفوا في التخصيص بالنية مطلقاً أو ديانةً لا قضاءً بسبب أنهم نظروا إلى تفاوت ألفاظ العموم في القوة والضعف، فما كان منها قويّاً في دلالته لم يقبل فيه التخصيص بالنية قضاءً بل ديانةً فقط، وما كان منها ضعيفاً في دلالته فإنه يُقبل فيه التخصيص بالنية قضاءً وديانةً.
أما الحنفية فقد اختلفوا في نوع دلالة العام أهي ظنيةٌ أم قطعية؟ لذلك اختلفوا في الحكم بتأثير النية في تخصيصه، فمن ذهب منهم إلى أن دلالته ظنيةٌ قال بإمكان تأثير النية في تخصيص العام ديانةً وقضاءً، ومن قال منهم: إن دلالة العام قطعيةٌ منع تخصيص العام بالنية قضاءً وأجازه ديانةً فقط؛ لعدم توافر القوة في المخصِّص حتى يُعارض به العام القطعي.
القاعدة الرابعة (مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي)[5]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة تتضمن ألفاظاً تحتاج إلى البيان:
- فلفظ (مقاصد) جمع مقصد، والمراد به ما يدل عليه اللفظ من معنى.
- ولفظ (اللافظ) يُقصد به المتكلم، سواءٌ أكان متكلماً بحلفٍ أم بغيره.
- ولفظ (القاضي) من القضاء، وهو الحكم، والقاضي هو من يحق له شرعاً إلزام الغير بأمرٍ لم يكن لازماً قبل حكمه، فيدخل فيه القاضي المعروف شرعاً، وهو هنا شاملٌ للقاضي المعروف شرعاً، وكذا كل من له حق التحليف، ويُطلق عليه هنا (المستحلِف) كما في القاعدة اللاحقة.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الأصل في اليمين أن تُحمل ألفاظها وتُفسَّر بما نواه الحالف، ويُستثنى من هذا موضعٌ واحدٌ وهو: اليمين أمام القاضي أو أمام من له حق التحليف فإن اليمين تُحمل وتُفسَّر بحسب دلالة اللفظ لا بحسب نية الحالف.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
دل على هذه القاعدة قوله ﷺ: «إنما اليمين على نية المستحلف»[6] فهذا الحديث دليلٌ على أن اللفظ إذا كان يميناً عند القاضي فإنه يكون على نية المستحلف أي القاضي فلا تنفع الحالف التورية ولا الاستثناء، وهذا يؤيده الإجماع على أن الألفاظ ومنها اليمين تكون على نية المتلفظ في كل الأحوال إلا إذا تعلَّق اللفظ بيمينٍ عند القاضي أو نائبه في دعوىً توجهت إليه، فإنها تكون على نية المستحلف[7].
المسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:
هذه القاعدة متفقٌ عليها في المذاهب الأربعة، ومن أمثلتها: ما لو حلَّف القاضي منكر الدين أنه ما أخذ لفلانٍ شيئاً، فحلف ونوى أنه ما أخذ هذا اليوم، وكان في الواقع قد أخذ قبل ذلك، فإن هذا الحالف يحنث في يمينه؛ لأنه وإنْ كان الأصل في اليمين أن تُحمل على نية الحالف إلا أنها هنا أمام القاضي، فتُحمل على ما دلَّ عليه لفظها.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة أفادت أن ألفاظ اليمين الصادرة من المكلف ترتب عليها الأحكام بحسب نيته، ويُستثنى من هذا موضعٌ واحدٌ تحمل ألفاظ اليمين فيه على ما دلت عليه، وذلك أمام القاضي ومن له حق التحليف، وذلك لضرورة ضبط الأحكام، وهذا لا يخرج في جملته عما أفادته القاعدة الكبرى.
القاعدة الخامسة (اليمين على نية الحالف إنْ كان مظلوماً وعلى نية المستحلِف إنْ كان ظالماً)[8]
هذه القاعدة تتضمن عدة مسائل:
أن هذه القاعدة مكوَّنة من شقين:
الشق الأول: كون الحالف مظلوماً، فتكون اليمين على نيته.
الشق الثاني: كون الحالف ظالماً، فتكون اليمين على نية المستحلِف.
وهذه القاعدة بجزئيها المذكورين متفقٌ عليها في الجملة في المذاهب الأربعة، وما ذُكر من أن مذاهب المالكية والشافعية والحنابلة أنهم يجعلون اليمين على نية القاضي أي المستحلِف مطلقاً فهذا محمولٌ على الحلف في الأحوال العادية، أي حال الأصل في اليمين أمام من له حق التحليف، ويتفقون مع الحنفية على أنه يخرج من هذا الأصل ما إذا كان الحالف مظلوماً فإن له حينئذٍ التورية أو الاستثناء، وتكون اليمين على نيته حينئذٍ.
وقد ورد هذان الشقان بلفظهما فيما نقله البخاري من كلام إبراهيم النخعي، حيث قال: (إذا كان المستحلف ظالماً فنية الحالف، وإنْ كان مظلوماً فنية المستحلف)[9].
المسألة الثانية: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن اليمين إذا حصلت أمام من له حق التحليف واختلفت ألفاظ الحالف عن نيته، فإنه إنْ كان مظلوماً فإن اليمين تُحمل على ما نواه لا على لفظه، فلا يحنث في يمينه، وأما إن كان الحالف ظالماً فإن اليمين تُحمل على ما دل عليه لفظها وتفسَّر بحسب نية المستحلِف.
المسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:
هذه القاعدة انبنى عليها عدة فروعٍ في كلٍّ من شقيها المذكورين.
فأما أمثلة الشق الأول فمنها:
1- لو أجبر ظالمٌ شخصاً على فعلٍ معيَّنٍ، بأنْ قال: قل والله لأقتلن فلاناً، فقال هذه الكلمة، ثم استثنى بالمشيئة، فإن الاستثناء هنا ينفعه، وتكون اليمين على نيته، فلا يحنث فيها إذا ترك قتل ذلك الشخص المكرَه على قتله؛ لأن اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوماً.
2- لو أجبر ظالمٌ رجلاً على أن يُطلِّق زوجته، فتلفظ بطلاقها، ونوى ما يرفع حكم الطلاق، بأنْ نوى أنها غير مقيَّدة، أو كان قد طلقها قبلُ ثم راجعها، فنوى بهذا الطلاق أنها كانت طالقاً قبل مدةٍ وليست طالقاً الآن، فإن نيته تنفعه هنا؛ لأن اليمين تكون على نية الحالف إذا كان مظلوماً.
وأما أمثلة الشق الثاني فإن ما ذكرناه من مثالٍ في القاعدة الثالثة يصلح مثالاً لهذا الشق.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تفيد أن حكم اليمين المترتب عليها يختلف باختلاف النية المبني على اختلاف حال الحالف بين أن يكون مظلوماً وبين أن يكون ظالماً، وهذا لا يخرج عما أفادته القاعدة الكبرى.