حجم الخط:

محتوى الدرس (7)

القاعدة الكبرى الثانية (اليقين لا يزول بالشك)[1]

الكلام في هذه القاعدة يمكن أن نجعله في المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة وأهميتها:

هذه القاعدة قاعدةٌ عظيمةٌ، وتظهر مكانتها وأهميتها من خلال أمرين:

القاعدة الكبرى الثانية: اليقين لا يزول بالشك

أولهما: أن هذه القاعدة من أوسع القواعد الفقهية تطبيقاً، وأكثرها امتداداً في أبواب الفقه، وقد ذكر السيوطي أنها تدخل في جميع أبواب الفقه، وأن المسائل المخرَّجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر.

ثانيهما: أن لهذه القاعدة صلةً بعلم أصول الفقه، فقد تعرَّض لها الأصوليون باعتبارها من أدلة الفقه أو أنها تشبه أدلة الفقه؛ من حيث إنها يُقضى بها في جزئياتها كأنها دليلٌ على ذلك الجزئي، ومن حيث صلتها بالاستصحاب الذي يُعد دليلاً من أدلة الفقه، بل من العلماء من عَدَّ هذه القاعدة هي الاستصحاب نفسه.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: صياغة هذه القاعدة:

هذه القاعدة من القواعد التي ظهرت مبكراً في مجال التقعيد الفقهي، فقد ورد عن الشافعي قوله في الإقرار: (وأصل ما أقول من هذا أني ألزم الناس أبداً اليقين، وأطرح عنهم الشك، ولا أستعمل الغلبة)[2]، وقد ورد ذكر هذه القاعدة عند الكرخي بلفظ: (الأصل أن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك)[3] وجعلها ضمن الأصول التي عليها مدار كتب الحنفية. كما ذكرها أبو زيد الدبوسي بلفظ: (الأصل عند أبي حنيفة أنه متى عُرف الشيء من طريق الإحاطة والتيقن لأي معنىً كان، فهو على ذلك ما لم يُتيقن بخلافه)[4].

ثم ما زالت ألفاظ هذه القاعدة تختصر وتُهذَّب حتى استقرت على قولهم: (اليقين لا يزول بالشك).

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من ركنين أساسين هما (اليقين والشك):

- فأما اليقين: فمعناه في اللغة في المشهور: العلم وزوال الشك، وقد يأتي بمعنى الظن الراجح والغالب، وقد استُعمل الظن بمعنى اليقين في القرآن الكريم في عددٍ من الآيات، منها: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو [البَقَرَة: 46]، وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ [الحَاقَّة: 20].

واليقين في الاصطلاح هو: حصول الجزم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه. واليقين في هذه القاعدة يُراد به اليقين الاصطلاحي المتقدم كما أنه يُراد به أمراً أقل درجةً منه وهو (الظن)، والمراد بالظن في الاصطلاح: إدراك الاحتمال الراجح من احتمالين أو أكثر يتردد الذهن بينها.

والظن معمولٌ به في كثيرٍ من أحكام الشرع، وقد يُسميه بعض الفقهاء يقيناً، قال النووي: (اعلم أنهم يُطلقون العلم واليقين، ويريدون بهما الظن الظاهر، لا حقيقة العلم واليقين، فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم... حتى لو أخبره ثقةٌ بنجاسة الماء الذي توضأ به فحكمه حكم اليقين في وجوب غسل ما أصابه وإعادة الصلاة، وإنما يحصل بقول الثقة ظنٌّ لا علمٌ ويقينٌ)[5].

- وأما الشك: فهو في اللغة التداخل والاختلاط، ويأتي بمعنى مطلق التردد، والمعنى الثاني ناتجٌ عن الأول.

والشك في الاصطلاح هو: التردد بين وجود الشيء وعدمه دون ترجيحٍ لأحدهما على الآخر.

والشك في هذه القاعدة يُراد به الشك الاصطلاحي المتقدم كما يُراد به من باب أولى أمراً آخر أقل درجةً منه، وهو (الوهم)، وهو في الاصطلاح: إدراك الاحتمال المرجوح من احتمالين أو أكثر يتردد الذهن بينهما سواءٌ استند إلى دليلٍ أو لم يستند.

والوهم بهذا المعنى قسيمٌ للظن بالمعنى الذي ذكرناه، حتى إنه قد يُطلق على الوهم: الظن الفاسد.

والذي يظهر من استعمالات الفقهاء للوهم أنهم يُدخلون في معناه أيضاً: الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول.

ويجدر التنبيه هنا إلى أن من الفقهاء من ألحق الظن بالمعنى الذي ذكرناه بالشك، فجعل الشك شاملاً لحالة التردد المستوي الاحتمالات ولحالة التردد الذي ترجح فيه أحد الاحتمالات على غيره.

وقد ذكر الزركشي أن استعمال الفقهاء للشك بهذا المعنى إنما هو في الأحداث فقط، وإلا فإنهم يُفرِّقون بين هاتين الحالتين في مواضع كثيرة.

والذي يظهر أن عدم تفريقهم بين هاتين الحالتين في الأحداث راجعٌ إلى مراعاة الاحتياط في أمر الأحداث، وأن الخروج منها بالطهارة لا بد أن يكون باليقين أو بالظن الغالب.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أنه إذا ثبت أمرٌ من الأمور ثبوتاً جازماً أو راجحاً، وجوداً أو عدماً، ثم طرأ بعد ذلك شكٌّ أو وهمٌ في زوال ذلك الأمر الثابت، فإنه لا يُلتفت إلى ذلك الشك والوهم، بل يُحكم ببقاء الأمر الثابت على ما ثبت عليه.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ من المنقول والمعقول، أما أدلة المنقول، فقد دل على هذه القاعدة القرآن والسنة والإجماع.

أولاً: الأدلة من القرآن على القاعدة:

1- قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ [يُونس: 36].

ووجه الدلالة من الآية: أن مما فُسِّر الظن به أنه الحالة التي لا يقع بها علمٌ بحقيقة الشيء ولا بصحته، وواقع هذه الحالة أنه حال شكٍّ وريبةٍ، وقد دلت الآية على أن هذه الحالة لا تغني عن اليقين ولا تقوم في شيءٍ مقامه، فدل على أن الشك لو قابل اليقين لا يقوى على معارضته، بل يبقى الحكم لليقين.

2- قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النّجْم: 28].

ووجه الدلالة من الآية: أنه قد فُسِّر الظن هنا بالتوهم، وقد علمنا أن الوهم قد يُطلق عليه الظن الفاسد، وقد بيَّنت الآية أن هذا التوهم لضعفه لا يغني عن الحق، فدل على أن التوهم لو قابل اليقين فإنه لا يقوى على معارضته، بل يبقى الحكم لليقين أيضاً.

ثانياً: الأدلة من السنة: استُدل على هذه القاعدة بأدلةٍ من السنة منها ما يأتي:

1- ما ورد أنه شُكي إلى النبي ﷺ الرجلُ يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال ﷺ: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[6].

ووجه الدلالة من هذا الحديث هو ما ذكره النووي بقوله: (وهذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام وقاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها، حتى يُتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها)[7].

2- قوله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فاشكل عليه: أخرج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[8].

ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أرشد في حال التردد في وجود الحدث في الصلاة بعد الدخول فيها بطهارةٍ متيقنةٍ أرشد إلى أن على المسلم أن يبقى في صلاته، ولا يضره هذا الشك الطارئ، مما يدل على أن اليقين لا يزول بالشك.

وهذا الحديث وإنْ ورد في مسألةٍ خاصةٍ، وهي الشك في ناقض الوضوء، لكن العلماء عمَّموا حكمه في جميع المسائل التي يجتمع فيها يقينٌ وشك.

3- قوله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك، وليبنِ على ما استيقن...»[9].

ووجه الدلالة منه: أن المقصود من القاعدة هو البناء على اليقين وطرح الشك، وهذا هو ما نص عليه هذا الحديث صراحةً.

4- قوله ﷺ: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدرِ: واحدةً صلى أو اثنتين؟ فليبنِ على واحدة، فإن لم يدرِ ثنتين صلى أو ثلاثاً؟ فليبنِ على ثنتين، فإنْ لم يدرِ ثلاثاً صلى أو أربعاً؟ فليبنِ على ثلاثٍ، وليسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم»[10].

ووجه الدلالة منه: أن الحديث صريحٌ في أن الخروج من الشك في عدد الركعات في الصلاة يكون بالأخذ باليقين، والأخذ باليقين هنا يكون باعتبار الأقل في العدد وما زاد عليه يُعد في حكم المعدوم؛ للشك في وجوده، وهذا أصلٌ ينبغي اعتماده في كل شكٍّ في عددٍ في أمر الفرائض.

ثالثاً: دليل الإجماع: فقد أجمع العلماء على أصل العمل بهذه القاعدة، وإنِ اختلفوا في بعض تفصيلاتها، قال القرافي: (... فهذه قاعدةٌ مجمعٌ عليها، وهي أن كل مشكوكٍ فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه)[11]، واستقصاء كتب الفقه في المذاهب كلها يدل على تحقق هذا الإجماع.

وأما الدليل من المعقول على هذه القاعدة فهو: أن اليقين أقوى من الشك كما هو معلومٌ، فلا يصح عقلاً أن يرتفع اليقين القوي بالشك الضعيف.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: اعتراضان على نص القاعدة، والجواب عنهما:

اعترض على هذه القاعدة باعتراضاتٍ[12]، سنذكر منها هنا اعتراضين، ونُجيب عنهما:

الاعتراض الأول: أن من المعلوم عقلاً أنه لا يمكن اجتماع اليقين والشك في حالٍ واحدةٍ وفي الوقت نفسه لدى شخصٍ واحدٍ، ولكن الذي يُفهم من ظاهر نص القاعدة أنه يُمكن اجتماعهما في تلك الحال، فنحن نفهم من ظاهر نص القاعدة أن الشخص إذا كان على يقينٍ ثم طرأ عليه شكٌّ فإنه لا يزول اليقين بالشك، فيكون هذا الشخص متيقناً شاكّاً في الوقت نفسه، وهذا تناقضٌ.

والجواب عن هذا الاعتراض: أن المراد بنص القاعدة أن اليقين السابق لا يزول بالشك الطارئ اللاحق، فلم يحصل إذاً اجتماعٌ لليقين والشك[13].

الاعتراض الثاني: أن من الأمور المقررة أن اليقين إذا طرأ عليه شكٌّ زال اليقين، بمعنى أنه لو كان الشخص متيقناً، ثم شك، فإنه يوصف بأنه شاكٌّ لا أنه متيقنٌ، ولكن الذي يُفهم من ظاهر نص القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك الطارئ، بل يبقى، وهذا تناقضٌ.

والجواب عن هذا الاعتراض: أن المقصود من نص القاعدة أن الحكم - أي حكم اليقين - لا يزول بالشك، وليس المقصود أن ذات اليقين لا تزول بالشك، بل اليقين في ذاته زائلٌ بالشك، والباقي إنما هو حكم اليقين[14].

Adobe Systemsالمسألة السادسة: القواعد المتفرعة عن قاعدة (اليقين لا يزول بالشك):

[تمهيد]

تفرَّع عن هذه القاعدة مجموعةٌ كبيرةٌ من القواعد، ويمكن أن نصنف هذه القواعد في صنفين:

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة