حجم الخط:

محتوى الدرس (8)

الصنف الأول: القواعد التي تمثِّل منطوق القاعدة:

[أي] الذي مضمونه أن اليقين لا يزول بالشك، وهي على النحو الآتي:

القاعدة الأولى (الأصل بقاء ما كان على ما كان)[1]

[تمهيد]

هذه القاعدة جعلها كثيرٌ من العلماء هي نفس القاعدة الكبرى في المعنى، لذلك فإن ما ذُكر من أدلةٍ في القاعدة الكبرى يجعلونه أدلةً على هذه القاعدة[2]، وبعضهم جعلها من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى[3]، ثم الكلام عن هذه القاعدة سيكون بحسب المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكونة من ألفاظٍ تحتاج إلى البيان، وهي:

- لفظ (الأصل) والمراد به في هذه القاعدة وما سيأتي من قواعد: القاعدة المستمرة في الشرع، أو الغالب في الشرع، أو الراجح في الشرع.

- ولفظ (بقاء ما كان) أي ثبوت الأمر في الزمان الحاضر.

- ولفظ (على ما كان) أي على ما ثبت عليه في الزمان الماضي.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أن الشيء إذا ثبت على حالٍ من الأحوال في زمانٍ ما، فإنه يُحكم ببقائه ودوام ثبوته في الزمان التالي، حتى يأتي المغيِّر المعتبر شرعاً فيؤخذ بمقتضاه حينئذٍ.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة مجموعةٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو أن شخصاً تيقن أنه على طهارةٍ، ثم إنه بعد ذلك شك في أنه قد أحدث، فإنه يُحكم ببقائه على طهارته؛ لأن الأصل هنا هو الطهارة، والأصل بقاء ما كان على ما كان.

والعكس بالعكس؛ فلو أن شخصاً تيقن أنه محدثٌ، ثم إنه شك في أنه قد تطهر، فإنه يُحكم ببقائه على حدثه؛ لأن الأصل هنا هو الحدث، والأصل بقاء ما كان على ما كان.

2- لو أن شخصاً يريد الصوم أكل آخر الليل وهو شاكٌّ في طلوع الفجر، فإن صومه صحيحٌ؛ لأن بقاء الليل هو الأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان.

3- شخصٌ صائمٌ أكل آخر النهار، وهو شاكٌّ في غروب الشمس، وكان أكله بغير اجتهادٍ وتحرٍّ في غروب الشمس، فإن صومه غير صحيحٍ؛ لأن بقاء النهار هو الأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان.

4- لو اشترى شخصٌ ماءً، ثم ادعى نجاسته ليرده على البائع، وأنكر البائع كون الماء نجساً، فالقول هنا قول البائع مع يمينه؛ لأن طهارة الماء هي الأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة أفادت أن بقاء الشيء على حالته التي ثبت عليها أمرٌ متيقنٌ، وتغيُّره بعد ثبوته أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن وهو البقاء، ونترك المشكوك فيه وهو التغير، وهذا ما تفيده القاعدة الكبرى.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: تنبيهان متعلقان بهذه القاعدة:

التنبيه الأول: أنه قد ذكر مؤلفو (مجلة الأحكام العدلية) هذه القاعدة بلفظها المتقدم، كما أنهم ذكروا قاعدةً أخرى توافق هذه القاعدة من جهة المعنى، وتختلف عنها من جهة اللفظ، وهي قاعدة: (ما ثبت بزمانٍ يُحكم ببقائه ما لم يوجد المزيل)[4]، فهما قاعدتان متطابقتان في المعنى والأمثلة.

ولكن هذه القاعدة المذكورة هنا تنفرد بذكر قيدٍ في نصها لم يأتِ ذكره في نص قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وهذا القيد هو قولهم في القاعدة: (ما لم يوجد المزيل) أي الدليل الدال على عدم البقاء ووقوع التغير، فيُفهم من هذا أنه إذا وُجد المزيل لا يُحكم ببقاء الشيء بل يُحكم بزواله، مثال ذلك: إذا ثبت ملك شيءٍ لأحدٍ ما، فإنه يحكم ببقاء الملكية ودوامها لذلك الشخص، فإذا ثبت أن ذلك الشيء انتقل ملكه لشخصٍ آخر بسببٍ من أسباب انتقال الملكية فإنا نحكم بزوال ملك ذلك الشخص؛ لوجود ما يزيل البقاء الثابت.

التنبيه الثاني: أننا قد ذكرنا عند بيان مكانة القاعدة الكبرى وأهميتها أن لها صلةً بعلم أصول الفقه من جهة ارتباطها بالاستصحاب المذكور دليلاً من الأدلة في أصول الفقه.

ولبيان هذه الصلة وتوضيحها هنا نقول: إن قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) تمثل نوعاً من أنواع الاستصحاب الذي يذكره الأصوليون، والاستصحاب يُعرِّفه علماء الأصول بانه: ثبوت أمرٍ في الثاني لثبوته في الأول؛ لعدم وجدان ما يصلح أن يكون مغيِّراً بعد البحث التام[5].

والنوع الذي تمثله هذه القاعدة من أنواع الاستصحاب هو ما عبَّر عنه العلائي بقوله: (النوع الثالث: استصحاب حكمٍ دل الشرع على ثبوته ودوامه - كالملك عند جريان السبب المقتضي له، وكشغل الذمة عند إتلافٍ أو التزامٍ - إلى أن يثبت معارضٌ راجحٌ على ذلك يرفعه... وهذا هو الذي نتصدى للكلام عليه في هذه القاعدة)[6].

ثم إن (الاستصحاب) ينقسم باعتبار زمن الشيء المستصحب إلى قسمين:

القسم الأول: جعل الأمر الثابت في الماضي مستصحباً للحال، ومن هذا النوع هذه القاعدة وما تفرع عنها من أمثلة.

القسم الثاني: جعل الأمر الثابت في الحال مستصحباً في الماضي، ويسمى هذا النوع: الاستصحاب المقلوب أو المعكوس، كما يُسمى: تحكيم الحال.

ومن أمثلة هذا القسم:

لو استأجر شخصٌ داراً، فلما مضت مدة الإجارة وطالب المؤجرُ المستأجرَ بالأجرة امتنع المستأجر، واعتذر بأن الدار كانت معيبةً، وأنه لم يتمكن من الانتفاع بها، وليس هناك بينةٌ، فإنه يُنظر إلى حال الدار عند الخصومة؛ فإنْ كانت الدار معيبةً فإن هذه الحال تُستصحب في الزمن الماضي، ويُصدَّق المستأجر، وإنْ كانت الدار عند الخصومة سليمةً، فإن هذه الحال تُستصحب في الزمن الماضي، ولا يُصدَّق المستأجر، بل يُصدَّق المؤجر.

وإنما سُمِّي هذا النوع بتحكيم الحال؛ لأن الحال القائمة هي التي تُحكَّم في المسألة.

القاعدة الثانية (الأصل براءة الذمة)[7]

الكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة تشتمل على ثلاثة ألفاظٍ تحتاج إلى البيان:

- فلفظ (الأصل) معناه القاعدة المستمرة في الشرع.

- ولفظ (براءة) يُراد به السلامة والخلو من التكليف.

- ولفظ (الذمة) عُرِّفت بعدة تعريفاتٍ، والأقرب أن المراد بها هنا: ذات الإنسان ونفسه.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن القاعدة المستمرة في الشرع أن الإنسان غير مكلف بشيءٍ من الحقوق، لذا فإن تكليفه بحقٍّ من الحقوق مخالفٌ للأصل فلا بد أن يكون ثبوت تكليفه بدليلٍ.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:

دل على هذه القاعدة قوله ﷺ: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»[8].

ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قد جعل البينة التي هي الدليل على انشغال الذمة في جانب المدعي؛ لأنه يدعي شيئاً على خلاف الظاهر، ولم يطلب من المدعى عليه إلا اليمين مما يدل على أن الأصل براءة الذمة، فإن فائدة اليمين هي إبقاء الأصل الثابت.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة جملةٌ كبيرةٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو أتلف شخصٌ متاع شخصٍ آخر، ثم اختلف المتلِف وصاحب المتاع في قيمة الشيء المتلَف، ولا بينة، فإن القول هنا قول المتلِف الغارم مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة في القيمة التي يدَّعيها صاحب المتاع.

2- لو أن شخصاً شجَّ رأس شخصٍ آخر، ثم إن المجني عليه ادعى فقال: إن الجاني قد شجَّه شجتين وأنا رفعتُ الحاجز بينهما، فأُريد دية شجتين. وأنكر الجاني، ولا بينة، فإن القول هنا قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من دية الشجة الزائدة.

وهكذا فإن كل من ادعى على غيره التزاماً بدينٍ أو بعملٍ ما، مهما كان سببه من عقدٍ أو إتلافٍ أو أي سبب آخر من أسباب الضمان، فإن على هذا المدعي الإثبات إذا أنكر الخصم؛ لأن هذا الخصم يتمسك بحالةٍ أصليةٍ، هي براءة الذمة، فيكون ظاهر الحال شاهداً للمدعى عليه، ما لم يثبت خلافه.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تفيد أن براءة الذمة أمرٌ متيقنٌ، وانشغالها أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن، وهو البراءة، ونترك المشكوك فيه، وهو الانشغال، وهذا ما تفيده القاعدة الكبرى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة