حجم الخط:

محتوى الدرس (3)

القواعد الكلية الكبرى

القاعدة الكبرى الأولى (الأمور بمقاصدها)

الكلام في هذه القاعدة[1] يمكن أن نجعله في المسائل الآتية:

المسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة وأهميتها:

هذه القاعدة قاعدة عظيمة القدر، تنبني عليها أعمال القلوب التي يكون بها صلاح أعمال الجوارح أو فسادها، كما أن مبنى الثواب والعقاب يدور عليها.

القاعدة الكبرى الأولى: الأمور بمقاصدها

وتتأكد أهمية هذه القاعدة من خلال إدراكنا أنها تستند إلى حديث (إنما الأعمال بالنيات)، الذي ذكر كثيرٌ من الأئمة أنه ثلث العلم، ووجَّه بعضهم ذلك بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامه الثلاثة.

ومنهم من وجَّه ذلك بأن هذا الحديث أحد ثلاثة أحاديث تُردُّ إليها جميع الأحكام، والعلماء وإنِ اختلفوا في الأحاديث التي عليها مدار الفقه وبناء الدين إلا أنهم يتفقون على أن حديث (إنما الأعمال بالنيات) أحد هذه الأحاديث على كل حال.

وقد نُقل عن الشافعي أن هذا الحديث يدخل سبعين باباً من أبواب العلم، وكل ذلك يدل على أهمية المقاصد والنيات في تصرفات المكلفين.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

وهنا سنتحدث أولاً عن المعنى الإفرادي للقاعدة، ثم المعنى الإجمالي لها، مع الإشارة إلى السبب الذي دعا العلماء إلى ترك التعبير بنص الحديث مع شهرته إلى هذا النص المذكور.

أولاً: المعنى الإفرادي للقاعدة: هذه القاعدة مكوَّنة من لفظين هما (الأمور) و(المقاصد).

فأما لفظ (الأمور) فهو جمع أمرٍ، وهو يعني هنا معنًى واسعاً الذي هو: التصرفات الفعلية والقولية والاعتقادية.

وأما لفظ (المقاصد) فهو جمع مقصَدٍ، وهو يعني الإرادة المتوجهة إلى الشيء، ولهذا فلو أن لفظ (المقصد) فُسِّر بالنية بمعناها العام لما كان بعيداً؛ فإن المعنى العام للنية هو: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرضٍ من جلب نفعٍ أو دفع ضرٍّ حالاً أو مآلاً.

وأما معناها الخاص فلا يتأتى تفسير المقصد به، وهو: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى. وهو معنىً يُلحظ عليه أن النية مرادفةٌ فيه للإخلاص.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أن تصرفات المكلَّف من قوليةٍ أو فعليةٍ أو اعتقاديةٍ تختلف أحكامها الشرعية باختلاف إرادته ونيته.

وأما سبب عدول العلماء إلى التعبير بلفظ القاعدة (الأمور بمقاصدها) دون لفظ الحديث (الأعمال بالنيات) فالذي يظهر أنهم اضطروا إلى الأخذ بهذا اللفظ؛ لأنه أعم من لفظ الحديث؛ لكون لفظ (الأمور) أوسع معنًى من لفظ (الأعمال) من جهة أن لفظ (الأمور) يشمل الأفعال والأقوال والاعتقادات، وأما لفظ (الأعمال) فهو أخص من لفظ (الأمور) بل هو أخص من أحد مشمولاته الذي هو الفعل، فالعمل هو ما كان واقعاً بقصدٍ، وأما الفعل فإنه يُنسب إلى من يقع منه فعلٌ بغير قصدٍ، وقد يُنسب إلى الجمادات أيضاً، والعمل قلَّما يُنسب إلى ذلك.

وكذا لفظ (المقاصد) أعم من لفظ (النيات) من جهة أن لفظ (المقاصد) يشمل العزم والتوجه المقترن بالفعل والمتقدم عليه، بخلاف النية فإنها لا تكون إلا في العزم والتوجه المقترن بالفعل، ولا تتقدم عليه إلا لضرورة.

كما أن (المقاصد) لا تختص بإمالة الإرادة إلى قصد الثواب والتقرب إلى الله تعالى، بخلاف النية فإنها تختص بذلك.

ومع هذا فإن الفقهاء لا يُعبِّرون إلا بلفظ النية؛ لأنها أدق في الدلالة على مقصودهم في الأقوال والأفعال من جهة أن النية لا بد أن تكون مقارنةً للفعل.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:

هذه القاعدة دل على معناها أدلةٌ كثيرةٌ من القرآن والسنة والإجماع، ولكن العمدة في تأصيل قاعدة (الأمور بمقاصدها) هو ما ورد في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى... الحديث»[2] وهذا الحديث مما تلقته الأمة بالقبول.

وقوله ﷺ في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» - حصرٌ، معناه: لا عمل إلا بنيةٍ. وفي الكلام حذفٌ اختلف العلماء في تقديره:

فقيل: التقدير (إنما صحة الأعمال بالنيات) أو نحوه، وهذا التقدير قال به من يرى أن النية شرطٌ في الأعمال.

وقيل: التقدير (إنما كمال الأعمال بالنيات) أو نحوه، وهذا قال به من لم يرَ النية شرطاً في الأعمال. والذي يترجح هنا هو التقدير الأول؛ لأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، فيكون المراد به: اعتبار الأعمال وبناء الحكم عليها.

يُضاف إلى هذا الدليل مجموعةٌ من الأدلة من القرآن والسنة تدل على أهمية المقاصد، وعلى كونها مقياساً توزن به الأعمال صحةً وفساداً قبولاً أو ردّاً، ومن ذلك:

- قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ [الكهف: 28].

وهذا دليلٌ على أنه لا بد من ملاحظة القصد والنية في العمل، وذلك بإرادة وجه الله فيه، وذلك أن التعبير بالإرادة دالٌّ على النية والقصد؛ لأنهما من أنواع الإرادة.

- قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النِّسَاء: 100].

ففي هذه الآية إرشادٌ إلى ضرورة إخلاص القصد والنية في العمل، يوضح ذلك سبب نزول هذه الآية.

- قوله ﷺ: «لا عمل لمن لا نية له»[3].

وهو بمعنى الحديث المعتمد في تأصيل القاعدة، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تفيد بمجموعها كون المقاصد والنيات ملحظاً مهمّاً في الثواب والمجازاة، مما يدل على أن للنية ملحظاً في الصحة والنفوذ.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: حكم النية:

النية عبادةٌ مشروعةٌ، ولكن اختلف العلماء في حكمها؛ فجعلها بعضهم شرطاً لصحة الأعمال، وجعلها الأكثر ركناً في جميع الأعمال؛ لأنها داخل العبادة لا خارجها، وشأن الركن أنه يكون جزءاً من حقيقة الشيء، أما الشرط فإنه يكون خارجاً عن حقيقة الشيء.

وللعلائي تفصيلٌ حسنٌ هنا وهو: أن ما كانت النية معتبرةً في صحته، فهي ركنٌ فيه، وأما ما يصح بدون النية، ولكن يتوقف حصول الثواب فيه على النية فإن النية تكون شرطاً فيه، وذلك كالمباحات، والكف عن المعاصي.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: المقصود من شرع النية:

علمنا أن النية عبادةٌ مشروعةٌ، وهذه النية إنما شُرعت لأمرين:

الأمر الأول: تمييز العبادات عن العادات، فمعلومٌ أن بعض الأعمال تتردد بين أن تكون عبادةً وبين أن تكون عادةً، نظراً لأن هيئتها موافقةٌ لهيئة عادةٍ متقررةٍ، فلا تتميز أنها عبادةٌ إلا بالنية. ومن أمثلة هذا: أن الاغتسال بالماء مترددٌ بين أن يكون للتنظف أو التبرد، وبين أن يكون طهارةً شرعيةً، ولا يحصل التمييز إلا بالنية.

وكذا الإمساك عن الأكل والشرب مترددٌ بين أن يكون حميةً للتداوي، أو لعدم الحاجة إليه وبين أن يكون صياماً شرعيّاً، ولا يحصل التمييز إلا بالنية.

الأمر الثاني: تمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، فإن للعبادات كما هو معلومٌ رتباً متفاوتةً، فقد تكون فرضاً وقد تكون نفلاً، وقد تكون نذراً، وقد تكون أداءً، وقد تكون إعادةً، وقد تكون قضاءً، وكلها عباداتٌ يُتقرب بها إلى الله تعالى ولا تتميز رتبة العبادة هنا إلا بالنية.

ولذلك يُشترط في العبادات التي يلتبس بعضها ببعضٍ تعيينها بالنية، والمقصود بالالتباس هنا: أن تتساوى العبادتان فعلاً وصورةً، فحينئذٍ لا يُميَّز بينهما إلا بالتعيين في النية، وذلك كتساوي الظهر والعصر في القدْر والفرضية، وكتساوي صوم الكفارة أو النذر مع صوم القضاء في الصفة والحكم.

ويترتب على هذين الأمرين اللذين شُرعت لأجلهما النية أربعة أمور:

أولها: أن العبادة إذا كانت متميزةً بنفسها لا تلتبس بالعادة فإنها لا تحتاج إلى تمييزٍ بالنية، كالأعمال القلبية من إيمانٍ بالله تعالى وخوفٍ منه ورجاءٍ له، وذكروا كذلك قراءة القرآن، والأذكار، والأذان، فهي متميزةٌ بصورتها لا تحتاج إلى نيةٍ.

ثانيها: أن العبادة إذا كانت متميزةً بنفسها لا تلتبس بعبادةٍ أخرى فإنه لا يُشترط فيها تمييزها بالنية، وذلك كالحج والعمرة، وصوم رمضان؛ لأنه لو عيَّن غيرها انصرف إليها، فيكفي فيها مطلق النية.

ثالثها: أنه لو أخطا المكلف في نية العبادة التي يُشترط لها تعيين النية فإنها تبطل، وذلك كمن أراد أن يصلي الظهر في وقت الظهر فنوى العصر، فإنها لا تصح ظهراً، ولا تصح عصراً؛ لأنه قبل دخول وقته.

وأما لو أخطا في نية ما لا يُشترط فيه تعيين النية فإنه لا يضره خطؤه هذا، وذلك كمن نوى حج النافلة وهو لم يؤد الفرض فإنه يقع عن حج الفرض، أو نوى صوم قضاءٍ أو نافلةٍ في رمضان فإن صيامه يقع عن رمضان، ولا يضره خطؤه.

رابعها: أن العادات قد تصبح عباداتٍ بالنية فيحصل الثواب عليها، وذلك كما في المباحات من الأكل والشرب والنوم والاكتساب إذا قصد بها التقوِّي على طاعة الله تعالى، وكذا النكاح إذا قصد به إعفاف نفسه أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة، أو طلب العلم لنفع النفس برفع الجهل ونفع الناس أو تحصيل الوظيفة التي يسد بها حاجته وينتفع به فيها مجتمعه.

Adobe Systemsالمسألة السادسة: انفراد النية عن التصرف أو التصرف عن النية:

هذه المسألة لها حالتان:

الحالة الأولى: انفراد النية عن التصرف:

والمقصود أن النية لم تقترن بفعلٍ أو قولٍ ظاهرٍ، بحيث لم تجاوز القصد والعزم إلى التصرف الحسي من قولٍ أو فعلٍ، وحينئذٍ لا تترتب عليها أحكامٌ شرعيةٌ.

فلو أن رجلاً نوى تطليق زوجته في قلبه، ولم يتلفظ بالطلاق، فإنه لا يقع الطلاق، وكذلك لو نوى أن يوقف وقفاً ولم يصدر منه فعلٌ أو قولٌ يدل على ذلك، فإنه لا يترتب على نيته حكمٌ، ويُستثنى من هذا ما سيأتي في الكلام عن نية القطع، فإن منه ما يثبت الحكم فيه بمجرد النية.

والمقصود بالحكم الذي لا يترتب هنا هو الحكم الدنيوي، أما أحكام الآخرة من ثوابٍ أو عقابٍ فقد تترتب على النية ولو لم يُصاحبها تصرفٌ فعليٌّ أو قوليٌّ.

الحالة الثانية: انفراد التصرف عن النية:

وهذا لا يخلو من أمرين:

الأمر الأول: أن يثبت الحكم للتصرف دون الحاجة للنية:

وهذا يشمل الصور الآتية:

الصورة الأولى: الواجبات التي تكون صورتها كافيةً في تحصيل مصلحتها، مثل: رد المغصوب، ورد الدين، والمسروق، فهذه التصرفات يثبت الحكم فيها بمجرد الفعل ولا حاجة إلى النية.

الصورة الثانية: التصرفات التي يؤدي اشتراط النية فيها إلى الدور أو التسلسل، مثل: النية نفسها، فإنه لا تشترط لها نيةٌ؛ لأن اشتراطها يؤدي إلى التسلسل، وكذلك الإسلام لا تشترط له النية، لأنه يلزم من اشتراطها الدور، فإن النية من شروطها الإسلام.

الصورة الثالثة: التصرفات الصريحة التي ليس لها إلا وجهٌ واحدٌ سواءٌ أكان تصرفاً فعليّاً أم قوليّاً، وحينئذٍ فإن الحكم يترتب على هذا التصرف ولا ننظر إلى النية، وذلك كمن باع غيره شيئاً بقوله: بعتك، أو أوصى لغيره بشيءٍ بلفظ: أوصيتُ لفلانٍ بكذا، فينعقد البيع وتنعقد الوصية ولو لم يقصدهما، وكذا لو قذف غيره بلفظٍ صريحٍ كقوله: (يا زانٍ) ونحوه فإنه يترتب عليه حكم القذف.

الصورة الرابعة: القربات التي لا تلتبس بغيرها لا تشترط فيها النية، مثل قراءة القرآن، وذكر الله عز وجل، فإنه إذا كانت نية الإنسان في ذلك غير مسبوقةٍ بشيءٍ من الرياء فإنه يكفي مجرد الفعل ليُوصف بأنه طاعةٌ.

الصورة الخامسة: ترك المعاصي، سواءٌ أكانت محرمةً أم مكروهةً، كترك الزنا، وترك الرياء، فإنه يكفي في تركها مجرد الترك دون النية.

والمقصود بذلك الحكم الدنيوي، أما الحكم الأخروي من الثواب فلا شك أنه مرتبطٌ بنية التقرب إلى الله عز وجل بتركها.

الصورة السادسة: المباحات، فإنها تحصل مصالحها بدون النية، كالاحتطاب ونحوه.

الأمر الثاني: أن لا يثبت الحكم للتصرف حتى تقترن به النية.

وهذا يشمل: التصرفات غير الصريحة في المقصود منها ولها أوجهٌ متعددةٌ كلٌّ منها يُحتمل أن يُحمل عليه هذا التصرف.

وحينئذٍ فإن هذا التصرف يكون تصرفاً موقوفاً حتى يُبيِّن لنا صاحبه نيته منه، وذلك كمن قال لزوجته: اذهبي لأهلكِ، فإن هذا لا يكون طلاقاً؛

لأنه تصرفٌ يحتمل أوجهاً: منها الطلاق، ومنها أن تذهب لزيارتهم، ومنها أن تبتعد عنه حتى يزول عنه ما به من غضبٍ مثلاً. فهذا التصرف موقوفٌ حتى يبيِّن لنا صاحبه نيته منه.

وكذا لو وجد شخصٌ لقطةً وأخذها، فإن أخذه لها يحتمل أوجهاً منها أنه قصد تملكها مباشرةً، وحينئذٍ فإنه يُعد غاصباً يضمنها لو تلفت في يده تعدى وقصَّر أو لم يتعدَّ ولم يُقصِّر، ويُحتمل أنه أخذها بقصد تعريفها وتسليمها لصاحبها لو وجده فإنه حينئذٍ يُعد أميناً لا يضمن لو تلفت بلا تعدّ ولا تفريطٍ منه.

Adobe Systemsالمسألة السابعة: محل النية:

النية محلها القلب، ويترتب على هذا أمور:

الأمر الأول: أنه لا يكفي التلفظ باللسان عن انعقاد النية في القلب.

الأمر الثاني: أنه لا يُشترط مع انعقاد النية في القلب التلفظُ باللسان، بل إن التلفظ بالنية لا يُشرع؛ لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه.

وما استثناه بعض العلماء من أنه يُشرع التلفظ بالنية في الحج فقط فهذا ليس تلفظاً بالنية وإنما هو تلفظٌ بالتلبية المشتملة على المنوي.

إلا أنه يمكن أن يُستثنى من عدم مشروعية التلفظ بالنية مَنْ غلبته الوسوسة بحيث يشك في انعقاد عبادته، فهنا يُشرع له التلفظ بالنية؛ ليكون أثبت لها في قلبه.

الأمر الثالث: أنه إذا اختلف اللفظ باللسان عما في القلب، فالمعتبر ما في القلب.

Adobe Systemsالمسألة الثامنة: شروط النية:

للنية شروطٌ لا يُعتد بالنية إذا فقدت واحداً منها، وإليك هذه الشروط:

الشرط الأول: أن يكون الناوي مسلماً، وهذا شرطٌ لصحة النية في العبادات دون غيرها، وإنما اشترطنا هذا الشرط هنا؛ لأن النية عبادةٌ، ومن شرط صحة العبادة الإسلام، فالكافر فاقدٌ لشرط صحة العبادة وهو الإسلام.

الشرط الثاني: أن يكون الناوي مميزاً، ومعناه: أن يكون لدى الناوي القدرة العقلية على التمييز بين النافع والضار، وإنما اشترطنا هذا الشرط؛ لأن النية لا بد فيها من القصد، ومعلومٌ أن غير المميز - كالمجنون والصبي - لا قصد له.

واستثنى العلماء من ذلك الإتلاف، فإنه يكون سبباً موجباً للضمان، ولو لم يكن الناوي مميزاً؛ لتعلق الإتلاف بحقوق العباد التي مبناها على المشاحة.

الشرط الثالث: العلم بالمنوي، فلا تصح النية من المكلف مع جهله بحقيقة ما نواه أو بحكمه، وهذا الشرط له فائدةٌ في اشتراط التعيين في النية الذي تقدم الكلام عنه؛ فإن من لم يعلم بما نواه فإنه لا يمكنه تعيينه بالنية.

وبناءً عليه فمن لم يعلم بفرضية الصلاة أو الوضوء لم يصح منه فعلهما، ومن جهل تحريم فعلٍ معيَّنٍ - ممن يصح وقوع الجهل منه - لم يلزمه حكم فعله، وذلك لعدم تحقق نية الفعل منه.

ويُستثنى من هذا: الفعل الذي يؤول إلى العلم، فإذا نواه وهو لا يعلم حقيقته أو حكمه صحت نيته؛ لأنه يرجع إلى أن يكون معلوماً، ومن ذلك: الإحرام المبهم، وهو الإحرام بما أحرم به فلانٌ وهو يمكن له سؤال ذلك الشخص عن نوع إحرامه، فيصح هذا وينعقد الإحرام، ثم يُعيِّنه بعد السؤال، كما أن عليّاً رضي الله عنه أحرم بما أحرم به النبي ﷺ وهو لا يعلم نوع إحرام النبي ﷺ، فصححه له النبي [4].

ومثله: أن يقول البائع للمشتري: بعتك بما باع به فلانٌ، إذا كان يمكنه أن يعلم القيمة التي باع بها ذلك الشخص، فقد قيل بصحة هذا مع الجهل بمقدار الثمن الذي هو جزءٌ من حقيقة البيع المنوي؛ لأنه يؤول إلى العلم.

الشرط الرابع: عدم المنافي بين النية والمنوي: والمنافي هنا له قسمان:

القسم الأول: ما يُنافي انعقاد النية ابتداءً، والمنافي لانعقاد النية ابتداءً له ثلاثة أنواع:

النوع الأول: التردد في النية وعدم الجزم فيها أصلاً، فمثل هذا يُنافي انعقاد النية ابتداءً، وذلك كمن اشترى سيارةً للركوب أو بيتاً للسكنى وهو ينوي إنْ أصاب ربحاً باعه فإنه لا زكاة عليه؛ لأنه لم يجزم بنية التجارة، بل هو مترددٌ فيها.

ويُستثنى من هذا الشرط التردد في النية في حالة الاشتباه فيما لو نسي أداء صلاة يومٍ معيَّنٍ وجهل عينها، فإنه يُصلي خمس صلواتٍ حتى يجزم بوجودها، وتصح نية القضاء في هذه الصورة مع التردد وعدم الجزم في المقضي.

النوع الثاني: عدم القدرة على المنوي إما عقلاً وإما شرعاً وإما عادةً، والمقصود: أنه إذا نوى أمراً يستحيل في العقل أو يمتنع في الشرع أو في العادة فإن نيته لا تنعقد صحيحةً في الأصل.

النوع الثالث: التشريك في النية، وهذا النوع له ثلاث حالاتٍ:

الحالة الأولى: تشريكٌ يُبطل النية والعبادة مطلقاً، وذلك بأن ينوي مع العبادة ما لا يكون عبادةً بأي وجهٍ، ولا يُمكن تداخله معها، مثل: أن يذبح الأضحية لله ولغيره، فهنا تبطل نية الأضحية وتحرم الذبيحة؛ لأن الذبح لغير الله لا يمكن أن يكون عبادةً، ولا يُمكن أن يتداخل مع الذبح بقصد الأضحية.

الحالة الثانية: تشريكٌ لا يُبطل النية ولا العبادة، وذلك بأن ينوي مع العبادة ما يمكن أن يكون عبادةً، أو ينوي مع العبادة عبادةً أخرى يمكن تداخلها معها، فمن الأول: أن يغتسل بالماء وينوي به الغُسل والتبرد، فهنا يصح التشريك في النية، ويكون اغتساله هنا صحيحاً.

ومن الثاني: أن ينوي بالركعتين سنة الفجر وتحية المسجد، أو يؤخر طواف الإفاضة إلى وقت الوداع، وينوي بالطواف الوداع والإفاضة، فهنا يصح التشريك في النية، ويقع فعله عن العبادتين.

الحالة الثالثة: تشريكٌ تبطل فيه نية إحدى العبادتين دون الأخرى، وذلك بأن ينوي مع العبادة عبادةً أخرى لا يمكن تداخلها معها، وذلك كأن ينوي بحجه الفرض والنفل، فإن نيته تصح في الفرض وتبطل في النفل؛ لعدم صحة التداخل بينهما.

القسم الثاني: ما يُنافي استمرار النية، والمنافي لاستمرار النية له نوعان:

النوع الأول: قطع النية:

وهذا المنافي ليس على إطلاقه، فإنه لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون القطع مؤثراً بمجرد نيته، وهذا النوع من القطع مؤثرٌ في العبادات القلبية - أي التي محلها القلب في الأصل - وذلك كالإيمان بالله تعالى، فمن نوى قطع الإيمان صار مرتدّاً في الحال، فإن الردة تؤثر في العمل سواءٌ كانت شكّاً أو اعتقاداً أو قولاً.

ومؤثرٌ كذلك في العبادات الفعلية التي تكون أفعالها مرتبطةً ببعضها زماناً ومكاناً كالصلاة، فمن نوى قطع الصلاة، بطلت صلاته بمجرد نية القطع.

الحالة الثانية: أن لا يكون القطع مؤثراً في العمل مطلقاً، وعدم تأثير هذا النوع من القطع يكون في الأمور الآتية:

1- الحج والعمرة، فمن نوى قطعهما لم ينقطعا وعليه الاستمرار فيهما؛ لورود الدليل الخاص على وجوب المضي فيهما وإتمامهما على كل حالٍ.

2- العبادة التي يريد قطعها بنية الإتيان بمنافٍ لها، كمن ينوي الأكل أو الفعل الكثير في الصلاة ولا يفعل فإنه لا تنقطع صلاته، أو ينوي الأكل أو الشرب في الصوم ولا يفعل فإنه لا ينقطع صومه، أو ينوي الخروج من المسجد لغير حاجةٍ ولا يفعل فإنه لا ينقطع اعتكافه.

3- المعاملات بين الخلق، لا يؤثر فيها نية القطع ما لم يأتِ بمنافٍ عمليٍّ؛ فهي تنعقد بعملٍ ظاهرٍ من قولٍ أو فعلٍ، فلا تنقطع أو تنفسخ إلا بعملٍ ظاهرٍ.

ويجدر التنبيه هنا أن القطع لا يؤثر بعد فوات محله، كأن ينوي قطع العبادة بعد الفراغ منها فإن هذا لا يؤثر في صحة العبادة.

كما أن السهو والغفلة عن النية في أثناء العبادة لا يُعد قطعاً لها.

النوع الثاني: القلب أو النقل للنية:

وهذا الأمر يعد منافياً لاستمرار النية في العبادات إذا كان نقلاً من شيءٍ إلى أمر مساوٍ له أو أعلى منه وأقوى، وذلك مثل أن ينوي قلب الفرض إلى فرضٍ آخر فإنه لا يحصل واحدٌ منهما، أو ينوي قلب النفل إلى فرضٍ فإنه لا يحصل واحدٌ منهما، وهذا بخلاف النقل من الأعلى إلى الأدنى فإنه لا يؤثر في استمرار نية العبادة، فتنتقل النية للأدنى، وذلك كمن نوى قلب الفرض إلى نفلٍ مطلقٍ فإنه ينقلب نفلاً، ولا تنقطع نية العبادة.

وأما في المعاملات فهذا النوع غير مؤثرٍ إلا إذا أتبعه بتصرفٍ يدل عليه.

الشرط الخامس: أن تكون النية مقارنة لأول العمل إذا كان مما يُشترط فيه المقارنة.

وذلك أن وقت انعقاد النية يختلف باختلاف العمل بالنسبة إلى وقته، فإن العمل بالنسبة إلى وقته لا يخلو من ثلاث حالاتٍ:

الحالة الأولى: أعمالٌ يكون المكلف مخيَّراً في إيقاعها في أي جزءٍ من وقتها؛ لكون وقتها واسعاً يسع العمل ويسع غيره من جنسه، فهذه يُشترط أن تكون النية مقارنةً لأول العمل، ولا يضر التقدم اليسير؛ لمقاربته، فإن ما قارب الشيء أُعطي حكمه، وذلك كالصلاة.

الحالة الثانية: أعمالٌ يكون المكلَّف غير مخيَّرٍ في إيقاعها في أي جزءٍ من وقتها؛ لكون وقتها مضيّقاً لا يسع شيئاً من جنس ذلك العمل، فهذا يجوز أن تتقدم النية فيه مطلقاً عن أول العمل، ولا تُشترط المقارنة؛ لتميُّز العمل بكون وقته لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يصح أن تتأخر النية عن أول العمل، وذلك كالصيام الواجب.

الحالة الثالثة: أعمالٌ ذات شبهين، فيكون المكلف فيها مخيَّراً في إيقاعها في أي وقتٍ؛ لسعة وقتها، وليس مخيَّراً في إيقاع غيرها من جنسها معها في هذا الوقت، فهذا يجوز أن تتأخر النية فيه عن أول العمل، ويجوز أن تتقدم، وذلك كصيام النافلة، فإنه يجوز أن ينويه من النهار وقبل الزوال؛ للأحاديث الواردة في ذلك.

الشرط السادس: الإخلاص في النية:

والمراد به: أن يُراد بالعمل وجه الله تعالى وحده، وهذا شرطٌ لقبول النية، ومما يدل على اشتراط هذا الشرط قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البَيِّنَة: 5].

وبناءً على ذلك فلو أنه فُقد هذا الشرط بأنْ خالط النيةَ الرياءُ، وهو أن يُريد بالعمل غير وجه الله تعالى فإنه يؤثر في عدم قبول العمل، ولكنه يُستثنى من تأثير الرياء هنا مسألتان:

إحداهما: أن يبتدئ المكلف العبادة بالإخلاص، ثم يعرض الرياء في أثنائها، فالحكم للسابق، ولا يضر الرياء اللاحق، وتجب مدافعته.

ثانيتهما: أن يُريد المكلف العبادة ويخشى من الرياء، فإنه لا ينبغي له أن يترك العبادة لأجل هذه الخشية؛ لأنها أمرٌ متوهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة