حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

تعريف علوم القرآن

[تمهيد]

علومُ القرآن مُرَكَّبٌ إضافيٌّ يتكَوَّنُ من كلمتين: (علوم) و(القرآن)، والمقام يَقتضي أن نُعَرِّفَ كلَّ كلمةٍ وحدها لغةً واصطلاحًا، ثم نُعَقِّب على ذلك بتعريفهما معًا مُرَكَّبتين تركيبًا إضافيًّا، ثم التعريف الاصطلاحي لهما.

تعريف العلوم:

العُلوم: جمع عِلْمٍ، والعلمُ: نقيضُ الجهل، وهو مصدرٌ مرادفٌ للفَهْم والمعرفة، ويُراد به: إدراكُ الشيء بحقيقته، أو اليقينُ، أو هو نورٌ يَقذفه اللهُ في القلب.

ويُطلق العِلْمُ على مجموع مسائل وأصول كُلِّيَّة تَجمعها جهة واحدة؛ مثل: عِلْم النَّحْو، وعلم الطِّبِّ، وعلم الكِيمياء.

ويُجمع على (علوم)، وقد تُسَمَّى به المباحثُ التي يتناولها موضوعًا واحدًا؛ مثل: علوم العربية، والعلوم الطبيعية، والعلوم التجريبية.

تعريف القُرآن لغة:

اختلف العلماءُ رحمهم الله تعالى في لفظ القرآن، لكنهم اتَّفَقوا على أنَّه اسمٌ، فليس بفعلٍ ولا حرفٍ، وهذا الاسمُ شأنُه شأنُ الأسماء في العربية؛ إمَّا أن يكون جامدًا أو مشتقًّا.

فذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى أنَّه اسمٌ جامدٌ غيرُ مَهموزٍ؛ قال الشافعيُّ: (وقرأتُ على إسماعيلَ بنِ قُسْطَنْطِين وكان يقول: القرآنُ اسمٌ وليس بمَهْمُوزٍ، ولم يُؤخذ مِن قَرَأت، ولو أُخِذ مِن قرأت لكان كلُّ ما قُرِئ قرآنًا، ولكنه اسمٌ للقرآن؛ مثل التوراة والإنجيل، يُهْمَزُ قَرَأت ولا يُهْمَزُ القرآن؛ ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [الإسراء: 45] يَهْمِزُ قرأت، ولا يَهْمِزُ القرآن)[1]، وبه قرأ ابنُ كَثِيرٍ.

وذهبت طائفةٌ إلى أنَّ هذا الاسمَ مُشْتَقٌّ، ثم افترقوا إلى فِرقتين:

فقالت فرقةٌ منهم: إنَّ النون أصلية، وعلى هذا يكون الاسم مشتقًّا من مادة (ق ر ن)، ثم اختلفوا:

1- فقالت طائفةٌ منهم الأشعريُّ[2]: (إنَّه مُشتقٌّ مِن قَرَنْت الشيء بالشيء إذا ضَمَمْته إليه، ومنه قولهم: قَرَنَ بين البَعِيرين؛ إذا جمع بينهما، ومنه سُمِّي الجمعُ بين الحجِّ والعمرة في إحرام واحد قِرَانًا).

2- وقالت طائفةٌ منهم الفَرَّاءُ[3]: (إنَّه مشتقٌّ مِن القَرَائِن جمع قَرِينة؛ لأنَّ آياتِه يُشبه بعضها بعضًا).

وقالت فرقةٌ منهم: (إنَّ الهمزة أصلية)، ثم افترقوا -أيضًا- إلى فِرقتين:

1- فقالت طائفة منهم اللِّحْياني[4]: (إنَّ القرآن مَصدر مهموز بوزن الغُفران، مشتق مِن قَرَأ بمعنى تَلَا، سُمِّي به المَقروءُ تسميةً للمفعول بالمَصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 17، 18]، أي: قِرَاءته).

2- وقالت طائفةٌ منهم الزَّجَّاجُ[5]: (إنَّه وصفٌ على وزن فُعْلَان مُشتقٌ مِن القَرْءِ بمعنى الجمعِ، ومنه: قرأَ الماءَ في الحوض؛ إذا جَمَعَه).

قال ابن الأثير: (وسُمِّي القرآنُ قرآنًا؛ لأنه جَمَعَ القَصَصَ والأمرَ والنَّهيَ والوَعْدَ والوعيدَ والآياتِ والسُّورَ بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغُفران والكُفران)[6].

ولعلَّ الراجحَ هو ما ذهب إليه اللِّحْيانيُّ والزَّجَّاجُ أن الهمزة أصلية، وأن لفظ القرآن مهموز؛ وصفًا كان أو مصدرًا، وأمَّا ترك الهمز فيه في بعض القِراءات فهو من باب التخفيفِ ونقلِ حَرَكَتِها إلى ما قبلها، وهو كثيرٌ شائعٌ، ثم نُقِل من المصدرية أو الوصفيَّة وجُعِل عَلَمًا، كما ذهب إليه مُحَقِّقُو الأُصُوليين[7].

تلكم خلاصةُ الأقوالِ في تعريف القرآن لغةً، ولعل الرَّسمَ التوضيحيَّ يَزيدُها بيانًا، ونستطيع أن نُصَوِّرَ هذه الأقوالَ بطريقتين:

 

تعريفُ القرآنِ اصطلاحًا:

[تمهيد]

اختصَّ القرآنُ الكريمُ بخصائصَ كثيرةٍ، ولعلَّ هذه الخصائصَ سببُ الاختلاف في تعريف القرآن بين العلماء؛ فكلُّ تعريف يَذكر خاصِيَّةً للقرآن يُعَرِّفُه بها لا يَذكرها الآخرُ، ولهذا تَعَدَّدَت التعريفاتُ.

فإذا كان هناك رجلٌ طويلٌ ويلبس ثوبًا أبيضَ ورداءً أحمرَ، وحوله أشخاص أقصرُ منه قَامَةً ويلبسون ثيابًا مُلَوَّنَة وأَرْدِية بيضاء، فإن قلتَ: فلان هو الطويل فقد عَرَّفْتَه، وإن قلت: إنه الذي يلبس الثوب الأبيض فقد عَرَّفْتَه، وإن قلت: الذي يلبس الرِّدَاءَ الأحمرَ فقد عَرَّفْتَه، والمقصود في الكلِّ واحدٌ وإن اختلفتِ التعريفات.

وللعلماءِ في تعريف القرآن الكريم صِيَغٌ مُتعددة بعضها طويل، ولعل أقربَها تعريفهم للقرآن بأنه: (كلامُ اللهِ تعالى المُنَزَّلُ على مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُتَعَبَّدُ بتِلاوتِه).

شرح التعريف:

فقولنا: (كلامُ الله) خرج به كلامُ الإِنْسِ والجِنِّ والملائكةِ.

وقولنا: (المُنَزَّلُ) خَرَجَ به ما استأثرَ اللهُ بعلمه أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به، لا ليُنزلوه على أحدِ البَشر؛ ذلكم أنَّ من كلام الله ما يُنزله إلى الناس، ومنه ما يَستأثر بعلمه: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: 109]، ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:27].

وقولنا: (على مُحَمَّدٍ ﷺ) خرج به المُنَزَّلُ على غيره من الأنبياء؛ كالتوراة المُنَزَّلَةِ على موسى عليه السلام، والإنجيلُ المُنَزَّلُ على عيسى عليه السلام، والزَّبُورُ المُنَزَّلُ على داودَ عليه السلام، والصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ على إبراهيمَ عليه السلام.

وقولنا: (المُتَعَبَّدُ بتلاوتِه) خرجت به الأحاديثُ القُدْسِيَّةُ.

ونريد بالمتعبدِ بتلاوته أمرين:

الأول: أنَّه المَقروء في الصلاة، والذي لا تصحُّ الصلاةُ إلا به؛ لقوله : «لا صلاةَ لِمَنْ لم يَقْرَأْ بفاتحة الكتاب»[8].

الثاني: أنَّ الثواب على تلاوته لا يُعَادِلُه ثوابٌ؛ أي: تلاوة لغيره، فقد ورد في فضل تلاوة القرآن من النصوص ما يُمَيِّزُها عن غيرها؛ فقد روى ابنُ مسعود رضي الله عنه أنَّ الرسول قال: «مَنْ قَرَأَ حرفًا مِن كتابِ الله فله به حسنةٌ، والحسنةُ بِعَشْر أمثالها، لا أقول: ﴿ الم حرفٌ، ولَكِنْ ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ»[9].

وليس هذا الثوابُ لغير التَّعَبُّد بتلاوة القرآن الكريم.

الفروق بين القرآن الكريم والأحاديث القدسية:

لعل مِن المناسب أن نَذْكُر بعضَ الفروق بين القرآن الكريم والأحاديث القدسية، حتى لا يَتَوَهَّمَ أحدٌ أن الفرق بينهما مَقصور على التعبد بتلاوة القرآن دون الحديث القدسي؛ إذ إنَّ هناك فروقًا كثيرةً ذكر العلماء منها:

1- أن القرآنَ الكريمَ تحدَّى اللهُ الناسَ أن يأتوا بمثله، أو بعشر سُور مثله، أو بسورة من مثله، أو بحديثٍ مثله؛ فعجزوا، أمَّا الحديثُ القدسيُّ فلم يقع به التحَدِّي والإعجازُ.

2- أن القرآنَ الكريمَ منقولٌ بطريق التَّوَاتر، ويَكفر مَن جحد شيئًا منه، فهو قطعيُّ الثُّبوت كله؛ سوره وآياته وجُمَله ومفرداته وحروفه وحَرَكاته وسَكناته، أما الحديث القدسي فأغلبُه أحاديثُ آحاد، ظنيُّ الثبوت، ولا يَكفر مَن جحد غيرَ المتواتر منه.

3- أن القرآن الكريم مِن عند الله لفظًا ومعنًى، أما الحديث القدسي فمعناه من الله باتفاق العلماء، أما لفظه فاختُلِف فيه.

4- أن القرآن الكريم لا يُنسب إلا إلى الله تعالى، أما الحديث القدسي فيُنسب إلى الله تعالى نسبة إنشاءٍ؛ فيقال: قال الله تعالى، ويُروى مضافًا إلى الرسول نِسْبَةَ إخبارٍ؛ فيقال: قال رسولُ الله فِيما يَرويه عن ربِّه.

5- أن القرآن الكريم لا يَمَسُّه إلا المُطَهَّرون، أما الحديث القدسي فيَمَسُّه الطاهرُ وغيرُه.

6- أن القرآن الكريم تَحرم رِوايتُه بالمعنى، أما الحديث القدسي فلا تَحرم روايتُه بالمعنى.

7- أن القرآن الكريم تُسَمَّى الجملةُ منه آيةً، والجملةُ من الآيات سورةً، والأحاديث القدسية لا يُسَمَّى بعضها آية ولا سورة باتفاق.

8- أن القرآن الكريم يُشرع الجمعُ بين الاستعاذةِ والبَسْمَلَةِ عند تلاوته دون الحديث القدسي.

9- القرآن الكريم يُكتب برسمٍ خاصٍّ هو رسمُ المصحف دون الحديثِ القدسيِّ[10].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة