حجم الخط:

محتوى الدرس (5)

فضل تلاوته:

قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ٢٩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ٣٠ [فاطر: 29، 30].

وردت في السُّنَّةِ أحاديثُ كثيرة في ثواب التلاوة؛ منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «الماهرُ بالقرآن مع السَّفَرَة الكِرام البَرَرَة، والذي يقرأ القرآن ويَتتعتَع فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران»[1].

وبينتِ السُّنةُ أن القرآن يشفع لأصحابه يوم القيامة: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله يقول: «اقرءوا القرآن؛ فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»[2].

وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما، عن النبي ، قال: «لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النهار»[3].

ولو لم يَرِدْ في فضل تلاوة القرآن إلا حديث ابن مسعود رضي الله عنه لكفى به داعيًا للتنافس بين المسلمين في تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار؛ فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله : «مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿ الم حرف؛ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»[4].

تاللهِ لولا ما رَانَ على قلوبنا ما انفكَّ أحدُنا عن تلاوة هذا القرآن، وما فَرَّطنا في تلاوته هذا التفريطَ، ساعات تِلْو السَّاعات تَنقضي من أعمارنا لا نحسب لها حسابًا! أرأيتم لو أخذ أحدُنا المصحف في ساعة من ساعاته الضائعة، وتلا فيها آياتٍ من القرآن الكريم؛ فكم سيقرأ فيها مِن حرف؟ وإذا كان بكلِّ حرف عشر حسنات، فكم سيُثاب في هذه الساعة من حسنة؟ إنه لثواب كبير وأجر عظيم لا ينبغي لذي لُبٍّ أن يُفَرِّط فيه.

فضل استماعه:

وكما ورد الوعدُ بالثواب على تلاوة القرآن، فقد ورد -أيضًا- الوعدُ بالثواب لمُستمع التلاوة بخشوع وتدبر وإنصات؛ قال الليث بن سعد رحمه الله: (يقال: ما الرحمة إلى أحدٍ بأسرعَ منها إلى مُستمعِ القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204]، و(لعل) مِن الله واجبةٌ)[5].

ومما جاء في السُّنَّةِ في ثواب استماع القرآن الكريم: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «مَنِ استمع إلى آيةٍ من كتاب الله تعالى كُتِبَ له حسنةٌ مُضاعفة، ومَن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة»[6].

فضل الاجتماع لدرسه:

من أجمعِ الأحاديث التي وردت في بيان ثواب الاجتماع لتلاوة القرآن الكريم وتدارسه، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: «وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يَتْلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينةُ، وغَشِيَتهم الرحمةُ، وحفَّتهم الملائكةُ، وذَكَرَهم اللهُ فيمن عنده»[7]؛ فجمع هذا الحديثُ أربعةَ أنواع من ثواب تلاوة القرآن ومدارسته:

1- تنزل عليهم السكينة.

2- تغشاهم الرحمة.

3- تَحفُّهم الملائكة.

4- يَذْكُرهم اللهُ فيمن عنده.

ومَن مِنَّا لا يحرص على كل واحدةٍ منها فضلًا عنها كلها، كيف وقد اجتمعت كلُّها في عمل واحد مُيَسَّر، وفي هذا ندب لتعلُّم القرآن الكريم ومعرفة علومه وأحكامه ومعانيه.

آداب التلاوة والاستماع:

لا ريبَ أنَّ لتلاوة هذا الكتاب آدابًا ينبغي العمل بها، ففي ذلك -أيضًا- زيادة لثواب التلاوة.

وآداب التلاوة كثيرة لعل أهمها:

1- الطهارة: وتشمل طهارة البدن وطهارة المكان وطهارة اللِّباس وطهارة الفَمِ، وفوق هذا كله طهارة القلب ونقاؤه من الشِّرْكِ والشَّكِّ والرِّياء.

أمَّا طهارة البدن فقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أن الجُنُب لا يجوز له مَسُّ المصحف أو قراءة القرآن حتى يَغتسل.

أما الطهارة من الحَدَث الأصغر فقد اشترطها بعض العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: 79]، ولم يشترطها آخرون، ومما لا شك فيه أن الأفضل والأولى هو الطهارة من الحدث الأصغر أيضًا.

وأما طهارة المكان فلا يجوز أن يُقرأ القرآن في الأماكن النجسة؛ سواء كانت نجاسة حِسِّيَّة كالحمَّامات ونحوها، أو نجاسة معنوية؛ كالملاهي وحانات الخمور والفسق والفجور.

وطهارة اللِّباس والتطيب عند التلاوة من الآداب المحمودة، وقد كان رسول الله إذا قام بالليل يتهجد اغْتَلَفَ بالغالية[8]؛ وهي أخلاطٌ من الطِّيب كالمِسْك والعَنْبَر، وكان ابن مسعود رضي الله عنه تُعجبه الثياب الحسنة النظيفة والرِّيحُ الطيب إذا قام إلى الصلاة، وكان رضي الله عنه إذا قرأ اعْتَمَّ ولبس ثيابَه وارتدى واستقبل القبلة[9].

حتى طهارة الفمِ حرص الإسلام عليها عند تلاوة القرآن؛ روى عليٌّ رضي الله عنه حديثًا عن رسول الله وفيه: «فَطَهِّرُوا أفواهَكم للقرآن»[10]، وعنه رضي الله عنه قال: «إن أفواهَكم طُرُقٌ للقرآنِ؛ فطَيِّبوها بالسِّوَاك»[11]، وكان رسول الله إذا قام في الليل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك[12].

2- ومن آداب التلاوة: أن يستوي قاعدًا في غير صلاةٍ تأدُّبًا مع القرآن.

3- ومنها أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتداء قراءة القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98].

4- ومنها أن يقرأ البسملة بعد الاستعاذة بأن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقد أجمع العلماء على مشروعية البسملة عند تلاوة كل سورة من سور القرآن الكريم سوى (براءة).

5- يستحب إذا تثاءب أن يُمسك عن القراءة؛ لأنه مُخاطِب ربَّه ومناجٍ له.

6- وإذا شرع في القراءة فينبغي ألا يشتغل عنها، ولا يقطعها، ولا يُخَلِّلها بكلام الآدميين إلا لضرورة.

7- أن يقرأ على تُؤَدَة، وأن يُرَتِّل القرآن ترتيلًا، ولا يَـهُذُّه هَذًّا.

8- أن يقف عند آية الوعدِ فيسأل الله من فضله، وعند آية الوعيد فيستجير بالله من عقابه.

9- أن يرفع المصحفَ بيدِه أو على شيءٍ مرتفع أمامه، ولا يضعه على الأرض؛ لما في ذلك من الامتهان.

10- أن يقرأ بتدبرٍ وتمعنٍ وفهمٍ لما يَتلوه، ولا يكون كلُّ همه كَمْ قَرَأَ؟! فقد قال أبو جمرة: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة؛ إني أقرأ في ثلاث، قال: «لأن أقرأ البقرة في ليلةٍ فأتدبرها وأُرَتِّلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول»[13].

وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآنَ كُلَّه»[14].

11- ومن آداب استماع القرآن: الإنصات والإصغاء للتلاوة، وترك الكلام والضحك.

12- ومنها ألَّا يَعبث، ولا يكثر من الحركة لغير حاجةٍ.

13- ومنها الخشوع عند سماع القرآن، واستحضار القلب، والتفكر والتدبر فيما يسمع من الآيات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة