حجم الخط:

محتوى الدرس (11)

المكي والمدني

[تمهيد]

من المعلوم أن الرسول قضى فترة من حياته في مكة قبل البعثة وبعدها، ثم هاجر إلى المدينة النبوية، وأقام فيها إلى وفاته ، وقد نزل عليه القرآن الكريم في الأمصار والقرى والجبال والوِهاد والأودية والسُّفوح والدُّور والبَرَاري، وفي أوقات مختلفة في الليل والنهار والسَّفر والحَضَر والصيف والشتاء والسِّلْم والحرب، وقد اعتنى العلماء عناية فائقة في معرفة مكان النزول وزمن النزول؛ لما في معرفة ذلك من فوائد عديدة لفهم النصوص القرآنية واستيفاء معانيها واستقصاء مدلولاتها.

وعندما كان القرآن يَنزل في مكة أول البعثة كان المسلمون قلة، وكان المشركون كثرة، وللحديث مع الكفار أسلوبه، ولمخاطبة المسلمين طريقتها؛ فالقرآن في مكة يدافع عن القلة من المسلمين ويرفق بهم وينافح عنهم وسط هذه البيئة من الأعداء المشركين، وهم بحاجة إلى مَن يأخذ بأيديهم ويُثَبِّت قلوبهم.

والقرآن في مكة يُقارع الخصوم، ويحطم معتقداتهم الزائفة بالحجة والدليل، ويدفع الشبهات، ويبطل الخرافات، ويكشف الأباطيل والترهات، وهم أهل لِجَاج وعِناد وإصرار واستكبار، وظلَّ القرآن ينافحهم حتى أقام الحجة عليهم، وأنشأ جماعة إسلامية كانت نواة الدولة الإسلامية.

وهاجر الرسول بهذه الجماعة، والتقى بجماعة أخرى من المسلمين في المدينة، وآخى بين الجماعتين، ومزج بينهما مزجًا كان نتاجُه نشأة الدولة الإسلامية الصالحة والمؤهَّلة لتلقي ما بقي من قواعد الإسلام وأحكام التشريع.

ونزل القرآن على المسلمين في المدينة يبسُط أحكامَ الدين، ويُرسي قواعده، ويبني المجتمع الإسلامي، ويؤسسُ صرحَ الدولة.

وبلا ريب أنَّ معرفة ما نزل بمكة في تلك الظروف ولتلك الأهداف والأغراض، ومعرفة ما نزل في المدينة -كذلك- يُعطي منهجًا سليمًا للدعوة الإسلامية ودروسًا للدعاة في مختلف العصور والأمكنة.

عناية العلماء بالمكي والمدني:

فلا عَجَبَ إذًا أن يعتني العلماء بذلك، وأن يُولوه اهتمامهم، فهذا عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمتُ فيم أُنزِلت، وأين أُنزلت، إنَّ ربِّي وهبَ لي قلبًا عقولًا ولسانًا سَؤولًا»[1].

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «والله الذي لا إلهَ غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تَبلغه الإبل لركبتُ إليه»[2].

وقد اهتم العلماءُ مِنْ بعدهم بمعرفة المكي والمدني، وأفرده جماعة بالتأليف منهم -كما يقول السيوطي-: مكيٌّ والعِزُّ الديريني[3]، وفي العصر الحديث صدَرَتْ دراساتٌ كثيرة عن خصائص السور المكية وخصائص السور المدنية.

كما اعتنى به العلماء في مؤلفاتهم، فلا تكاد تجد كتابًا يتناول علوم القرآن إلا وكان المكي والمدني أحد أبوابه، وفَصَّلَ القولَ فيه السيوطيُّ، وأشبع الكلام على أوجهه، وأفرد بعضها بمباحث خاصة في كتابه (الإتقان)[4].

أنواع المكي والمدني:

وهي كثيرة؛ منها ما نَزَلَ في مكة، وما نَزَلَ في المدينة، وما اخْتُلِف فيه، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يُشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجُحْفَة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل صَيْفًا، وما نزل شتاءً، وما نزل في الحَضَر، وما نزل في السفر، وما نزل مُشَيَّعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنية في السور المكية، والآيات المكية في السور المدنية، وما حُمِل من مكة إلى المدينة، وما حُمِل من المدينة إلى مكة[5].

السور المكية والسور المدنية:

اختلف العلماءُ في عدد السور المدنية، وقد نقل السيوطيُّ عن ابن الحَصَّار أنَّ المدنيَّ عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي[6].

السور المدنية: عشرون هي:

1- البقرة.

2- آل عمران.

3- النساء.

4- المائدة.

5- الأنفال.

6- التوبة.

7- النور.

8- الأحزاب.

9- محمد.

10- الفتح.

11- الحجرات.

12- الحديد.

13- المجادلة.

14- الحشر.

15- الممتحنة.

16- الجمعة.

17- المنافقون.

18- الطلاق.

19- التحريم.

20- النصر.

واختلفوا في اثنتي عشرة سورة هي:

1- الفاتحة.

2- الرعد.

3- الرحمن.

4- الصف.

5- التغابن.

6- المطففين.

7- القدر.

8- البينة.

9- الزلزلة.

10- الإخلاص.

11- الفلق.

12- الناس.

السور المكية:

ما عدا السور المذكورة فهو مكي، وعددها اثنتان وثمانون سورة.

طريقة معرفة المكي والمدني:

يُعرفُ المكيُّ والمدنيُّ بأحد طريقين:

الطريق الأول: النقليُّ السماعيُّ:

وهي الآيات والسور التي عرفنا أنها مكية أو مدنية بطرق الرواية عن أحد الصحابة الذين عاشوا فترة الوحي وشاهدوا التنزيل، أو عن أحد التابعين الذين سمعوا ذلك من الصحابة.

أمَّا النبي فلم يَرِدْ عنه بيانٌ للسور المكية والسور المدنية؛ لأنَّ هذا مما يشاهده ويحضره الصحابةُ رضي الله عنهم، فكيف يُخبرهم عن شيء يَعلمونه؟! فالمكي والمدني يُعرفُ بغير نصٍّ من الرسول .

قال الباقلاني: (إنما يُرجعُ في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، ولم يَرِدْ عن النبي في ذلك قولٌ؛ لأنه لم يُؤمر به، ولم يَجعل الله عِلْمَ ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يُعرف ذلك بغير نصٍّ من الرسول)[7].

ومن أمثلة ما عرف أنه مكي أو مدني عن طريق الصحابة رضي الله عنهم: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64]، فقد أخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنها نزلت لمَّا أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه».

ومن المعلوم أن عمر قد أسلم في مكة؛ فالآية إذًا مكية، وسورة الحج روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكية[8].

ومنها ما رواه مسلم عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: أَلِـمَن قَتَلَ مؤمنًا متعمدًا مِن توبة؟ قال: «لا»، قال: فَتَلَوْتُ عليه هذه الآيةَ التي في الفرقان: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إلى آخر الآية [الفرقان: 68]، قال: «هذه آية مكية نسختها آية مدنية: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء: 93]»[9].

ومنها حديث عائشة رضي الله عنها وفيه: «لقد نزل بمكة على محمد وإني لجاريةٌ ألعبُ: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ [القمر: 46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده»[10].

الطريق الثاني: القياسي الاجتهادي:

نظر العلماءُ رحمهم الله تعالى في الآيات والسور التي عرفوا أنها مكية أو مدنية بالطريق الأول (السماعي النقلي)، واستنبطوا خصائص وضوابط للسور المكية، وخصائص وضوابط للسور المدنية، ثم نظروا في السور التي لم يَرِد نصوصٌ في بيان مكان نزولها، فإن وجدوا فيها خصائص السور المكية قالوا: إنها مكية، وإن وجدوا فيها خصائص السور المدنية قالوا: إنها مدنية، وهذا يكون بالاجتهاد والقياس، فسُمِّي هذا الطريق بالقياس الاجتهادي.

ونقل الزركشيُّ عن الجعبري قوله: (لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي؛ فالسماعيُّ: ما وصل إلينا نزوله بأحدهما، والقياسي قال علقمة: عن عبد الله: كل سورة فيها (يا أيها الناس) فقط، أو (كلا)، أو أولُها حرف تهَجٍّ سوى الزَّهْرَاوَيْن، والرعد في وجه، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهي مكية، وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكلُّ سورة فيها فريضة أو حَدٌّ فهي مدنية)[11].

تعريف المكي والمدني:

اختلف العلماء في المراد بالمكي والمدني، ومتى تُسمى السورة أو الآية مكية أو مدنية إلى ثلاثة أقوال، ويرجع اختلافهم إلى المعتبر في النزول؛ فمنهم مَن اعتبر مكان النزول، ومنهم مَن اعتبر زمن النزول، ومنهم من اعتبر المخاطبين بالآيات أو السورة، وعلى هذا:

القول الأول: لطائفة اعتبرت مكان النزول فقالت: ما نزل في مكة وما حولها ولو بعد الهجرة فهو مكيٌّ، وما نزل في المدينة وما حولها فهو مدني.

وهذا القول غير ضابط ولا حاصر؛ إذ إنه لا يشمل ما نزل من الآيات في غير مكة والمدينة وما حولهما، فقد نزلت آيات قرآنية في تبوك وفي بيت المقدس وفي الطائف، فالتعريف غير ضابط.

القول الثاني: لطائفة اعتبرت المُخاطَب بالآية أو السورة، وهذه الطائفة نظرت إلى أهل مكة وقت التنزيل، فوجدت أنَّ الغالب على أهلها الكفر، والمناسب لمخاطبتهم النداء بـ(يـٰأيها الناس) أو (يا بني آدم)، وبما أنَّ الغالب على أهل المدينة هو الإيمان، فإنَّ المناسب نداؤهم بـ(يـٰأيها الذين آمنوا)، وعلى هذا فالمكي عندهم ما كان فيه (يـٰأيها الناس) أو (يا بني آدم)، والمدني ما كان فيه (يـٰأيها الذين آمنوا).

ونقل السيوطي عن أبي عُبَيْد في (الفضائل) عن ميمون بن مهران قال: (ما كان في القرآن (يـٰأيها الناس) أو (يا بني آدم) فإنَّه مكي، وما كان (يـٰأيها الذين آمنوا) فإنَّه مدني).

وهذا القول -أيضًا- غير ضابط ولا حاصر من وجهين:

الأول: ضَعَّفَ هذا القولَ ابنُ الحصار فقال: (اتفق الناس على أنَّ (النساء) مدنية وأولها (يـٰأيها الناسُ) وعلى أنَّ (الحج) مكية وفيها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج: 77]، وقال غيره: هذا القول إنْ أُخِذ على إطلاقه فيه نظر؛ فإنَّ سورة البقرة مدنية وفيها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ [البقرة: 168]، وسورة النساء مدنية وأولها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [12]، وبهذا يكون هذا القول غير ضابط وغير مُطَّرد.

الثاني: أنَّ هناك آياتٍ كثيرةً وسورًا عديدة ليس فيها نداء بـ(يـٰأيها الناس) أو (يـٰأيها الذين آمنوا)، وهذا القول لا يشملها فلا يكون ضابطًا ولا حاصرًا.

القول الثالث: لطائفة اعتبرت الزمان، ورأت أنَّ الهجرة هي الحد الفاصل بين المكي والمدني، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة، قالوا: (وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي المدينة فهو من المكي)[13].

وهذا التعريف ضابط وحاصر لا تخرج عنه آيات من آيات القرآن الكريم عليه، فإنَّ قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ [المائدة: 3] مدنية مع أنها نزلت في عرفات بمكة، بل إنَّ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا [النساء: 58] مدنية مع أنها نزلت في جوف الكعبة؛ لأن هاتين الآيتين نزلتا بعد الهجرة عام الفتح.

ضوابط السور المكية:

نظر العلماءُ في السور المكية فوجدوا أنَّ لها ضوابط، وأنَّ لها مميزاتٍ، ونظروا في السور المدنية فوجدوا -أيضًا- أنَّ لها ضوابط ومميزات.

ونعني بالضوابط خصائص الألفاظ، ونعني بالمميزات خصائص الأسلوب والمعاني والأغراض للسور المكية أو المدنية.

فمن ضوابط السور المكية:

1- كل سورة فيها (كلا) فهي مكية:

وردت في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن، قال الشيخ الديريني[14] رحمه الله:

وما نزلت (كَلَّا) بيثربَ فاعلمنْ

ولم تأتِ في القرآن في نصفه الأعلى

وحكمة ذلك: أن (كلا) للردع والزجر، وهذا إنَّما يكون للمعاند المستكبر، فهو مناسب لمخاطبة المشركين في مكة.

2- كل سورة فيها سجدة تلاوة فهي مكية[15]، وهي أربع عشرة سجدة، هي: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، وفي الحج سجدتان، والفرقان، والنمل، والسجدة، وفصلت، والنجم، والانشقاق، و ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ .

وأما سورة صٓ فيستحب السجود، وليست من عزائم السجود، وزاد بعضهم آخر الحِجْر[16]، وفي الرعد خلاف.

3- كل سورة مبدوءة بقَسَمٍ، وهي خمس عشرة سورة، هي: الصافات، الذاريات، الطور، النجم، المرسلات، النازعات، البروج، الطارق، الفجر، الشمس، الليل، الضحى، التين، العاديات، العصر.

4- كل سورة مُفتتحة بأحرف التَّهَجِّي؛ مثل: (الٓـمٓ) (حمٓ) وغيرها سوى البقرة وآل عمران، فإنهما مدنيتان بالإجماع، وفي الرعد خلاف.

5- كل سورة فيها (يـٰأيها الناس) وليس فيها (يـٰأيها الذين آمنوا) فهي مكية؛ إلا سورة الحج فإنها مكية مع أنَّ في آخرها (يـٰأيها الذين آمنوا).

6- كل سورة مفتتحة بـ(الحمد) فهي مكية، وهي خمس سور.

7- كل سورة فيها قصص الأنبياء ما عدا البقرة.

مميزات السور المكية:

من المعلوم أنَّ ما نزل من القرآن في مكة كان يُخاطب مجتمعًا وثنيًّا فَشَا فيه الشركُ، وانتشرت فيه الأصنامُ، ولم يَتَلَقَّ الدعوة الإسلامية بالقبول والتسليم، بل أخذ يُناوِئها العداء، ويضطهد أتباعها، ويحارب رسولها.

وفي المدينة كان القرآن الكريم -غالبًا- يخاطب أتباعه المؤمنين؛ يأمرهم فينقادون إليه، وينهاهم فينتهون عما نهى عنه.

وإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن البلاغة تقتضي الاختلاف في الأسلوب، والاختلاف في المعاني والموضوعات بين ما نزل في مكة وما نزل في المدينة؛ فمن مميزات السور المكية:

1- تأسيس العقيدة الإسلامية في النفوس بالدعوة إلى عبادة الله وحدَه والإيمان برسالة محمد وباليوم الآخر، وإبطال المعتقدات الوثنية الجاهلية وعبادة غير الله، وإيراد الحجج والبراهين على ذلك.

2- تشريع أصول العبادات والمعاملات والآداب والفضائل العامة؛ ففي مكة فُرِضت الصلوات الخمس مثلًا، وحُرِّم أكلُ مال اليتيم ظُلمًا، كما وحُرِّمَ الكِبْرُ والخُيلاء ونحوها.

3- الاهتمام بتفصيل قصص الأنبياء والأمم السابقة، وبيان ما دعا إليه الأنبياء السابقون من عقائد ومواقف أممهم منهم، وما نزل بالمكذبين من عذاب دنيوي جزاء تكذيبهم، وإيراد الحوار بين الأنبياء وخصومهم، وإبطال حججهم بما يُوحي إلى أهل مكة بوجوب أخذ العبرة من هؤلاء، وفي هذا بسطٌ -أيضًا- للعقيدة الإسلامية الصحيحة.

4- قِصَرُ السور والآيات مع قوة جَرَسِ الألفاظ ووَقْعِها، وإيجازُ العبارة مع بلاغة المعنى ووفائه؛ وذلك أن القوم في مكة كانوا معاندين مستكبرين لا يريدون سماع القرآن، بل كانوا إذا شَرَعَ الرسولُ في القراءة يتنادون: ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26]، ولا يناسب هذا المقام طول الآيات والمقاطع؛ بل يناسبه إيجازها وقوة معانيها.

ضوابط السور المدنية:

1- كل سورة فيها (يـٰأيها الذين آمنوا) وليس فيها (يـٰأيها الناس) فهي مدنية، قال السيوطي: عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما كان (يـٰأيها الذين آمنوا) أُنزل بالمدينة، وما كان (يـٰأيها الناس) فبمكة»، ثم قال: قال ابن عطية وابن الفرس وغيرهما: (هو في (يـٰأيها الذين آمنوا) صحيح، وأما (يـٰأيها الناس) فقد يأتي في المدني)[17].

2- كل سورة فيها ذكر للمنافقين؛ قال مكيُّ بنُ أبي طالب القَيْسِي: (كل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية، وزاد غيره: سوى العنكبوت)[18].

والصحيح أنَّ أول العنكبوت الذي ورد فيه ذكر المنافقين مدنيٌّ؛ لِـمَا أخرجه ابن جرير في سبب نزولها[19].

3- كل سورة ورد فيها حدٌّ أو بيان فريضة؛ قال عروة بن الزبير: «ما كان من حدٍّ أو فريضة فإنَّه أنزل بالمدينة»[20]، وقال محمد بن السائب الكلبي: (كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية)[21].

مميزات السور المدنية:

1- يخاطب القرآن في المدينة -غالبًا- مجتمعًا إسلاميًّا، فكان الغالب تقرير الأحكام التشريعية للعبادات والمعاملات والحدود والفرائض وأحكام الجهاد وغيرها.

2- نشأ في المجتمع المدني طائفة من المنافقين؛ فتحدث القرآن الكريم عن طبائعهم، وهَتَكَ أستارَهم، وبَيَّن خطرَهم على الإسلام والمسلمين، وكَشَفَ عن وسائلهم ومكائدهم وخباياهم ومخططاتهم للكيد للمسلمين، ولم يكن في مكة نفاق؛ لأن المسلمين كانوا قلة مستضعفين، فكان الكفار يُـحاربونهم جهارًا.

3- عاش بين المسلمين في المدينة طائفة من أهل الكتاب وهم اليهود، وكانوا يمكرون مكرًا سيئًا، ويكيدون للإسلام وأهله؛ فكشف القرآن في المدينة سرائرهم، وأبطل عقائدهم، وكشف تحريفهم لديانتهم، وبيَّن بُطلان عقائدهم، ودعاهم إلى الإسلام بالحجة والدليل والبرهان.

4- الغالب على الآيات والسور المدنية طولُ المقاطع والسور لبسط العقائد الإسلامية والأحكام التشريعية؛ فقد كان أهلُ المدينة مسلمين يُقبلون على سماع القرآن، وينصتون حتى كأنَّ على رءوسهم الطير؛ فالمقام ليس مقام مقارعة ولجاجٍ يُناسبه الإيجاز، بل المقام مقام إقبال وإنصات وإذعان يُناسبه الاسترسال والإطناب.

فوائد معرفة المكي والمدني:

1- تمييز الناسخ والمنسوخ؛ فإنَّ المتأخر ناسخ للمتقدم.

2- الاستعانة به في تفسير القرآن الكريم؛ فإنَّ معرفة مكان النزول يُعين على فهم المُراد بالآية ومعرفة مدلولاتها وما يَردُ فيها من إشارات أحيانًا.

3- معرفة تاريخ التشريع وتدَرُّجِه في التكليف، ويترتب على هذا الإيمان بأنَّ هذا التدرج لا يكون إلا من عليم خبير عزيز حكيم رحمٰن رحيم.

4- الاستفادة من أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله تعالى؛ فهو أسلوب يشتد ويلين، ويُفصِّل ويُـجمِل ويَعِدُ ويتوَعَّدُ، ويُرغِّبُ ويُرَهِّبُ، ويُوجز ويُطنِبُ حسب أحوال المخاطَبين، وهذا من أسرار الإعجاز في القرآن الكريم[22].

5- استخراج سيرة الرسول ؛ وذلك بمتابعة أحواله في مكة ومواقفه في الدعوة، ثم أحواله في المدينة وسيرته في الدعوة إلى الله فيها، واقتداء الدعاة بهذا المنهج النبوي الحكيم في الدعوة، وقد عَنِي بعضُ المؤرخين بهذا الجانب؛ فوضعوا المؤلفات في سيرة النبي على ضوء القرآن الكريم[23].

6- بيان عناية المسلمين بالقرآن الكريم واهتمامهم به؛ حتى إنهم لم يكتفوا بحفظ النصِّ القرآني، بل تتبعوا مكان نزوله ومعرفة ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالليل وما نزل بالنهار، وما نزل في الصيف وما نزل في الشتاء، ويَتبَعُ هذا الاقتداء بهم في دراسة القرآن وعلومه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة