حجم الخط:

محتوى الدرس (22)

أولًا: أولُ ما نزلَ وآخرُ ما نزلَ في الخمرِ:

يظهرُ في التدرجِ في تحريمِ الخمرِ والمراحلِ التي مرَّ بها حكمةُ اللهِ عز وجل، وقد مرَّ تحريمُ الخمرِ بأربعِ مراحلَ:

المرحلةُ الأولى: أولُ ما نزلَ منَ الخمرِ قولُه تعالَى: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ [النحل: 67].

المرحلةُ الثانيةُ: قولُه تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ [البقرة: 219].

المرحلةُ الثالثةُ: قولُه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43].

المرحلةُ الرابعةُ: قولُه تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90].

ثانيًا: أولُ ما نزلَ وآخرُ ما نزلَ في تحريمِ الرِّبا:

وذلك أنَّ تحريمَ الرِّبا أيضًا مرَّ بمراحلَ أربعٍ كالمراحلِ التي مرَّ بها تحريمُ الخمرِ، وهي:

المرحلةُ الأولى: أولُ ما نزلَ في الرِّبا قولُه تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: 39].

وليسَ في هذه الآيةِ نصٌّ على تحريمِ الرِّبا، وإنما إشارةٌ إلى أن اللهَ يمحقُ الرِّبا.

المرحلةُ الثانيةُ: قولُه تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ١٦٠ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٦١ [النساء: 160 - 161].

وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّه إذا كانَ أكلُ الرِّبا والتعاملُ به مُحَرَّمًا على اليهود، فأولى أن يكونَ كذلك بينَ المسلمين.

المرحلةُ الثالثةُ: قولُه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 130].

وهنا بدأَ بتحريمِ نسبةٍ معينةٍ من الرِّبا، وهي ما كانتْ أضعافًا مضاعفةً.

المرحلةُ الرابعةُ: قولُه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ [البقرة: 278279].

هنا غلَّظَ في تحريمِ الرِّبا بالتهديدِ والوعيدِ لأصحابِه، ووصفَهم بأنَّهم محاربون للهِ ورسولِه.

ثالثًا: أولُ ما نزلَ وآخرُ ما نزلَ في تشريعِ الجهادِ:

وقد مرَّ الجهادُ بمراحلَ، هي:

المرحلةُ الأولى: وهيَ المرحلةُ المكيةُ، حيثُ لم يُشَرِّعِ الجهادَ، وإنما أُمِرُوا بالعفوِ والصفحِ، فمن الآياتِ: ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 89].

المرحلةُ الثانيةُ: أَذِنَ بالقتالِ بمعنَى إباحتِه لا وجوبِه للمهاجرينَ خاصةً الذين أخرجُوا منْ ديارِهم، قالَ تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ [الحج: 39 - 40].

المرحلةُ الثالثةُ: الأمرُ بالجهادِ للدفاعِ.

وذلك أنَّ قريشًا تضررَتْ من السرايا التي يبعثُها الرسولُ ﷺ؛ للهجومِ على قوافلِ قريشٍ، فجمعتْ جمعَها، واتجهَتْ إلى المدينةِ؛ لحمايةِ إحدى قوافلِها، وإرهابِ المسلمين، فانتدبَ الرسولُ ﷺ أصحابَه للدفاعِ، والتقى الجيشانِ في بدرٍ، وفُرِضَ قتالُ الذين يقاتلون المسلمين: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190].

المرحلةُ الرابعةُ: فرضُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ.

وفي هذه المرحلةِ فُرِضَ الجهادُ ابتداءً من غيرِ أن يبدأَ الكفارُ بالقتالِ، قالَ تعالى: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ [البقرة: 191].

وبمعرفةِ هذه المراحلِ يظهرُ خطأُ بعضِ المتصدينَ للدفاعِ عن عقيدةِ الجهادِ، فيخطئونَ تحتَ وطأةِ الهزيمةِ الداخليةِ، فيزعمون أنَّ الجهادَ للدفاعِ لا للطلبِ، فيقفونَ عند حدِّ المرحلةِ الثالثةِ، تمامًا كأولئكَ الذين يزعمون أنَّ الرِّبا الحرامَ هو ما كانَ أضعافًا مضاعفةً.

فوائدُ معرفةِ أولِ ما نزلَ وآخرِ ما نزلَ:

[مدخل]

وتشتركُ معرفةُ أولِ ما نزلَ وآخرِ ما نزلَ مع معرفةِ المكيِّ والمدنيِّ في فوائدَ كثيرةٍ، منها:

أولًا: تمييزُ الناسخِ منَ المنسوخِ:

وذلك حينَ ورودِ آيتينِ بحكمينِ مختلفينِ، فإنَّ معرفةَ أولِ ما نزلَ وآخرِ ما نزلَ تعينُ على معرفةِ الناسخِ من المنسوخِ، ومثالُ ذلك قولُه تعالى في عدةِ المرأةِ المتوفَّى عنها زوجُها: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ [البقرة: 240]، فقد بينَتْ هذه الآيةُ أنَّ العدةَ عامٌ، وقولُه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ [البقرة: 234] جعلَ العدةَ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، وإذا عرفْنَا أنَّ هذه الآيةَ هي آخرُ ما نزلَ عرفْنَا أنها هي الناسخةُ.

ثانيًا: معرفةُ تاريخِ التشريعِ الإسلاميِّ وتدرجِهِ الحكيمِ في التشريعِ.

وقد مرَّ بنا استعراضُ المراحلِ التي مرَّ بها تحريمُ الخمرِ، وكيف تمتْ مراعاةُ أحوالِهم حيث اعتادوا شربَ الخمرِ، ولا يكادُ يخلو منها بيتٌ، وكيف تدرجَ في علاجِ هذه المشكلةِ، حتى خرجوا إلى برِّ الأمانِ والسلامةِ والإسلامِ بحكمةٍ بالغةٍ.

ثالثًا: الاستعانةُ بمعرفةِ أولِ ما نزلَ وآخرِ ما نزلَ في تفسيرِ القرآنِ التفسيرَ السليمَ، واستنباطِ الحكمِ الصحيحِ.

وقد عرفْنا ذلك في معرفةِ أولِ وآخرِ ما نزلَ في الرِّبا والجهادِ، والخطإِ الذي وقعَ فيه بعضُهم بسببِ جهلِ معرفةِ أولِ وآخرِ ما نزلَ.

رابعًا: تذوقُ أساليبِ القرآنِ الكريمِ، والاستفادةُ من ذلك في أسلوبِ الدعوةِ إلى اللهِ تعالى:

حيث يكونُ بأسلوبٍ لتقريرِ حكمٍ، ثم يختلفُ الأسلوبُ لتقريرِ حكمٍ آخرَ بالوعدِ مرةً والوعيدِ أخرى، وبالترغيبِ أو الترهيبِ، أو بالتخييرِ أو الإلزامِ حسبَ ما يناسبُ الحالَ.

خامسًا: معرفةُ السيرةِ النبويةِ وترتيبِ أحداثِها حسبَ حديثِ القرآنِ عنها:

ومتابعةُ أحوالِ الرسولِ ومواقفِهِ في الدعوةِ في مكةَ، وسيرتِه في الدعوةِ إلى اللهِ بعدَ الهجرةِ؛ مما يوقفُ الدعوةَ خاصةً والمسلمين عامةً على أصدقِ حديثٍ عن أفضلِ سيرةٍ لأحسنِ قدوةٍ عليه الصلاة والسلام.

سادسًا: إظهارُ عنايةِ الصحابةِ والعلماءِ من بعدِهم بالقرآنِ الكريمِ:

حتى عرفوا أولَ ما نزلَ وآخرَ ما نزلَ من القرآنِ كلِّه، وفي كلِّ حكمٍ من أحكامِه، الذي لا يمكنُ الوصولُ إليه وإدراكُه إلا بالجهدِ الكبيرِ والاهتمامِ العظيمِ؛ مما يوجبُ على من بعدِهم الاقتداءَ بهم والسيرَ على نهجِهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة