منَ المُسلَّمِ به بينَ المسلمينَ عامةً أنَّ القرآنَ معجزةٌ لا يمكنُ للبشرِ أن يأتوا بمثلِه، لكنَّهم اختلفوا في بيانِ وجهِ الإعجازِ فيه، وذكروا أقوالًا كثيرةً، ومذاهبَ مختلفةً، وهم في هذا بينَ مصيبٍ ومخطئٍ، ومحسنٍ ومسيءٍ.
تعددتِ الأقوالُ في وجهِ أو أوجهِ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ، فمنهم من لم يذكرْ للإعجازِ إلا وجهًا واحدًا، ومنهم من ذكرَ وجهينِ أو أكثرَ، بلْ قالَ السيوطيُّ: (أنهى بعضُهم وجوهَ إعجازِه إلى ثمانينَ)[1]، ثمَّ قالَ: (والصوابُ أنه لا نهايةَ لوجوهِ إعجازِه)[2]، وذكرَ هو في كتابِه: (معتركِ الأقرانِ في إعجازِ القرآنِ) خمسةً وثلاثين وجهًا ضمَّنَها المجلدَ الأولَ منه، وذكرَ غيرُه وجوهًا أخرى غيرَ ما ذكرَه السيوطيُّ.
والحقُّ أنَّ بينَ بعضِ هذه الوجوهِ تداخلًا، وليس مرادُنا هنا حصرَها أو ذكرَها كلِّها، فلنذكرْ بعضَ هذه الأقوالِ:
القولُ الأولُ: أنَّ الإعجازَ كانَ بالصَّرْفَةِ:
القولُ بالصَّرْفَةِ هو الباعثُ على نشأةِ البحثِ في وجوهِ الإعجازِ للقرآنِ الكريمِ، فقد كانَ المسلمون مُسَلِّمينَ بإعجازِ القرآنِ، وألفوا في ذلك كتبًا تشيرُ بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ إلى إعجازِ القرآنِ من غيرِ أن يخوضوا أو يتعمقوا في بيانِ وجهِه، حتَّى أظهرَ النَّظَّامُ (تـ: 231هـ) مقولتَه بالصَّرْفَةِ، فثارَ العلماءُ لإنكارِ قولِه والردِّ عليه، ومنْ ثَمَّ تحديدُ الوجهِ أو أوجهِ الإعجازِ الصحيحةِ في القرآنِ الكريمِ.
وأولُ منْ قالَ: إنَّ إعجازَ القرآنِ الكريمِ كانَ بالصَّرْفَةِ هو: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ سيارٍ النَّظَّامُ (تـ: 231هـ) أحدُ أئمةِ المعتزلةِ، وصارَ له مذهبٌ خاصٌّ يُنْسَبُ إليه، وقلدَه آخرونَ في هذه المقولةِ، وتشعبَ القولُ فيها إلى شعبتينِ:
1- القولُ الأولُ: للنَّظَّام وآخرين: أنَّ المرادَ بالصَّرْفَةِ أنَّ اللهَ صرفَ العربَ عنِ الاهتمامِ بمعارضةِ القرآنِ الكريمِ مع قدرتِهم عليها، ولو توجهوا إليها لقدرُوا على الإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ.
2- والقولُ الثاني: للمرتَضَىٰ منَ الرافضةِ، ومرادُه بالصَّرْفَةِ أنَّ اللهَ سلبَ العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها للإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ، ولو توجهوا للإتيانِ بمثلِه لما استطاعوا؛ لسلبِهم هذه العلومَ.
والفرقُ بينَ رأيِ النَّظَّام وأتباعِه والمرتضى ومن معه: أنَّ النَّظَّامَ يرى أنَّ العربَ لو أرادوا الإتيانَ بمثلِه لاستطاعُوا، ولكنَّ همتَهم لم تتوجهْ لذلك، أمَّا المرتضى فيرى أنَّ العربَ لا يستطيعون الإتيانَ بمثلِه، ولو أرادوا ذلك؛ لأنَّهم لا يملكون العلومَ التي تمكنُهم من ذلك.
فالفرقُ بينهما أنَّ النَّظَّامَ يرى أنَّ العربَ يستطيعون لو أرادوا، والمرتضى يرى عدمَ استطاعتِهم، وكلا القولين غيرُ صحيحٍ.
ونردُّ على ذلك بثلاثةِ ردودٍ:
الأولُ: ردٌّ مشتركٌ على القولين لإبطالِ القولِ بالصَّرْفَةِ عامةً.
والثاني: ردٌّ على مذهبِ النَّظَّامِ.
والثالثُ: ردٌّ على مذهبِ المرتضى.
أمَّا الردُّ العامُّ على القولِ بالصَّرْفَةِ: فإنَّا نقولُ: إنه يلزمُ من القولِ بالصَّرْفَةِ أنَّ الإعجازَ ليسَ في القرآنِ ذاتِه، وإنَّما في غيرِه، وهو عدمُ استطاعتِهم، فالقرآنُ بزعمِهم ليس معجزًا، إنما الإعجازُ في المنعِ، وهذا باطلٌ.
قالَ أبو بكرٍ الباقلانيُّ: (وممَّا يبطلُ القولَ بالصَّرْفَةِ أنَّه لو كانتِ المعارضةُ ممكنةً، وإنَّما منعَ منها الصرفةُ، لم يكنِ الكلامُ معجزًا، وإنَّما يكونُ المنعُ معجزًا، فلا يتضمنُ الكلامُ فضيلةً على غيرِهِ في نفسِهِ)[3].
ونقولُ أيضًا: إنَّ ديوانَ العربِ محفوظٌ شعرُه ونثرُه، وليسَ فيه قبلَ أنْ يُسْلَبُوا الاهتمامَ بالإتيانِ بمثلِه، أو تُسْلَبَ منهم العلومُ كما يزعمُ هؤلاء وأولئك -ما يماثلُ القرآنَ أو يدانِيه.
أمَّا الردُّ على النَّظَّامِ ومن معه: فإنَّا نقولُ: كيف يصحُّ القولُ: إن همتَهم لم تتجهْ للإتيانِ بمثلِ القرآنِ، وهم الذين لم يتركوا سبيلًا للقضاءِ على دعوةِ محمدٍ ﷺ، وسلكوا كلَّ طريقٍ شاقٍّ، حاربُوه، وناوَءُوه، وقاطعُوه، وآذَوْه مع إبطالِهِ لمعتقداتِهم، وإثارتِه لحفيظتِهم، واستفزازِه لمشاعرِهم، وإلهابِه لغيرتِهم، وأصابَ موضعَ عزتِهم وفخارِهم، وقدْ مَكَّنهم منْ نفسِه لوِ استطاعُوا، فدعاهم وتحدَّاهم أن يأتوا بمثلِ سورةٍ منَ القرآنِ، ولو كانَ فيهم أدنى قدرةٍ، أو عرفُوا أحدًا يملكُها في أقصى الأرضِ، لبعثُوا إليه، كما بعثوا لليهودِ يسألونهم عمَّا يسألون محمدًا ﷺ عنه ليحرجُوه، فلا يصحُّ بعد هذا أن يقالَ: إن همتَهم لم تتجهْ للإتيانِ بمثلِه.
وأمَّا الردُّ على المرتضى ومن معه: ففي قولِه تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88].
وفي هذا دليلٌ على أنَّ عجزَهم كانَ مع بقاءِ قدرتِهم، ولو لم يكنْ عندَهم قدرةٌ لما صحَّ تحدِّيهم، إذ لا يصحُّ لأحدٍ أنْ يتحدَّى الموتى، إذ ليسَ عجزُ الموتَى مما يُحْتَفَلُ بذكرِه[4]، كما لا يصحُّ أن يتحدَّى المبصرُ الأعمى، وإنما يصحُّ التحدِّي إذا تحدَّى مَن يملكُ البصرَ، أما إذا سُلِبَ البصرَ لم يصحَّ تحدِّي مثلِه، كما أنَّ قولَه تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ يدلُّ على وجودِ القدرةِ؛ لأنَّ المعاونةَ والمظاهرةَ إنما تكمنُ مع القدرةِ، ولا تصحُّ مع العجزِ والمنعِ[5].
أنَّ وجهَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ هو الأخبارُ الغيبيةُ فيه:
وذلك أنَّ القرآنَ الكريمَ تضمنَ عددًا منَ الأخبارِ الغيبيةِ في الماضي والحاضرِ والمستقبلِ؛ وإذا علمْنا أنَّ الرسولَ ﷺ كانَ أميًّا لا يقرأُ ولا يكتبُ، وعلمْنَا أنَّ أمتَه أمةٌ أميةٌ لا تقرأُ ولا تكتبُ، وليسَ عندها علمٌ يُذْكَرُ في تاريخِ الأممِ الماضيةِ، ومع هذا كلِّه فقدْ وردَ في القرآنِ الكريمِ الحديثُ عنِ الأممِ الماضيةِ، بما يظهرُ أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ إلَّا منْ عندِ اللهِ الذي يعلمُ الغيبَ في السمواتِ والأرضِ.
والأخبارُ الغيبيةُ الواردةُ في القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ:
الأولُ: الأخبارُ الغيبيةُ الماضيةُ (غيبُ الماضي):
وهي الأخبارُ التي تحدثَتْ عنِ الأممِ الماضيةِ والأنبياءِ السابقينَ عليهم السلام، وذلك لعدمِ تلقِّي الرسولِ ﷺ لهذه الأخبارِ عن أحدٍ من البشرِ، ولم يقرأْها في كتابٍ، فلم يبقَ إلا أن يكونَ تلقاها عن طريقِ الوحيِ، ولهذا كانَ القرآنُ كثيرًا ما يشيرُ إلى هذا المعنى، كقولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 48]، وكقولِهِ تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: 44]، وكقولِهِ تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 16]، وقالَ عز وجل: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ٦٧ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ٦٨ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٦٩ إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ٧٠ ﴾ [ص: 67 – 70]، وقولِهِ B: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ ﴾ [هود: 49]، وغيرِ ذلك منَ الآياتِ.
الثاني: الأخبارُ الغيبيةُ عما يقعُ بغيرِ حضرةِ الرسولِ ﷺ (غيبُ الحاضرِ):
إذ كثيرًا ما تحدثُ بعضُ الأحداثِ، وتقعُ بعضُ القضايا، ولا يشهدُها الرسولُ ﷺ، ولا يحضرُها، ومع هذا ينزلُ عليه الوحيُ والخبرُ الصادقُ، حتى قبلَ أن يصلَ أحدٌ ممن رآها إلى الرسولِ ﷺ، وحتى كانَ الكفارُ يقولُ بعضُهم لبعضٍ: اخفضُوا أصواتَكم حتَّــى لا يسمعَكــم إلــهُ محمــدٍ؛ ولهــذا كــان المنافقــون يحــذرون ذلك، قــالَ تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64]، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ﴾ [التوبة: 74]، وكقولِه تعالى عنِ المنافقين: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 107]، وغيرِ ذلك منَ الآياتِ.
الثالثُ: الأخبارُ الغيبيةُ عنْ أمورٍ مستقبلةٍ (غيبُ المستقبلِ):
وكثيرًا ما أخبرَ القرآنُ عنْ أمورٍ ستحدثُ في المستقبلِ، ووقعتْ كما جاءتْ في القرآنِ، فمن ذلك قولُهُ تعالى عن ظهورِ الإسلامِ وسيادتِه، وقدْ كانَ ذلك فيما بعدُ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33]، وعنِ القرآنِ أخبرَ أنهم لن يأتوا بمثلِهِ: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88]، وقالَ تعالَى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٢٣ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 23 - 24]، وحتَّى الآنَ لم يأتِ أحدٌ بمثلِه، ولنْ يفعلَ أحدٌ ذلك.
ومنه قولُه تعالى عنِ الكفارِ: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45]، وقد نزلَتْ هذه الآيةُ وعائشةُ رضي الله عنها بمكةَ جاريةٌ تلعبُ[6]، وتحققُ ذلكَ فيما بعدُ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿ الم ١ غُلِبَتِ الرُّومُ ٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ ﴾ [الروم: 1 - 4]، وكقولِه تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 27]، ومنه قولُه تعالى عن أبي لهبٍ: ﴿ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ ، وعنِ امرأتِه: ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ [المسد: 3 – 4]، والخبرُ الغيبيُّ في هذا أنه أخبرَ أنَّهما في النارِ، ويقتضي هذا موتَهما على الكفرِ، وقدْ كانَ ذلك.
ومثلُهُ عنْ أبي جهلٍ[7]: ﴿ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ ٤٧ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ٤٨ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ٤٩ ﴾ [الدخان: 47 – 49]، فماتَ على كفرِه.
وكذلكَ أُبيُّ بنُ خلفٍ، قالَ عنه[8]: ﴿ كَلَّا ۖ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ [الهمزة: 4] فماتَ على الكفرِ، والنَّضْرُ بنُ الحارثِ[9]: ﴿ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [لقمان: 7]، والوليدُ بنُ المغيرةِ[10]: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ [المدثر: 26].
ومعَ قوةِ هذا الوجهِ من الإعجازِ، وتحققِه في القرآنِ الكريمِ، إلَّا أنَّه لا يصحُّ الزعمُ بأنَّه وجهُ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ؛ لخلوِّ كثيرٍ منَ الآياتِ القرآنيةِ من الأخبارِ الغيبيةِ مع تحققِ الإعجازِ فيها.
أنَّ وجهَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ هو: نظمُه:
ومن أدلةِ أصحابِ هذا القولِ قولُه تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ [هود: 13]، فحينَ زعمَ الكفارُ أنَّ أخبارَ القرآنِ افتراءٌ وكذبٌ، قطعَ جدلَهم بأن طلبَ منهم على التسليمِ بأنَّه مفترًى، أن يأتوا بعشرِ سورٍ في نظمِهِ وأسلوبِه، لا صدقِ خبرِهِ حسبَ زعمِهم.
فالتحدِّي هنا بالنظمِ لا بالأخبارِ، فضلًا عنِ الأدلةِ الأخرى الكثيرةِ على إدراكِ العربِ بذوقِهم لإعجازِ القرآنِ في نظمِه واستيلائِه على ألبابِهم.
وقالَ بهذا الإعجازِ عددٌ منْ أئمةِ اللغةِ والبيانِ كالواسطيِّ، والجاحظِ الذي ألفَ كتابًا عن نظمِ القرآنِ، ومنهم الجرجانيُّ والخطابيُّ وغيرُهم.
وقد فسَّر الخطابيُّ هذا الوجهَ بقولِه: (وإنما تعذرَ على البشرِ الإتيانُ بمثلِه لأمورٍ منها: أنَّ علمَهم لا يحيطُ بجميعِ أسماءِ اللغةِ العربيةِ وبألفاظِها التي هي ظروفُ المعاني والحواملُ، ولا تدركُ أفهامُهم جميعَ معاني الأشياءِ المحمولةِ على تلك الألفاظِ، ولا تكملُ معرفتُهم لاستيفاءِ جميعِ وجوهِ النظومِ التي بها يكونُ ائتلافُها وارتباطُ بعضِها ببعضٍ، فيتوصلوا باختيارِ الأفضلِ عنِ الأحسنِ من وجوهِها إلى أن يأتُوا بكلامٍ مثلِه، وإنَّما يقومُ الكلامُ بهذه الأشياءِ الثلاثةِ:
1- لفظٌ حاملٌ.
2- ومعنًى به قائمٌ.
3- ورباطٌ لهما ناظمٌ.
وإذا تأملتَ القرآنَ وجدتَ هذه الأمورَ منه في غايةِ الشرفِ والفضيلةِ، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظِ أفصحَ ولا أجزلَ ولا أعذبَ من ألفاظِه، ولا ترى نظمًا أحسنَ تأليفًا وأشدَّ تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمِه، وأما المعاني فلا خفاءَ على ذي عقلٍ أنها هي التي تشهدُ لها العقولُ بالتقدمِ في أبوابِها، والترقي إلى أعلى درجاتِ الفضلِ من نعوتِها وصفاتِها.
وقد توجهُ هذه الفضائلُ الثلاثُ على التفرقةِ في أنواعِ الكلامِ، فأما أن توجدُ مجموعةٌ في نوعٍ واحدٍ منه، فلم توجدْ إلا في كلامِ العليمِ القديرِ الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا).
ثم ذكرَ بعضَ ما احتوى عليه القرآنُ في أحكامِ التوحيدِ والعبادةِ، والتحليلِ والتحريمِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، والأمرِ بمحاسنِ الأخلاقِ والزجرِ عن مساوئِها، ثم قالَ: (ومعلومٌ أن الإتيانَ بمثلِ هذه الأمورِ والجمعَ بينَ شتاتِها حتى تنتظمَ وتتسقَ - أمرٌ تعجزُ عنه قوى البشرِ، ولا تبلغُه قُدَرُهم، فانقطعَ الخلقُ دونه، وعجزوا عن معارضتِه بمثلِه أو مناقضتِه في شكلِه)[11].
أنَّ وجهَ الإعجازِ هو بلاغتُه:
التي فاقتْ ما عرفتْه العربُ من صورِ البلاغةِ، وعجزوا عن الإتيانِ بمثلِها، وقالَ بهذا القولِ عددٌ من أئمةِ البلاغةِ والبيانِ كالعسكريِّ[12]، وحازمِ القرطاجنيِّ[13]، والسكاكيِّ الذي ذكرَ أربعةَ أقوالٍ لوجهِ الإعجازِ في القرآنِ، فردَّها كلَّها، ثم قالَ: (فهذه أقوالٌ أربعةٌ يخمسُها ما يجدُه أصحابُ الذوقِ من أن وجهَ الإعجازِ هو أمرٌ من جنسِ البلاغةِ والفصاحةِ، ولا طريقَ لك إلى هذا الخامسِ إلا طولَ خدمةِ هذين العلمين بعدَ فضلٍ إلهيٍّ)[14].
أن وجهَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ علومُه ومعارفُه:
وذهبَ إلى هذا القولِ عددٌ من العلماءِ قديمًا وحديثًا، قالَ به الغزاليُّ (تـ: 505هـ)، والفخرُ الرازيُّ (تـ: 606هـ)، والزركشيُّ (تـ: 794هـ)، والسيوطيُّ (تـ: 911هـ)، ومنَ المتأخرينَ: الجوهريُّ والإسكندرانيُّ والكواكبيُّ والمراغيُّ ومحمدُ رشيدِ رضا ومحمدُ فريدِ وجدي والقاسميُّ ومصطفى الرافعيِّ ومحمودُ شكري الألوسيِّ وابنُ باديسَ والغمراويُّ وعبدُ الرزاقِ نوفلٍ وغيرُهم كثيرٌ[15]، وسيأتي إن شاءَ اللهُ مزيدُ بيانٍ لهذا الوجهِ.
والأقوالُ في وجهِ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ كثيرةٌ، وكثرتُها ناشئةٌ من تكرارِ بعضِها، إذ إن بعضَ هذه الأوجهِ داخلٌ في بعضٍ.
قالَ الألوسيُّ: (قد أطالَ العلماءُ الكلامَ على وجهِ إعجازِ القرآنِ، وأتَوْا بوجوهٍ شتَّى، الكثيرُ منها خواصُّه وفضائلُه)[16].
في وجهِ الإعجازِ في القرآنِ ألَّا يقتصرَ على وجهٍ واحدٍ، فإعجازُه مركبٌ من وجوهٍ عدةٍ، فهو معجزٌ في نظمِه، وفي أسلوبِه، وفي بلاغتِه، وفي أخبارِه، وفي علومِه ومعارفِه، كما قالَ الزركشيُّ رحمه الله وهو يعددُ أوجهَ الإعجازِ: (الثاني عشرَ: وهو قولُ أهلِ التحقيقِ: أنَّ الإعجازَ وقعَ بجميعِ ما سبقَ من الأقوالِ، لا بكلِّ واحدٍ عن انفرادِه فإنه جمعَ كلَّه، فلا معنًى لنسبتِه إلى واحدٍ منها بمفردِه مع اشتمالِه على الجميعِ، بل وغير ذلك مما لم يسبقْ)[17].
وقالَ الألوسيُّ في ترجيحِه: (والذي يخطرُ بقلبِ هذا الفقيرِ أن القرآنَ بجملتِه وأبعاضِه حتى أقصرِ سورةٍ منه معجزٌ بالنظرِ إلى نظمِه وبلاغتِه وإخبارِه عن الغيبِ وموافقتِه لقضيةِ العقلِ ودقيقِ المعنى، وقد يظهرُ كلُّها في آيةٍ، وقد يستترُ البعضُ كالأخبارِ عن الغيبِ، ولا ضيرَ ولا عيبَ فيما يبقى كافٍ في العرضِ وافٍ.
| نجومُ سماء كلَّما انقضَّ كوكبٌ |
| بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبُ)[18]
|
وسنذكرُ بعد ذلك بعضَ أوجهِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ بشيءٍ من التفصيلِ المناسبِ للمقامِ.