حجم الخط:

محتوى الدرس (26)

[مدخل]

وهو أبرزُ وجوهِ الإعجازِ وأظهرُها؛ إذ هو المطابقُ لأحوالِ العربِ وقتَ نزولِ القرآنِ، فالتحدِّي يكونُ بجنسِ ما برزَ فيه القومُ وتفوقوا، وهم تفوقوا في البيانِ والبلاغةِ والفصاحةِ، ولم يتفوقوا في العلومِ والمعارفِ وأخبارِ الغيبِ أو التشريعِ، أو نحوِ ذلك، فكانَ الإعجازُ بالبيانِ أظهرَ وجوهِ التحدِّي وأبرزَها.

والقومُ أدركوا -أولَ ما أدركوا- إعجازَه البيانيَّ، فملكَ منهم الألبابَ، واستولى على الأفئدةِ.

ويطلقُ على هذا الوجهِ عدةُ مصطلحاتٍ، فيُسمَّى: (الإعجازَ اللغويَّ) و(الإعجازَ البيانيَّ) و(الإعجازَ البلاغيَّ)، وتدخلُ في هذا المعنى أيضًا أقوالُهم المختلفةُ في أن إعجازَ القرآنِ (بلاغتُه) أو (فصاحتُه) أو (ما تضمنَه من البديعِ) أو (نظمُه) أو (أسلوبُه)، أو غيرُ ذلك من فروعِ اللغةِ العربيةِ.

[أحوال الناظرين في القرآن]

والناظرُ في هذا القرآنِ الكريمِ لا يخلو من حالتينِ[1]:

الأولى: ألَّا يكونَ ممن أُوتوا قوةَ المعرفةِ للفصلِ بينَ درجاتِ الكلامِ، والتفريقِ بينَ البليغِ والأبلغِ والفصيحِ والأفصحِ.

الثانيةِ: أن يكونَ قد أُوتِيَ حظًّا من التمييزِ بين الأساليبِ، ومعرفةِ درجاتِ البلاغةِ والفصاحةِ.

فإن كنتَ من الفئةِ الأولى: فلا سبيلَ لكَ لمعرفةِ إعجازِ القرآنِ وبلاغتِه بحسِّك وذوقِك، وإنما سبيلُك أن تقنعَ بشهادةِ أهلِ الخبرةِ والمعرفةِ، وهم هنا أهلُ الفصاحةِ والبلاغةِ، والبيانِ والبديعِ، وأعلمُهم بذلكَ سليقةً، وأجودُهم فطرةً، وأتقنُهم تربيةً وسماعًا، هم من نزلَ عليهم القرآنُ، وأولئك قد أقرُّوا بذلك في مشاهدَ عديدةٍ، وأقوالٍ كثيرةٍ، فهذا الوليدُ بنُ المغيرةِ يقولُ لمن أنكرَ عليه سماعَه للقرآنِ وتأثرَه به: (واللهِ ما فيكم رجلٌ أعلمُ بالأشعارِ مني، ولا أعلمُ برجزِه ولا بقصيدِه مني، ولا بأشعارِ الجنِّ، واللهِ ما يشبهُ الذي يقولُ شيئًا من هذا، وواللهِ إن لقولِه الذي يقولُ لحلاوةً، وإن عليه لطلاوةً، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه لَيَحْطِمُ ما تحتَه.

قالَ: لا يرضى عنك قومُك حتى تقولَ فيه، قالَ: فدعني حتى أفكرَ، فلما فكرَ قالَ: هذا سحرٌ يُؤْثَرُ، يأثرُه عن غيرِه) فنزلتْ: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: 11].

وقد وصفَ اللهُ تفكيرَه بقولِه: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ٢٣ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٢٥ [المدثر: 18 - 25].

قالَ الدكتورُ محمدُ عبدِ اللهِ درازٍ: (فانظرْ تصويرَ القرآنِ للجهدِ العنيفِ الذي بذلَه الرجلُ في إصدارِ حكمِه الثاني، حيث يقولُ: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢ ، ومعنى هذا كلِّه أنه كانَ يقاومُ فطرتَه، ويستكرهُ نفسَه على مخالفةِ وجدانِه، وأنه كانَ في حيرةٍ وضيقٍ بما يقولُ.. وأخيرًا استطاعَ أن يقولَ ما قال نزولًا على إرادةِ قومِه.

وانظرِ الفرقَ بين هذا الحكمِ المصطنعِ وبين حكمِ البديهةِ العربيةِ في قولِه أولَ مرةٍ: إنه يعلو وما يعلى وإنه يحطمُ ما تحتَه.

هذه شهادةُ أهلِ اللغةِ نفسِها، وهي شهادةُ خصمٍ، والفضلُ ما شهدتْ به الأعداءُ.

وإذا لم ترَ الهلالَ فسَلِّمْ

لأناسٍ رأوه بالأبصارِ)

وإن كنتَ من الفئةِ الثانيةِ، وهم الذين أوتوا حظًّا من تذوقِ البيانِ، وشيئًا من إدراكِ الفصاحةِ والبلاغةِ، فدونك نصوصَ البلغاءِ، وأبياتَ الشعراءِ، وكلماتِ الخطباءِ، اخترْ منها ما شئتَ من أرقى عصورِ البلاغةِ، وأعلى صورِ البيانِ، ثم انظرْ في آيةٍ من آياتِ القرآنِ، ستجدُ البَوْنَ شاسعًا، والفرقَ كما بينَ الثَّرى والثُّريَّا، أو السماءِ والأرضِ.

فإن قلتَ: نعمْ، لقد نثرتُ كنانةَ الكلامِ بينَ يديِّ وعجمتُ سهامَها، فما وجدتُ كالقرآنِ أصلبَ عودًا، ولقد وردتُ مناهلَ القولِ، وتذوقتُ طعومَها فما وجدتُ كالقرآنِ أعذبَ موردًا، وقد آمنتُ أنه كما وصفتموه، غيرَ أن الذي أحسُّ به من ذلك معنًى يتجمجمُ في الصدرِ لا أحسنُ تفسيرَه ولا أملكُ تعليلَه، فهل من سبيلٍ إلى عرضِ شيءٍ من ذلك علينا؛ لتطمئنَّ به قلوبُنا، ونزدادَ إيمانًا إلى إيمانِنا؟

قلنا: إن هذا أمرٌ جسيمٌ، ومرامٌ بعيدٌ، لا يمكنُ رسمُه في هذه العُجالةِ ولو طالتْ، ولعلَّنا نذكرُ ما يقربُ البعيدَ ويدنيه.

[الكلام عن الألفاظ والمعاني]

ونتحدثُ عن أمرين:

أولُّهما: ألفاظُه، وهي القشرةُ الباديةُ.

ثانيهما: معانيه وهي اللآلئُ الكامنةُ.

فأولُ ما يلاقيك من ألفاظِه خاصيةُ تأليفِه الصوتيِّ في شكلِه وجوهرِه.

1- دعِ القارئَ المجودَ يقرأُ القرآنَ يرتلُه حَقَّ ترتيلِه نازلًا بنفسِه على هوى القرآنِ، لا بنفسِ تاليه، ثم انتبذْ منه مكانًا قصيًّا لا تسمعُ فيه جرسَ حروفِه، ولكنْ تسمعُ حركاتِها وسكناتِها، ومدَّاتِها وغُنَّاتِها، ووصلَها وسكتَها، ثم ألقِ سمعَكَ إلى هذه المجموعةِ الصوتيةِ، وستجدُ اتساقًا وائتلافًا يسترعي سمعَك، لا يعروكَ منه على كثرةِ تردادِه مللٌ ولا سأمٌ، هذا الجمالُ في لغةِ القرآنِ لا يخفى على أحدٍ ممن يسمعُ القرآنَ، حتى الذين لا يعرفونَ لغةَ العربِ، فكيف يخفى على العربِ أنفسِهم؟! إنه النظامُ الصوتيُّ البديعُ الذي قُسِّمَتْ فيه الحركةُ والسكونُ تقسيمًا منوَّعًا، ووُزِّعَتْ في تضاعيفِه حروفُ المدِّ والغنةِ توزيعًا بالقسطِ يساعدُ على ترجيعِ الصوتِ به، وتهادي النَّفَسِ فيه آنًا بعدَ آنٍ.

2- وإذا ما قربْتَ أذنَك قليلًا قليلًا، فطرقَتْ سمعَكَ جواهرُ حروفِه خارجةً من مخارجِها الصحيحةِ، فاجأَتْكَ منه لذةٌ أخرى في نظمِ تلك الحروفِ ورصفِها وعلاقاتِها مع بعضِها، فهذا يُنْقَر، وهذا يُصْفَرُ، وذاك يُهْمَس وذلك يُـجْهَر، وآخرُ ينزلقُ عليه النَّفَسُ، وآخرُ يحتبسُ عنده النَّفَسُ وهلُمَّ جرًّا، فترى الجمالَ اللغويَّ ماثلًا أمامك في مجموعةٍ مختلفةٍ مؤتلفةٍ.

من هاتين الصفتين السابقتين تتألفُ القشرةُ السطحيةُ للجمالِ القرآنيِّ، وليس الشأنُ في هذا الغلافِ إلا كشأنِ الأصدافِ مما توحيه اللآلئُ النفيسةُ؛ فاقتضتْ حكمتُه تعالى أن يصونَ معانيَ القرآنِ الكريمِ الساميةَ بألفاظٍ عذبةٍ تغري بطلاوتِها، وتكونُ بمنزلةِ (الحُداءِ) يستحثُّ النفوسَ على السيرِ إليها، ويهونُ عليها عناءَ السفرِ في طلبِها، لا جرمَ اصطفَى لها من هذا اللسانِ العربيِّ المبينِ ذلك القالَبَ العذبَ الجميلَ، ومن أجلِ ذلك سيبقى صوتُ القرآنِ أبدًا في أفواهِ الناسِ وآذانِهم ما دامت فيهم حاسةُ تذوقٍ، وحاسةُ سمعٍ، وإن لم يكن لأكثرِهم قلوبٌ يفقهون بها حقيقةَ سِرِّه، وينفذون بها إلى بعيدِ غَوْرِهِ.

ثانيًا: المعاني:

فإن لم يُلْهِكَ جمالُ القشرةِ الباديةِ عن سامي المعاني المستترةِ، فكشفتَ الصدفةَ عن دُرِّها، ونفذْتَ من هذا النظامِ اللفظيِّ إلى ذلك النظامِ المعنويِّ، تجلَّى لك ما هو أبهى وأبهرُ، ولقيتَ ما هو أروعُ وأبدعُ، ولا تحسبنَّ ذلك الأمرَ لا يظهرُ أمرُه إلا في مجموعِ القرآنِ، بل يظهرُ ذلك في القطعةِ منه، ويظهرُ في السورةِ.

وسنعرضُ لك لمحةً سريعةً عن هاتين المرتبتين:

أولاً: بيانُ القرآنِ في قطعةٍ قطعةٍ منه:

فمن صفاتِه:

1- القصدُ في اللفظِ والوفاءُ بالمعنى:

وهما طرفان متقابلان، الميلُ لأحدِهما ميلٌ عن الآخرِ، فمن أوجزَ في لفظِه لا ينفكُّ من أن يحيفَ على المعنى قليلًا أو كثيرًا، ومن يعمدْ إلى الوفاءِ بالمعنى، وإبرازِ كلِّ دقائقِه، لا يجدْ في قليلِ اللفظِ ما يشفي صدرَه، فيسترسلِ استرسالًا يشعرُك بتضاؤلِ قوةِ نشاطِك، واضمحلالِ باعثةِ إقبالِك؛ فإن سرَّك أن ترى كيف تجتمعُ هاتان الغايتان على تمامِهما بغيرِ فترةٍ ولا انقطاعٍ، فانظرْ حيثُ شئتَ من القرآنِ الكريمِ تجدْ وفاءَ الألفاظِ بحقِّ المعاني، واحتواءَ المعاني للألفاظِ، بحيثُ لا يستغني معنًى عنْ لفظةٍ، ولا تقصرُ لفظةٌ عنْ معنًى، كما قالَ ابنُ عطيةَ: (لو نُزِعَتْ منه لفظةٌ ثم أُدِيرَ لسانُ العربِ في أنْ يوجدَ أحسنَ منها لم يوجدْ)[2].

2- خطابُ العامةِ وخطابُ الخاصةِ:

وهما أيضًا غايتان متباعدتان، فما تخاطبُ به الذكيَّ لا تخاطبْ به الغبيَّ، وما تخاطبُ به الطفلَ لا تخاطبْ به الكبيرَ، أدركَ العربُ ذلك وسدوا عجزَهم عنه بعباراتٍ مثلَ: (لكلِّ مقامٍ مقالٌ) ونحوِ ذلك.

وجاءَ القرآنُ الكريمُ وقد ملكَ الغايتين فهو قرآنٌ واحدٌ، يراه البلغاءُ أوفى كلامٍ وأبلغَه، ويراه العامةُ أحسنَ كلامٍ وأوضحَهُ.

3- إقناعُ العقلِ وإمتاعُ العاطفةِ:

وفي كلِّ إنسانٍ قوتان:

أ - قوةُ تفكيرٍ.

ب- قوةُ عاطفةٍ ووجدانٍ.

والقوةُ الأولى تغوصُ باحثةً عن الحقائقِ المستترةِ والمعاني الباطنةِ، وأما الثانيةُ فتطفو تبحثُ عن الجمالِ الظاهرِ في القشرةِ الباديةِ.

والنفسُ الإنسانيةُ إما أن تغوصَ مع تلك أو تطفو مع هذه، ولا تستطيعُ أن تغوصَ وتطفوَ في آنٍ واحدٍ أو لحظةٍ واحدةٍ.

وحين تظهرُ (قوةُ الوجدانِ) تضعفُ (قوةُ التفكيرِ) فلا يتقنُ عقلُه فكرًا، فإن وَفَى المتكلمُ بحقِّ العقلِ بخسَ حقَّ العاطفةِ، وإن وَفَى بحقِّ العاطفةِ بخسَ حقَّ العقلِ، فإما أن يأتيَ بكلامٍ علميٍّ مجردٍ يرضي به عقلَه، أو بكلامٍ أدبيٍّ مُنَمَّقٍ يرضي به عاطفتَه، حتى باتَ الناسُ يقسمون الأساليبَ إلى نوعين لا ثالثَ لهما:

أ - أسلوبٍ علميٍّ.

ب- أسلوبٍ أدبيٍّ.

وقُسِّمَتِ الدراسةُ في عصورِنا هذه إلى علميةٍ أو أدبيةٍ؛ فلا تطمعْ من إنسانٍ في أن يهبَ لك هاتين الطلبتين على سواءٍ، وهو لم يجمعْهما في نفسِه على سواءٍ، وما كلامُ المتكلمِ إلا نتاجُ قوتِه؛ إما قوة التفكيرِ، وإما قوة الوجدانِ، وما جعلَ اللهُ لرجلٍ من قلبينِ في جوفِه.

حاشا القرآنَ الكريمَ الذي جمعَ (قوةَ الحقيقةِ البرهانيةِ) و(قوةَ المتعةِ الوجدانيةِ).

تدبروا في آياتِ القرآنِ الكريمِ، فسترون أنها في معمعةِ البراهينِ والأحكامِ لا تنسى نصيبَ القلبِ والوجدانِ؛ ذلك أنها كلامُ اللهِ ربِّ العالمين الذي لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ.

4- البيانُ والإجمالُ:

وهما أيضًا أمران متقابلان لا يكادان يجتمعان في كلامٍ، إنْ وُجِدَ الأولُ اضمحلَّ الثاني، وإن وُجِدَ الثاني تلاشى الأولُ، فكلامُ البشرِ إما أن يكونَ مجملًا، وإما أن يكونَ مبينًا، وأنى له أن يكونَ مجملًا مبينًا في آنٍ واحدٍ.

أما القرآنُ الكريمُ كلامُ اللهِ عز وجل فالأمرُ غيرُ ذلك، تقرأُ الآيةَ القرآنيةَ فتجدُ فيها من الوضوحِ والظهورِ ما يبوِّئُها الدرجةَ العليا في البيانِ بأسلوبٍ محكمٍ خالٍ من كلِّ غريبٍ عن الغرضِ، يسبقُ معناها إلى نفسِك دونَ كدِّ ذهنٍ، ولا إعادةِ تلاوةٍ، فإن أعدتَ النظرَ مرةً أخرى، لاحَ لك منها معانٍ جديدةٌ، فإن زدتَ التدبرَ زادَ العطاءُ، وانكشفَ لك ما يجعلُك توقنُ أن في الآيةِ (إجمالًا) لمعانٍ عديدةٍ مع بيانٍ ووضوحٍ.

ثانيًا: بيانُ القرآنِ في سورةٍ سورةٍ منه:

وهي أيضًا مرتبةٌ من مراتبِ البيانِ في القرآنِ لها صفاتٌ وخصائصُ، أهمُّها:

الكثرةُ والواحدةُ:

فالكلامُ هو مرآةُ المعنى، فإن ساءَ نظمُه، تبددتْ معانيه كما تتبددُ الصورةُ الواحدةُ على المرآةِ الْمُهَشَّمَةِ أو غيرِ المستويةِ السطحِ.

ولا بدَّ لإبرازِ المعنى ووضوحِه من إحكامِ ألفاظِه، وإتقانِ بيانِه، وذلك بتمامِ التقاربِ بين كلماتِه، والترابطِ بين جملِه؛ حتى تتماسكَ وتتعانقَ أشدَّ ما يكونُ التماسكُ، وأقوى ما يكونُ العناقُ.

وليس ذلك بالأمرِ الهيِّنِ، بل هو مطلبٌ شاقٌّ يحتاجُ إلى مهارةٍ وحذقٍ، ولطفٍ وحسٍّ في اختيارِ أحسنِ المواقعِ لتلك الأجزاءِ، أيُّها أحقُّ أن يجعلَ أصلًا أو تتمةً، وأيُّها أحقُّ أن يُبْدَأَ به أو يُخْتَمَ، ثم اختيارُ أحسنِ الطرقِ للمزجِ بينها بالإسنادِ أو التعليقِ أو بالعطفِ، وغيرِ ذلك من أسبابِ الترابطِ، ذلك حالُ المعنى الواحدِ الذي تتصلُ أجزاؤُه فيما بينها، فما ظنُّك بالمعاني المختلفةِ في جوهرِها، كم تحتاجُ من المهارةِ والحذقِ؟

ولهذه المشقةِ نرى كثيرًا من البلغاءِ حين ينتقلُ من معنًى إلى معنًى لا يستغني عن استعمالِ بعضِ الأدواتِ لسدِّ الثغرةِ التي يحدثُها الانفصالُ بين المعاني، من نحوِ قولِهم: (وبعدُ) أو: (ونعودُ) أو: (ننتقلُ إلى الحديثِ عن) أو: (وسنتحدثُ) أو (بقيَ علينا)، ونحوِ ذلك.

وهذا شأنُ البلغاءِ في الحديثِ الواحدِ في المجلسِ الواحدِ، فكيف لو جاءَ حديثُه في أماكنَ مختلفةٍ، وأزمانٍ متباعدةٍ، ألا تكونُ سماتُ الانفصالِ وظواهرُ الانقطاعِ أقوى وأشدَّ؟

حاشا القرآنَ، فقد اشتملتِ السورةُ منه على وصفٍ، وقصصٍ، وتشريعٍ، وجدلٍ، وعقائدَ، وأمرٍ، ونهيٍ، ونزلتِ السورةُ في أوقاتٍ مختلفةٍ وأزمانٍ متباعدةٍ، ورُتِّبَتْ آياتُها بطريقةٍ عجيبةٍ، يرسمُ مكانَ الآيةِ ويحددُ قبل أن تنزلَ الآيةُ التي قبلَها أو التي بعدَها، ثم لا يحدثُ أن تنقلَ من موضعِها إلى آخرَ، فإذا نزلَ ما حولها من الآياتِ رأيتَ الترابطَ والتلازمَ كأنهنَّ قطعةٌ واحدةٌ، بل رأيتَهن مع بقيةِ آياتِ السورةِ كأنهنَّ سبيكةٌ واحدةٌ، فلا تجدُ فرقًا، ولا يستبينُ لك أمرٌ في معرفةِ ما نزلَ من السورةِ مُنَجَّمًا، وما نزلَ منهن مُفَرَّقًا، فجاءتِ الكثرةُ الكاثرةُ من المعاني في السورةِ كأنهنَّ معنًى واحدًا أو آيةٌ واحدةٌ محكمةُ السبكِ متقنةُ السردِ[3][4].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة