حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

أنـواعُ المناسـباتِ:

المناسباتُ في القرآنِ الكريمِ أنواعٌ كثيرةٌ، منها:

1- المناسبةُ بينَ الآيةِ والآيةِ التي تليها:

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7]، حيثُ ذكرَ محاسبتَه على الحسناتِ، فناسبَ أن يذكرَ محاسبتَه على السيئاتِ: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 8].

ومنها: قولُه تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: 17] جاء بعدها: ﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ [الغاشية: 18 - 20].

فإن قيلَ: ما وجهُ الجمعِ بين الإبلِ والسماءِ والجبالِ والأرضِ في هذه الآياتِ؟

فالجوابُ: أنه جمعَ بينها على مجرى الإلفِ والعادةِ بالنسبةِ إلى أهلِ الوبرِ، فإن كلَّ انتفاعِهم في معايشِهم من الإبلِ، فتكونُ عنايتُهم مصروفةً إليها، ولا يحصلُ إلا بأنْ ترعى وتشربَ، وذلك بنزولِ المطرِ، وهو سببُ تقلبِ وجوهِهم في السماءِ، ثم لا بدَّ لهم من مأوًى يؤويهم، وحصنٍ يتحصنون به، ولا شيءَ في ذلك كالجبالِ، ثم لا غنًى لهم -لتعذرِ طولِ مكثِهم في منزلٍ- عنِ التنقلِ من أرضٍ إلى سواها، فإذا نظرَ البدويُّ في خيالِه، وجدَ صورةَ هذه الأشياءِ حاضرةً فيه على الترتيبِ المذكورِ[1].

2- المناسبةُ بينَ أولِ السورةِ وخاتمتِها:

ومثالُهُ: أولُ سورةِ البقرةِ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [3]، وفي آخرِها: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... [285].

وأولُ سورةِ المؤمنون: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [1]، وآخرُها: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [117].

وأولُ سورةِ صٓ: ﴿ ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [1]، وآخرُها: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [87].

وأولُ سورةِ نٓ: ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [2]، وآخرُها: ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [51].

3- المناسبةُ بينَ خاتمةِ السورةِ وفاتحةِ السورةِ التي تليها:

ومثالُ ذلك: آخرُ سورةِ الإسراءِ: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا [111]، وأولُ سورةِ الكهفِ التي تليها: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ [1].

وآخرُ سورةِ الطورِ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [49]، وأولُ سورةِ النجمِ التي تليها: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ [1].

وآخرُ سورةِ الواقعةِ: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [96]، وأولُ سورةِ الحديدِ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [1].

وجوهُ المناسباتِ:

ووجهُ المناسبةِ بينَ الآياتِ له أنواعٌ كثيرةٌ، منها:

1- التنظيرُ:

فإنَّ إلحاقَ النظيرِ منْ شأنِ العقلاءِ.

ومنْ أمثلتِه: قولُه تعالى: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال: 5] بعدَ قولِه سبحانه: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ [الأنفال: 4]، فإن اللهَ تعالى أمرَ رسولَه أن يمضيَ لأمرِه في الغنائمِ على كرهٍ من أصحابِه، كما مضى لأمرِه في خروجِه من بيتِه لطلبِ العيرِ في غزوةِ بدرٍ وهم كارهون.

وذلك أنهم اختلفوا في القتالِ يومَ بدرٍ في الأنفالِ، وحاجوا النبيَّ وجادلوه، وكرهَ كثيرٌ منهم تقسيمَ الغنائمِ كما كرهوا الخروجَ، وقد تبينَ لهم في الخروجِ خيرٌ كثيرٌ من الظفرِ والنصرِ والغنيمةِ وعزِّ الإسلامِ وانتصارِ المسلمين وهزيمةِ المشركين، فكذا ما فعلَه في قسمةِ الغنائمِ، فليطيعوا أمرَه ويتركوا هوى أنفسِهم[2].

2- المضادةُ:

وذلكَ كقولِه تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ [التحريم: 10]، ذكرَ بعدَ ذلكَ ما يضادُّه: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ [التحريم: 11].

3- الاستطرادُ:

كقولِه تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: 26].

قالَ الزمخشريُّ: (هذه الآيةُ واردةٌ على الاستطرادِ عقيبَ ذكرِ بدوِّ السوءاتِ وخصفِ الورقِ عليها، إظهارًا للمنةِ فيما خلقَ من اللباسِ، ولما في العريِ وكشفِ العورةِ من المهانةِ والفضيحةِ، وإشعارًا بأنَّ التسترَ بابٌ عظيمٌ من أبوابِ التقوى)[3].

4- الانتقالُ:

ويرادُ به الانتقالُ من حديثٍ إلى آخرَ؛ تنشيطًا للسامعِ، ومثالُه: لما انتهى في سورةِ صٓ من الحديثِ عن الأنبياءِ عليهم السلام، قالَ سبحانَه: ﴿ هَٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: 49]، فانتقلَ إلى نوعٍ آخرَ من الحديثِ، وهو ذكرُ الجنةِ وأهلِها، ولما انتهى من الحديثِ عن ذلك، انتقلَ إلى نوعٍ ثالثٍ، فقالَ: ﴿ هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: 55]، فذكرَ النارَ وأهلَها.

قالَ ابنُ الأثيرِ: ((هذا) في هذا مقامٌ من الفصلِ الذي هو أحسنُ من الوصلِ، وهي علاقةٌ أكيدةٌ بين الخروجِ من كلامٍ إلى آخرَ)[4].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة