معرفةُ المتشابهِ[1]:
اختلفَ العلماءُ في المتشابهِ؛ هل يمكنُ معرفتُه أم لا؟
والحقيقةُ أنه ينقسمُ من حيثُ إمكانيةُ معرفتِه وعدمِها إلى ثلاثةِ أنواعٍ، هي:
وهذا النوعُ لا يعلمُه أحدٌ من البشرِ، ولا سبيلَ للوقوعِ عليه؛ كوقتِ قيامِ الساعةِ، وحقيقةِ الروحِ، وغيرِ ذلك من الغيبياتِ التي اختصَّ اللهُ بعلمِها.
وهو ما اشْتَبَهَ معناه لاحتياجِه إلى مراعاةِ دليلٍ آخرَ، فإذا تقصَّى المجتهدُ أدلةَ الشريعةِ وجدَ فيها ما يبينُ معناه؛ كالألفاظِ الغريبةِ، والأحكامِ الغَلِقَةِ، والتي تحتاجُ إلى استنباطٍ وتدبرٍ، وبعضِ مسائلِ الإعجازِ العلميِّ[2].
وهو ضربٌ مترددٌ بين الأمرين، يختصُّ بمعرفتِه بعضُ الراسخين في العلمِ، ويخفى على من دونَهم، وهو الضربُ المشارُ إليه في دعوةِ الرسولِ ﷺ لابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: «اللهمَّ فقهْهُ في الدينِ، وعلمْهُ التأويلَ».
سببُ الاختلافِ في معرفةِ المتشابهِ:
ويرجعُ بعضُ الباحثين السببَ في الاختلافِ في معرفةِ المتشابهِ إلى الاختلافِ في الوقفِ في قولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ ﴾ [آل عمران: 7]، وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ إذ إن الوقفَ أو الوصلَ مبنيٌّ على الاختلافِ في معنى التأويلِ.
فسبب الاختلاف إذًا في معرفةِ المتشابهِ هو الاختلافُ في المرادِ بالتأويلِ في قولِه سبحانه: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ ﴾ ، وفيه ثلاثةُ أقوالٍ:
الأولُ: أن التأويلَ بمعنى التفسيرِ:
وعلى هذا فالتأويلُ: يعلمُه الراسخون في العلمِ.
ومنه دعوةُ الرسولِ ﷺ لابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: «اللهمَّ فقهْهُ في الدينِ وعلمْهُ التأويلَ»[3]، وقولُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: «أنا ممن يعلمُ تأويلَه»[4]، وقولُ مجاهدٍ: (الراسخون في العلمِ يعلمون تأويلَه)[5]، وقولُ ابنِ جريرٍ الطبريِّ: (واختلفَ أهلُ التأويلِ في هذه الآيةِ)، وقولُه: (القولُ في تأويلِ قولِه تعالى..).
وهو أيضًا المعنى الذي قصدَه ابنُ قتيبةَ وأمثالُه ممن يقولُ: إن الراسخين في العلمِ يعلمونَ التأويلَ، ومرادُهم به التفسيرُ[6].
وهو قولُ متقدمي المفسرين وابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، ومجاهدٍ، ومحمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزبيرِ، وابنِ إسحاقَ، وابنِ قتيبةَ، والربيعِ بنِ أنسٍ، والضحاكِ، والنوويِّ، وابنِ الحاجبِ[7].
وعليه فإنَّ الوقفَ يكونُ على قولِه: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ ، وتبعَهم كثيرٌ من المفسرين وأهلِ الأصولِ، وقالوا: الخطابُ بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ[8].
القولُ الثاني: أن التأويلَ هو الحقيقةُ التي يؤولُ إليها الخطابُ:
وهي نفسُ الحقائقِ التي أخبرَ اللهُ عنها.
فتأويلُ ما أخبرَ به عن اليومِ الآخرِ هو نفسُ ما يكونُ في اليومِ الآخرِ، وتأويلُ ما أخبرَ به عنْ نفسِه هو ذاتُه المقدسةُ الموصوفةُ بصفاتِه العليةِ.
وهذا التأويلُ هو الذي لا يعلمُه إلا اللهُ، ولهذا كانَ السلفُ يقولون: (الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ)، فيثبتون العلمَ بالاستواءِ، وهو التأويلُ الذي بمعنى التفسيرِ، وهو معرفةُ المرادِ بالكلامِ حتى يُتدبَّرَ، ويُعقلَ، ويُفقهَ، ويقولون: الكيفُ مجهولٌ، وهو التأويلُ الذي انفردَ اللهُ بعلمِه، وهو الحقيقةُ التي لا يعلمُها إلا هو[9].
وعليه فإن الوقفَ يكونُ على لفظِ الجلالةِ في قولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، والواوُ للاستئنافِ، والراسخون مبتدأٌ، و(يقولون) خبرُه.
وقالَ بهذا القولِ نيفٌ وعشرون رجلًا من الصحابةِ والتابعين والقراءِ والفقهاءِ وأهلِ اللغةِ، فمن الصحابةِ: عائشةُ وابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأُبيُّ بنُ كعبٍ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، رضي الله عنهم.
فقد رويَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «بلغَ رسوخُهم في العلمِ إلى أن قالوا: آمنَّا به»، وفي روايةٍ: «ولم يعلموا تأويلَه»، وما أخرجَه الشيخان وغيرُهما عن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: تلَا رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ إلى قولِه: ﴿ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ .
قالْتَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «فإذا رأيتَ الذين يتبعون ما تشابَه منه، فأولئك الذين سمَّى اللهُ، فاحذروهم».
وكان ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما يقرأُ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللهُ ويقولُ الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنَّا بِهِ)، وهي قراءةٌ على التفسيرِ.
وقراءةُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: (وإن تأويلُه إلا عندَ اللهِ، والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به).
أخرجَه ابنُ أبي داودَ في (المصاحفِ).
وقالَ به من التابعين ثلاثةٌ: الحسنُ وابنُ نَهِيك والضحاكُ.
وقالَ به من الفقهاءِ: مالكُ بنُ أنسٍ.
ومن القراءِ ثلاثةٌ: نافعٌ ويعقوبُ والكسائيُّ.
ومن النَّحويين: الأخفشُ وسعيدٌ والفراءُ وسهيلُ بنُ محمدٍ.
ويروى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وعروةَ بنِ الزبيرِ وأبي عبيدٍ وابنِ جريرٍ وأبي إسحاقَ وابنِ كيسانَ والسديِّ[10].
ويدلُّ على ذلك (أن الآيةَ دلتْ على ذمِّ متبعي المتشابهِ، ووصفِهم بالزيغِ وابتغاءِ الفتنةِ، وعلى مدحِ الذين فوضوا العلمَ إلى اللهِ، وسلموا إليه، كما مدحَ اللهُ المؤمنين بالغيبِ)[11].
وقالَ ابنُ تيميةَ عن هذا المعنى: (إنه هو معنى التأويلِ في القرآنِ والمرادُ به في مثلِ قولِه تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 53]، وقولِه سبحانَه: ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، وقالَ يوسفُ: ﴿ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 100])[12].
وقالَ عن هذا المعنى: (إنه لغةُ القرآنِ التي نزلَ بها... فتأويلُ الأحاديثِ التي هي رؤيا المنامِ هي نفسُ مدلولِها التي تؤولُ إليه كما قالَ يوسفُ: ﴿ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ ... وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، قالوا: أحسنُ عاقبةً ومصيرًا، فالتأويلُ هنا تأويلُ فعلِهم، الذي هو الردُّ إلى الكتابِ والسنةِ، والتأويلُ في سورةِ يوسفَ تأويلُ أحاديثِ الرؤيا، والتأويلُ في الأعرافِ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ [53]، ويونسَ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ ﴾ [39] تأويلُ القرآنِ، وكذلك في سورةِ آلِ عمرانَ.
وقالَ تعالى في قصةِ موسى والعالمِ: ﴿ قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 78] إلى قولِه: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 82] فالتأويلُ هنا تأويلُ الأفعالِ التي فعلَها العالمُ من خرقِ السفينةِ بغيرِ إذنِ صاحبِها، ومن قتلِ الغلامِ، ومن إقامةِ الجدارِ، فهو تأويلُ عملٍ لا تأويلُ قولٍ، وإنما كانَ كذلك؛ لأن التأويلَ مصدرُ أوَّله يؤولُه تأويلًا... وقولُهم: آلَ يؤولُ، أي: عادَ إلى كذا، ورجعَ إليه، ومنه: (المآلُ) وهو ما يؤولُ إليه الشيءُ، ويشاركُه في الاشتقاقِ الأكبرِ: (الموئلُ) فإنه من وَأَلَ، وهذا من أَوَلَ، والموئلُ المرجعُ، قالَ تعالى: ﴿ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ﴾ [الكهف: 58])[13].
القول الثالث: أن التأويل هو صرف اللفظ عن معناه:
وهو اصطلاحُ طوائفَ من المتأخرين، قالوا: إن التأويلَ هو صرفُ اللفظِ عن المعنى الراجحِ إلى المعنى المرجوحِ لدليلٍ يقترنُ به.
ويريدون بذلك صرفَ الألفاظِ القرآنيةِ عن معانيها الحقيقيةِ إلى معانٍ باطلةٍ؛ ليؤيدوا بها مذاهبَهم وآراءَهم المنحرفةَ، فهم اعتقدوا رأيًا ثم حملوا نصوصَ القرآنِ عليه؛ لتوافقَ ما ذهبوا إليه.
وهؤلاء كما قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (صاروا مراتبَ ما بين قرامطةٍ وباطنيةٍ يتأولون الأخبارَ والأوامرَ، وما بين صابئةٍ وفلاسفةٍ يتأولون عامةَ الأخبارِ عن اللهِ وعن اليومِ الآخرِ، حتى عن أكثرِ أحوالِ الأنبياءِ، وما بين جهميةٍ ومعتزلةٍ يتأولون بعضَ ما جاءَ في اليومِ الآخرِ، وفي آياتِ القدرِ، ويتأولون آياتِ الصفاتِ، وقد وافقَهم بعضُ متأخري الأشعريةِ على ما جاءَ في بعضِ الصفاتِ، وبعضُهم في بعضِ ما جاءَ في اليومِ الآخرِ، وآخرون من أصنافِ الأمةِ وإن كانَ تغلبُ عليهم السنةُ، فقد يتأولون أيضًا مواضعَ يكونُ تأويلُهم من تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه)[14].
وذكرَ في موضعٍ آخرَ أمثلةً لهذه التأويلاتِ، فقالَ: (كتأويلِ من تأوَّلَ استوى بمعنى استولَى ونحوِه، فهذا عند السلفِ والأئمةِ باطلٌ لا حقيقةَ له، بل هو من بابِ تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه والإلحادِ في أسماءِ اللهِ وآياتِه.
فلا يقالُ في مثلِ هذا التأويلِ: لا يعلمُه إلا اللهُ والراسخون في العلمِ، بل يقالُ فيه: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ ﴾ [يونس: 18] كتأويلاتِ الجهميةِ والقرامطةِ الباطنيةِ، كتأويلِ من تأوَّل الصلواتِ الخمسَ بمعرفةِ أسرارِهم، والصيامَ بكتمانِ أسرارِهم، والحجَّ بزيارةِ شيوخِهم، والإمامَ المبينَ بعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وأئمةَ الكفرِ بطلحةَ والزبيرِ، والشجرةَ الملعونةَ في القرآنِ ببني أميةَ، واللؤلؤَ والمرجانَ بالحسنِ والحسينِ، والتينَ والزيتونَ وطورَ سينينَ، وهذا البلدِ الأمينِ بأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، والبقرةَ بعائشةَ، وفرعونَ بالقلبِ، والنجمَ والقمرَ والشمسَ بالنفسِ والعقلِ، ونحوَ ذلك.
فهذه التأويلاتُ من بابِ تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه والإلحادِ في آياتِ اللهِ، وهي من بابِ الكذبِ على اللهِ وعلى رسولِه وكتابِه، ومثلُ هذه لا تُجْعَلُ حقًّا حتى يقالَ: إن اللهَ استأثرَ بعلمِها، بل هي باطلٌ، مثلَ شهادةِ الزورِ، وكفرِ الكفارِ، يعلمُ اللهُ أنها باطلٌ، واللهُ يُعَلِّمُ عبادَه بطلانَها بالأسبابِ التي بها يعرفُ عبادُه، من نصبِ الأدلةِ، وغيرِها)[15].
وقالَ: (وهذا التأويلُ هو الذي يتكلمون عليه في أصولِ الفقهِ ومسائلِ الخلافِ، فإذا قالَ أحدُهم: هذا الحديثُ، أو هذا النصُّ مؤولٌ، أو هو محمولٌ على كذا، قالَ الآخرُ: هذا نوعُ تأويلٍ، والتأويلُ يحتاجُ إلى دليلٍ... وهو أيضًا التأويلُ الذي يتنازعون فيه في مسائلِ الصفاتِ إذا صنفَ بعضُهم في إبطالِ التأويلِ، أو ذمِّ التأويلِ، أو قالَ بعضُهم: آياتُ الصفاتِ لا تؤولُ، وقالَ الآخرُ: بل يجبُ تأويلُها، وقالَ الثالثُ: بل التأويلُ جائزٌ... إلخ)[16].
وبهذا يظهرُ بطلانُ القولِ الثالثِ وانحرافُه، وأنه ليسَ من أقوالِ السلفِ.
وأما القولان الأولُ والثاني:
فإنَّ الأولَ: هو معنى التأويلِ عند الصحابةِ والتابعين.
والثاني: هو معنى التأويلِ في القرآنِ نفسِهِ.
فمن قالَ: إن الراسخين في العلمِ يعلمون تأويلَه فقد أخذَ بالقولِ الأولِ، وهو أن معنى التأويلِ التفسيرُ.
ومن قالَ: إن الراسخين في العلمِ لا يعلمون تأويلَه، فقد أخذَ بالقولِ الثاني، وهو أن التأويلَ هو الحقيقةُ التي يؤولُ إليها الكلامُ، وهذا لا يعلمُه إلا اللهُ.
ولا تعارضَ بين هذين القولين، ولا اختلافَ، فالجميعُ يسلمُ بأن الراسخين في العلمِ يعلمون تأويلَه بمعنى تفسيرِه، ومن زعم أنهم لا يعلمون تأويلَه بمعنى تفسيرِه نازعَه فيه عامةُ الصحابةِ والتابعين الذين فسروا القرآنَ كلَّه، وقالوا بأنهم يعلمون معناه[17]، والراسخون في العلمِ لا يعلمون تأويلَه بمعنى الحقيقةِ التي يؤولُ إليها الكلامُ، وبهذا يظهرُ التوافقُ والتطابقُ والتكاملُ بينَ القولين.
الحكمةُ من ذكرِ المتشابهاتِ في القرآنِ الكريمِ:
ولأنَّ المتشابهَ منه ما يمكنُ علمُه للراسخين في العلمِ، ومنه ما لا يمكنُ علمُه ولا يعلمُه إلا اللهُ، فإن لذكرِ كلِّ نوعٍ حِكَمًا خاصةً أذكرُ بعضَها:
من حِكَم ذكرِ المتشابهِ الذي يمكنُ علمُه:
أولًا: الحثُّ على زيادةِ التفكرِ والتدبرِ في آياتِ القرآنِ الكريمِ، والبحثِ عن دقائقِه؛ ولذا كررَ القرآنُ الأمرَ بالتدبرِ كثيرًا ليظهرَ في الثانيةِ ما خفيَ في الأولى.
ثانيًا: ظهورُ التفاضلِ والتفاوتِ بين العلماءِ كلٌّ حسبَ طاقتِه وقدرتِه وما بذلَه من جهدٍ في التفكرِ والتدبرِ.
ثالثًا: زيادةُ الأجرِ والثوابِ؛ لأن الأجرَ على قدرِ المشقةِ، فمعرفةُ المتشابهِ أشقُّ وأصعبُ، وكلما كانَ الوصولُ إلى الحقِّ أشقَّ وأصعبَ، كانَ الأجرُ أعظمَ وأكبرَ، (وزيادةُ المشقةِ توجبُ زيادةَ الثوابِ، ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142])[18].
رابعًا: تحصيلُ العلومِ الكثيرةِ؛ لأن معرفةَ المتشابهِ تحتاجُ إلى آلاتٍ ووسائلَ؛ ليمكنَ بها معرفتُها كعلمِ اللغةِ والنحوِ، وأصولِ الفقهِ[19]، وغيرِ ذلك من العلومِ والمعارفِ.
خامسًا: حملُ الناسِ على تلقي العلمِ جثيًّا على الركبِ من الراسخين في العلمِ، واضطرارُهم لذلك، فإنهم إذا حضروا مجالسَهم حَصَّلُوا علومًا أخرى، وآدابًا أكملَ، وعرفوا شأنَ العلماءِ، وعلوَّ مقامِهم، ووالوهم وزادَتْ محبتُهم.
سادسًا: بيانُ فضلِ العلماءِ الراسخين في العلمِ وعلوِّ مقامِهم ومكانتِهم واختلافِ مراتبِهم.
سابعًا: تعظيمُ شأنِ القرآنِ، وبيانُ علوِّ معانِيه وسموِّها، واحتياجُ الناسِ لمعرفتِها إلى التزودِ بالعلومِ والمعارفِ؛ حتى يرتقوا إلى مداركِها، ويحظوا بمعانيها.
ثامنًا: زيادةُ التعلقِ بمعاني القرآنِ، فإن الإنسانَ إذا حصَّلَ الشيءَ بمشقةٍ كانَ تمسكُه به، ومحافظتُه عليه، واهتمامُه به أكبرَ.
تاسعًا: بيانُ رحمةِ اللهِ وفضلِه بالأمةِ؛ إذ لو كانَ القرآنُ كلُّه من هذا النوعِ، لكانَ في تحصيلِه مشقةٌ عظيمةٌ على الأمةِ، فاقتضَتْ رحمةُ اللهِ أن يجعلَ من القرآنِ ما هو محكمٌ يدركُ الناسُ معناه وهو أكثرُ القرآنِ[20]، وما يحتاجون إليه في أمورِ دينِهم ضرورةً؛ ومنه أخرُ متشابهاتٌ لا يدركُها إلا الراسخون في العلمِ، وتذكرُ الناسَ بنعمةِ الآياتِ المحكماتِ.
وقريبٌ من هذا المعنى حكمةُ نسخِ الحكمِ وبقاءِ التلاوةِ؛ إذ إن فيه تذكيرًا بالنعمةِ في رفعِ المشقةِ.
من حِكَمِ ذكرِ المتشابهِ الذي لا يمكنُ علمُه:
أولًا: رحمةُ اللهِ بالإنسانِ الذي لا يطيقُ معرفةَ كلِّ شيءٍ، ولو كشفَ اللهُ الحجبَ للبشرِ لعمَّتِ الأضرارُ، وانتفتِ المصالحُ، فلو علمَ الناسُ حقيقةَ جهنمَ وما فيها من ألوانِ العذابِ ورأوه رأيَ العينِ، لقضى عليهم الخوفُ، وانقطعَتْ قواهم عن العملِ رهبةً، ولو علمَ الناسُ بموعدِ قيامِ الساعةِ، لقعدوا عن الاستعدادِ لها، ولو علموا بموعدِ آجالِهم، لعمَّ الفسادُ، وانقطعَ بابُ العملِ الصالحِ عند كثيرٍ من الناسِ حتى موعدِ وفاتِهم، ولو علموا بما سيرزقون لاتكلوا وانقطعوا عن العملِ.
ثانيًا: إقامةُ الحجةِ على عجزِ الإنسانِ وجهلِه، وقصورِ قواه ومداركِه، فمهما بلغَ من العلمِ والمعرفةِ، ومهما تقدمَ في الاكتشافاتِ، وجالَ في الفضاءِ، وهبطَ على القمرِ، إلا أنه يبقى حائرًا جاهلًا أمام أشياءَ قريبةٍ منه كلَّ القربِ؛ كالروحِ مثلًا ما هي؟ وما وقتُ خروجِها؟ وغيرِ ذلك كثير، وليسَ له إلا أن يقولَ ما قالتْهُ الملائكةُ: ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32].
ثالثًا: ابتلاءُ العبادِ واختبارُهم بالوقوفِ عند ما استأثرَ اللهُ بعلمِه، والإيمانِ بالغيبِ: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7].
نزلَ القرآنُ الكريمُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ.
وفي اللغةِ العربيِة صيغٌ عامةٌ تشملُ جماعةَ المخاطبين، وفيها ألفاظٌ خاصةٌ، وأحيانًا يكونُ اللفظُ عامًّا ويرادُ به الخصوصُ، والعكسُ كذلك.
وفي القرآنِ الكريمِ ألفاظٌ نحتْ هذا النحوَ، ففيه صيغٌ تفيدُ العمومَ ويرادُ بها العمومُ، وألفاظٌ تفيدُ الخصوصَ ويرادُ بها الخصوصُ، وألفاظٌ تفيدُ العمومَ إلا أنه يرادُ بها الخصوصُ، وألفاظٌ تفيدُ الخصوصَ إلا أنه يرادُ بها العمومُ، والقرائنُ توضحُ ذلك وتزيلُ اللبسَ، ويبقى بعد ذلك ألفاظٌ هي موضعُ خلافٍ بين العلماءِ تؤثرُ في استنباطِ بعضِ الأحكامِ.
وهذا يظهرُ مكانةَ علمِ (العامِّ والخاصِّ)، وأثرَه في استنباطِ الأحكامِ؛ ولذا نجدُ بسطَ مباحثِه في كتبِ أصولِ الفقهِ خاصةً.
ونظرًا لتعلقِ الاستنباطِ بآياتِ القرآنِ فقد درسَه أيضًا أربابُ العلومِ القرآنيةِ، وأفردوه بمباحثَ خاصةٍ في بطونِ مؤلفاتِهم، وسأعرضُ لبعضِ قضاياه المتعلقةِ بالقرآنِ، مُعْرِضًا عن المباحثِ الأصوليةِ الخاصةِ.