العامُّ
العَمَمُ: عِظَمُ الخَلْق في الناسِ وغيرِهم، والعَمَمُ: الجسمُ التامُّ... وأمرٌ عَمَمٌ: تامٌّ عامٌّ.
وعَمَّهم الأمرُ يعمُّهم عمومًا: شملَهم، يقالُ: (عمَّهم بالعطيةِ).
والعامَّةُ: خلافُ الخاصةِ[1].
هو: اللفظُ المستغرقُ لجميعِ ما يصلحُ له بحسبِ وضعٍ واحدٍ، من غيرِ حصرٍ.
فقولُنا: (الرجالُ) يستغرقُ جميعَ ما يصلحُ له، ولا يدخلُ فيه النكرةُ مثلَ (رجلٌ)؛ لأنه يصلحُ لكلِّ واحدٍ من الرجالِ، لكنَّه لا يستغرقُهم.
ولا التثنيةُ ولا الجمعُ؛ لأنَّ لفظَ (رجلان) وَ(رجالٌ) يصلحان لكلِّ اثنين وثلاثةٍ، ولا يفيدان الاستغراقَ.
وقولُنا: (بحسبِ وضعٍ واحدٍ) للاحترازِ من اللفظِ المشتركِ، أو الذي له حقيقةٌ ومجازٌ، فإن عمومَه لا يقتضي أن يتناولَ مفهوميه معًا.
فإذا قلتَ: (رأيتُ كُلَّ العيونِ) فإن في لفظِ العيونِ اشتراكًا حيثُ تشملُ:
1- عيونَ الماءِ الجاريةِ.
2- العيونَ المبصرةَ... وغيرَ ذلك.
وأنت لا تريدُ كلَّ هذه المعاني، وإنما تريدُ أحدَها، فلا يقتضي العمومَ أن يشملَ كلَّ معاني اللفظِ؛ بل بحسبِ وضعٍ أو معنى واحدٍ من معانيه المختلفةِ.
وقولُنا: (من غيرِ حصرٍ) يخرجُ أسماءَ الأعدادِ، فهي تدلُّ على كثرةٍ معينةٍ محدودةٍ، فإن كانتِ الكثرةُ كثرةً معينةً بحيثُ لا يتناولُ ما بعدها فهو اسمُ العددِ، وإن لم تكنِ الكثرةُ كثرةً معينةً فهو العامُّ.
وقيلَ في تعريفِه أيضًا:
العامُّ هو: اللفظُ الدالُّ على شيئين فصاعدًا، من غيرِ حصرٍ.
وقد تعقبَ القرافيُّ هذا التعريفَ بأجزائِه، وبمجموعِ حدِّه، ونقضِه بأمورٍ، منها:
أولًا: جموعُ التكسيرِ: وهي على قسمين:
1- جموعُ القلةِ: من الثلاثةِ إلى العشرةِ، وهي ما جاءَتْ على أوزانٍ:
أ- أَفْعُل: أَفْلُس، وأَكْلُب.
ب- أفعال: أحمال.
جـ- أَفْعِلة: أَقْفِزة، وأَجْرِبة.
د- فِعْلَة: صِبْيَة، غِلْمَة.
وهذه ألفاظٌ تدلُّ على أكثرَ من شيئين، وليستْ عامةً.
2- جموعُ الكثرةِ: وهي موضوعةٌ لما فوقَ العشرةِ، فيصدقُ عليها التعريفُ.
ثانيًا: ومنها ألفاظٌ نكراتٌ مفرداتٌ وُضِعَتْ لما فوقَ الاثنين، مع أنها ليسَتْ من العمومِ إجماعًا، مع صدقِ الحدِّ عليها؛ نحوَ كثيرٍ، وعددٍ.
ثالثًا: ألفاظٌ من هذا النمطِ؛ مثلَ: طائفةٍ، فرقةٍ، رهطٍ، فإنها تتناولُ الثلاثةَ فصاعدًا من غيرِ حصرٍ، ولا تفيدُ العمومَ[2].
وهناك تعريفاتٌ أخرى كثيرةٌ، وأشملُ هذه التعريفاتِ وأصحُّها هو الأولُ.
وللعمومِ صيغٌ كثيرةٌ تدلُّ عليه، ذكرَ منها القرافيُّ مئتين وخمسين صيغةً[3]، ومنْ هذه الصيغِ:
1- كلُّ: وهيَ أقوى صيغِ العمومِ، وتدلُّ عليه؛ سواءٌ كانَتْ للتأسيسِ، مثلَ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ ﴾ [آل عمران: 185]، ومثلَ: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧ ﴾ [الرحمن: 26 - 27]، أو للتأكيدِ، مثلَ: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [ص: 73]، ومثلَ: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ ﴾ [الزمر: 62].
ومثلُها: جميعُ: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ﴾ [فاطر: 10]، وديارًا: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ [نوح: 26].
2- الأسماءُ الموصولةُ: مثلَ: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ﴾ [الأحقاف: 17]، ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ ﴾ [النساء: 16]، و ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ﴾ [البقرة: 275]، ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ [البقرة: 164]، ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ﴾ [النساء: 15].
3- أسماءُ الشرطِ: مثلَ: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء: 92]، ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ ﴾ [البقرة: 197]، ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ ﴾ [الإسراء: 110].
4- أسماءُ الاستفهامِ: كقولِه تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾ [البقرة: 245]، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ ﴾ [البقرة: 255].
ومَنْ تفيدُ العمومَ إذا كانتْ شرطيةً أو استفهاميةً، أما إذا كانتْ موصولةً مثلَ: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ ﴾ [الأنعام: 25]، فإنها قد تكونُ للعمومِ، وقد تكونُ للخصوصِ، والقرائنُ هي التي تفيدُ العمومَ أو الخصوصَ.
5- المُعرَّفُ بأل التي ليستْ للعهدِ وإنما للاستغراقِ؛ سواءٌ كان جمعًا، مثلَ: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ﴾ [البقرة: 228]، أو مفردًا مثلَ: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ ﴾ [البقرة: 275]، ومثلَ: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 38]، أو اسمَ جنسٍ؛ وهو الذي لا واحدَ له من لفظِه مثلَ الناسِ، الحيوانِ، الماءِ، الترابِ، فالناسُ في قولِه تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ [الناس: 1] تفيدُ العموم، أو مثنى كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ [النساء: 23]، أي: كلُّ أختين لا يجوزُ الجمعُ بينهما.
وعلامةُ (أل) المستغرقةُ للجنسِ أن يصحَّ حلولُ (كلّ) محلَّها، وأن يصحَّ الاستثناءَ من عمومِها.
6- كلُّ ما أضيفَ إلى معرفةٍ؛ سواءٌ كانَ مفردًا، أو مثنى، أو جمعًا، أو اسمَ جنسٍ[4] مثلَ: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ [النور: 63]، ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ [التوبة: 103]، ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42]، وفي الاستثناءِ هنا إشارةٌ إلى عمومِ اللفظِ.
7- النكرةُ في سياقِ النفيِ أو النهيِ أو الشرطِ.
مثالُها في سياقِ النفيِ: قولُه تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ ﴾ [البقرة: 197]، ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴾ [الصافات: 47][5]، ومثالُها في النهيِ: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ﴾ [التوبة: 84]، فإنَّ (أحدٍ) نكرةٌ بعد نهيٍ فتفيدُ العمومَ، ومثل: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23]، ومثالُها في الشرطِ: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾ [التوبة: 6].
أما إذا كانَتِ النكرةُ في سياقِ الإثباتِ فلا تفيدُ العمومَ، فإذا قلتَ: (ما رأيتُ رجلًا) فهو نفيٌ يفيدُ العمومَ، وإذا قلتَ: (رأيتُ رجلًا) فهو إثباتٌ لا يفيدُ العمومَ.
وأقسامُ العامِّ ثلاثةٌ:
1- العامُّ الذي لا يدخلُه التخصيصُ:
وهو العامُّ الذي لا يمكنُ تخصيصُه.
وهذا النوعُ قليلٌ جدًّا؛ إذ الأصلُ في العمومِ أن يقبلَ التخصيصَ.
ومع أن البلقينيَّ قالَ عن هذا النوعِ: (ومثالُه عزيزٌ، إذْ ما من عامٍّ إلا ويُتَخَيَّلُ فيه التخصيصُ)[6]، إلا أن الزركشيَّ قالَ: (وهوَ كثيرٌ في القرآنِ)[7].
وقد جمعَ السيوطيُّ بينهما بأن مرادَ البلقينيِّ أنه عزيزٌ في الأحكامِ الفرعيةِ، ومرادَ الزركشيِّ أنه كثيرٌ في غيرِ الأحكامِ الفرعيةِ[8].
ومثالُ هذا النوعِ: قولُه تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النساء: 176]، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ [النساء: 23]، ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284]، فالعمومُ هنا لا يمكنُ تخصيصُه.
2- العامُّ الذي يدخلُه التخصيصُ:
وهو الذي يمكنُ تخصيصُه.
ولعلَّ هذا النوعَ هو أشهرُ أنواعِ العمومِ، والذي ينصرفُ إليه الذهنُ عند إطلاقِ العمومِ، وهو ميدانُ الخلافِ بين العلماءِ في تخصيصِه أو بقائِه على عمومِه.
وأمثلتُه في القرآنِ كثيرةٌ؛ منها: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ [آل عمران: 97]، فلفظُ (الناسِ) عامٌّ خُصِّصَ بقولِه: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ .
ومنها: قولُه تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 180]، فلفظُ: (أحدَكم) يفيدُ العمومَ، وخُصِّصَ بقولِه: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ .
ومنها: قولُه تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ﴾ [البقرة: 228]، فلفظُ: (المطلقاتُ) عامٌّ يشملُ الحاملَ وغيرَ الحاملِ، وخُصِّصَ بقولِه تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ ﴾ [الطلاق: 4]، وغيرُ ذلك من الأمثلةِ.
3- العامُّ المرادُ به الخصوصُ:
وهو ما دلَّ لفظُه على العمومِ ودلَّت القرينةُ على الخصوصِ، كقولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ ﴾ [البقرة: 13]، والمرادُ بالناسِ عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ، فالآيةُ دعوةٌ لليهودِ إلى أن يؤمنوا كما آمنَ عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ[9]رضي الله عنه، وقد كانَ يهوديًّا، ثم إن الناسَ لم يؤمنوا كلُّهم، فدلتِ القرينةُ على وجوبِ حملِه على فئةٍ منهم.
ومن أمثلتِه أيضًا: قولُه تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ [آل عمران: 173].
قالَ الزركشيُّ: (وعمومُه يقتضي دخولَ جميعِ الناسِ في اللفظين جميعًا، والمرادُ بعضُهم؛ لأن القائلين غيرُ المقولِ لهم، والمرادُ بالأولِ: نعيمُ بنُ مسعودٍ[10]، والثاني: أبو سفيانَ وأصحابُه).
قالَ الفارسيُّ: (وممَّا يقوِّي أن المرادَ بالناسِ في قولِه: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ واحدٌ، قولُه: ﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [آل عمران: 175]، فوقعتِ الإشارةُ بقولِه: ﴿ ذَٰلِكُمُ ﴾ إلى واحدٍ بعينِه، ولو كانَ المعنيُّ به جمعًا لكانَ: إنما أولئكم الشياطينُ[11]، فهذه دلالةٌ ظاهرةٌ في اللفظِ)[12]، وإنما وُصِفَ نعيمٌ بأنه الناسُ؛ لقيامِه مقامَ كثيرٍ في تثبيطِه المؤمنين عن ملاقاةِ أبي سفيان[13].
ومن أمثلتِه قولُه تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ ﴾ [النساء: 54]، والمرادُ بالناسِ هنا رسولُ اللهِ ﷺ.
ومن أمثلتِه: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 199]، والمرادُ إبراهيمُ عليه السلام، أو العربُ من غيرِ قريشٍ.
ومنها: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾ [آل عمران: 39]، والمرادُ بالملائكةِ جبريلُ عليه السلام.
ونستطيعُ بعد هذا أن نذكرَ تعريفًا آخرَ لأقسامِ العامِّ الثلاثةِ، فنقولَ:
1- عامٌّ مقيدٌ بالعمومِ، بحيثُ لا ينفكُّ عن العمومِ، مثلَ: ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284].
2- عامٌّ مطلقٌ يمكنُ أن يبقى على عمومِه، ويمكنُ تخصيصُه، مثلَ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ [آل عمران: 97]، فلو لم يقلْ: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ لبقيَ عامًّا، فهو قابلٌ للعمومِ والخصوصِ.
3- عامٌّ مقيدٌ بالخصوصِ، لا يمكنُ أن يرادَ به العمومُ، ولا ينفكُّ عن الخصوصِ، مثلَ: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 199].
الفرقُ بينَ العامِّ المرادِ به الخصوصُ والعامِّ الذي يدخلُه التخصيصُ[14]:
وبينَ العامِّ المرادِ به الخصوصُ والعامِّ الذي يمكنُ أن يدخلَه التخصيصُ -فروقٌ، منها:
1- أن العامَّ المرادَ به الخصوصُ لا يرادُ شمولُه لجميعِ الأفرادِ، ويُدْرَكُ ذلك من أولِ وهلةٍ[15]، وأما العامُّ الذي يدخلُه التخصيصُ، فأُرِيدَ به العمومُ في أولِ الأمرِ، وشمولُه لجميعِ أفرادِه، فلفظُ: (الناسُ) في قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ الآية [آل عمران: 173] يدركُ السامعُ لأولِ وهلةٍ خصوصَها، وأنه لا يمكنُ أن يرادَ بها العمومُ؛ لامتناعِ ذلك، أما لفظةُ: (الناسِ) في قولِه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ يدركُ السامعُ أن المرادَ بها جميعُ الناسِ، ولا يُحَوِّلُه عن هذا العمومِ إلا قولُه: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ .
2- الأولُ مجازٌ قطعًا؛ لنقلِ اللفظِ عنْ موضعِه الأصليِّ وهو العمومُ، واستعمالِه في بعضِ أفرادِه، بخلافِ الثاني فاستعملَ اللفظَ بمعناه الحقيقيِّ، وعليه أكثرُ الشافعيةِ، وكثيرٌ من الحنفيةِ، وجميعُ الحنابلةِ، ونقلَه الجوينيُّ عن جميعِ الفقهاءِ.
3- أن قرينةَ الأولِ عقليةٌ لا تنفكُّ عنه، وقرينةَ الثاني لفظيةٌ وقد تنفكُّ عنه.
4- أن الأولَ يصحُّ أن يرادَ به واحدٌ اتفاقًا، مثلَ: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 199] يعني: إبراهيمَ عليه السلام، أما الثاني ففي تخصيصِ عمومِه بحيثُ لا يُرَادُ به إلا واحدٌ بعدَ العمومِ -خلافٌ[16].