حجم الخط:

محتوى الدرس (42)

الخـاصُّ

[معناه]

الخاصُّ لغةً:

يقالُ: (خَصَّه بالشيءِ يَخُصُّه خَصًّا...) أفردَه به دونَ غيرِه.

ويقالُ: (اختصَّ فلانٌ بالأمرِ)، و(تخصصَ له): إذا انفردَ[1].

وفي الاصطلاحِ:

الخاصُّ: هو اللفظُ الذي لا يستغرقُ الصالحُ له من غيرِ حصرٍ.

أما التخصيصُ فهو: قصرُ العامِّ على بعضِ أفرادِه[2].

وقيلَ: إخراجُ بعضِ ما تناولَه الخطابُ عنه[3].

والمرادُ من قولِنا: (قصرُ العامِّ) قصرُ حكمِه، وإن بقيَ لفظُه على عمومِه، فيكونُ العمومُ باللفظِ لا بالحكمِ، وبذلك يخرجُ العامُّ الذي يرادُ به الخصوصُ، فإن ذلك قصرُ إرادةِ لفظِ العامِ، لا قصرُ حكمِه[4].

ومثالُ التخصيصِ قولُه تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ [البقرة: 228]، فلفظُ المطلقاتِ عامٌّ يشملُ كلَّ مطلقةٍ، لكنَّ حكمَه مخصوصٌ بقولِه تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ [الطلاق: 4].

حكمُ تخصيصِ العمومِ:

قالَ الشوكانيُّ رحمه الله: (اتفقَ أهلُ العلمِ سلفًا وخلفًا على أنَّ التخصيصَ للعموماتِ جائزٌ، ولم يخالفْ في ذلك أحدٌ ممن يُعْتَدُّ به، وهو معلومٌ من هذه الشريعةِ المطهرةِ، لا يخفى على من له أدنى تمسكٍ بها)[5].

وهو جائزٌ مطلقًا، سواءٌ كانَ أمرًا، مثلَ: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ [النور: 33]، أو نهيًا، مثلَ: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ [البقرة: 222]، أو خبرًا، مثلَ: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٣٠ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ٣١ [الحجر: 30، 31].

الفروقُ بينَ التخصيصِ والنسخِ:

بينَ التخصيصِ والنسخِ فروقٌ، منها[6]:

1- أن التخصيصَ يدلُّ على أن ما خرجَ عن العمومِ لم يكنْ مرادًا، والنسخَ يدلُّ على أن المنسوخَ كان مرادًا.

2- أن النسخَ يشترطُ تراخيه عن المنسوخِ، والتخصيصَ يجوزُ اقترانُه كالتخصيصِ بالصفةِ والشرطِ والاستثناءِ.

3- أن النسخَ رفعُ الحكمِ بعد ثبوتِه، والتخصيصَ بيانٌ للمحلِّ الذي لم يثبتِ الحكمُ فيه؛ بمعنى أن النسخَ يثبتُ فيه الحكمُ ثم يُرْفَعُ، أما التخصيصُ فإن الحكمَ في المخصوصِ لم يثبتْ فيه أصلًا، فلا يحتاج إلى رفعٍ.

4- أن التخصيصَ قد يقعُ بخبرِ الواحدِ وبالقياسِ، والنسخَ لا يقعُ بهما.

5- أن التخصيصَ يكونُ في الأخبارِ، والنسخَ لا يقعُ فيها.

6- أن النسخَ لا تبقى معه دلالةُ اللفظِ على ما تحتَه، والتخصيصَ لا يمتنعُ معه ذلك.

قالَ الشوكانيُّ رحمه الله: (التخصيصُ تركُ بعضِ الأعيانِ، والنسخُ تركُ الأعيانِ)[7].

7- أنه لا يجوزُ تخصيصُ شريعةٍ بشريعةٍ، أما النسخُ فيجوزُ؛ كما نُسِخَتِ النصرانيةُ بالإسلامِ.

8- أن التخصيصَ لا يردُ إلا على العامِّ، أما النسخُ فيردُ على العامِّ والخاصِّ.

وبهذا يظهرُ أن النسخَ ليسَ بتخصيصٍ.

أقسامُ المخصصِ:

والمخصصُ ينقسمُ إلى قسمين:

القسمُ الأولُ: المخصصُ المتصلُ:

وهو خمسةُ أنواعٍ، هي:

1- الاستثناءُ:

كقولِه تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ [القصص: 88]، وكقولِه سبحانه: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل: 106].

2- الصفـةُ:

والمرادُ بها الصفةُ المعنويةُ على ما حققَه علماءُ البيانِ، لا مجردُ النعتِ المذكورِ في علمِ النحوِ.

قالَ الجوينيُّ: (الوصفُ عند أهلِ اللغةِ معناه التخصيصُ).

وقالَ المازريُّ: (ولا خلافَ في اتصالِ التوابعِ، وهي: النعتُ والتوكيدُ والعطفُ والبدلُ)[8].

وعلى هذا فالمرادُ بالصفةِ هنا كلُّ ما أشعرَ بمعنًى يتصفُ به أفرادُ العامِّ؛ سواءٌ كانَ الوصفُ نعتًا، أو عطفَ بيانٍ، أو حالًا؛ وسواءٌ كانَ مفردًا، أو جملةً، أو شبهَ جملةٍ[9].

ومن الأمثلةِ على ذلك قولُه تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ [النساء: 25]، فلفظُ: (فتياتِكم) عامٌّ يشملُ المؤمناتِ والكافراتِ، لكنَّه خُصِّصَ بوصفِ: (المؤمناتِ).

ومن الأمثلةِ قولُه تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء: 23]، فلفظ: (نسائِكم) يشملُ جميعَ الزوجاتِ المدخولَ بهن، وغيرَ المدخولِ بهن، ولكنْ خُصِّصَ العمومُ بوصفِ: ﴿ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ .

3- الشـرطُ:

ومن أمثلتِه: قولُه تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ [النساء: 12]، فلفظُ: (أزواجُكم) عامٌّ يشملُ ذاتَ الولدِ وغيرَها، وخُصِّصَ بالشرطِ: ﴿ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ ، فالزوجةُ التي يرثُ الزوجُ نصفَ مالِها هي غيرُ ذاتِ الولدِ.

ومن الأمثلةِ: قولُه تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: 180]، فقولُه: (أحدَكم) عامٌّ يوجبُ الوصيةَ على من تركَ مالًا وغيرَه، وخُصِّصَ بالشرطِ: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ، فأصبحتِ الوصيةُ واجبةً على من تركَ مالًا دونَ الآخرِ.

ومن ذلك: قولُه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ [النور: 33]، فالاسمُ الموصولُ (الذين) يفيدُ العمومَ، وخُصِّصَ بشرطِ: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ .

4- الغايـةُ:

والمرادُ بها: نهايةُ الشيءِ المقتضيةُ لثبوتِ الحكمِ قبلَها، وانتفائِه بعدَها، ولها لفظان: (حتى) و(إلى).

ومثالُ الأولِ: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ [البقرة: 222].

ومثالُ الثاني: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة: 6].

5- بدلُ البعضِ من الكلِّ:

وذلك كقولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ [المائدة: 71]، فقولُه: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا يفيدُ العمومَ، وخُصِّصَ ببدلِ البعضِ: ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ .

وكقولِه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ [آل عمران: 97]، فلفظُ: ﴿ النَّاسِ يفيدُ العمومَ، وخُصَّ بالبدلِ: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ بدلِ بعضٍ من كلٍّ.

هذه أنواعُ المخصصِ المتصلِ.

القسمُ الثاني: القسمُ المنفصلُ:

وهو أن يكونَ المخصصُ في موضعٍ آخرَ غيرَ متصلٍ باللفظِ العامِّ اتصالًا لفظيًّا.

وهو أنواعٌ، منها:

1- التخصيصُ بآيةٍ:

فقولُه تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ [البقرة: 228] عامٌّ يشملُ كلَّ مطلقةٍ، إلا أنه خَصَّ الحواملَ في قولِه تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ [الطلاق: 4]، كما خصَّ الآيساتِ من الحيضِ: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: 4]، وخصَّ غيرَ المدخولِ بها، قالَ تعالى: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ [الأحزاب: 49].

وقولُه تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ [البقرة: 221] يشملُ كلَّ مشركةٍ كتابيةً كانت أو غيرَ كتابيةٍ، وجاءَ التخصيصُ في قولِه تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [المائدة: 5]، فخصَّ الكتابيةَ منَ المشركاتِ بجوازِ الزواجِ منها.

2- التخصيصُ بالسنةِ قولًا كانَ أو فعلًا:

فقولُه تعالى بعدَ أنْ عددَ المحرماتِ من النساءِ: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ [النساء: 24] مخصوصٌ بحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ : «لا تنكحُ المرأةُ على عمتِها، ولا على خالتِها»[10]، حيث خصَّ أربعَ نساءٍ، وهنَّ عمةُ الزوجةِ وخالتُها، وابنةُ أخيها، وابنةُ أختِها.

وقولُه تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ [النساء: 11] عامٌّ يدلُّ على أن جميعَ الأولادِ يرثون من آبائِهم، لكنَّه مخصوصٌ بقولِ الرسولِ : «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ»[11]، وبقولِه : «لا يرثُ القاتلُ شيئًا»[12]، وبما رواه أبو بكرٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ: «لا نورثُ، ما تركناهُ صدقةٌ»[13]، فخرجَ أولادَ الأنبياءِ، فإنَّهم لا يرثونَ.

وقولُه تعالى في المطلقةِ البائنِ: ﴿ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ [البقرة: 230]، وهذا عامٌّ في العقدِ والوطءِ، وخصَّه قولُ الرسولِ لامرأةِ رفاعةَ: «لا، حتى تذوقي عسيلتَه ويذوقَ عسيلتَك»[14].

وقولُه تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ [النور: 2] عامٌّ يشملُ المحصنَ وغيرَ المحصنِ، وتواترَ عنه أنه رجمَ المحصنَ، وهو فعلٌ.

3- التخصيصُ بالإجماعِ:

ومذهبُ جمهورِ العلماءِ أن الإجماعَ من مخصصاتِ العمومِ المنفصلةِ، وهناكَ ما يرى أنَّ المخصصَ هو دليلُ الإجماعِ، وليسَ الإجماعَ نفسَه، ومن الأمثلةِ قولُه تعالى: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9]، وهو عامٌّ يشملُ الحرَّ والعبدَ، والذكرَ والأنثى، وأجمعوا على أنه لا جمعةَ على عبدٍ ولا امرأةٍ[15].

وكقولِه تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ [النساء: 11]، فهو عامٌّ يشملُ كلَّ الأولادِ الأحرارِ والأرقاءِ، وخصَّ الرقيقَ بالإجماعِ؛ لأن الرقَّ مانعٌ من الإرثِ.

4- التخصيصُ بالقياسِ:

وذلك في قولِه تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ [النور: 2] فهو عامٌّ يشملُ كلَّ زانٍ؛ حرًّا أو عبدًا، وكلَّ زانيةٍ حرةً أو أَمَةً، لكنَّ الأَمَةَ خُصِّصَتْ بآيةٍ أخرى هي قولُه تعالى: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ [النساء: 25]، ولم يردْ في العبدِ نصٌّ، فقاسَه العلماءُ على الأَمَةِ بجامعِ الرقِّ في كُلٍّ، فيكونُ حكمُه نصفَ ما على الأحرارِ من الرجالِ.

وهناك أيضًا أنواعٌ منَ المخصصاتِ المنفصلةِ؛ كالتخصيصِ بالعقلِ، وبالحسِّ، وبالعادةِ، وقرائنِ الأحوالِ، وبالمفهومِ، وقولِ الصحابيِّ، وبالسياقِ، وبقضايا الأعيانِ[16].

حكمُ تخصيصِ السنةِ بالقرآنِ:

إذا كانَ القرآنُ الكريمُ يُخَصَّصُ بالسنةِ، فهل تُخَصَّصُ السنةُ بالقرآنِ؟

الجوابُ: اختلفَ العلماءُ في ذلك، وجمهورُ أهلِ العلمِ على جوازِه[17]، وعدَّ السيوطيُّ أمثلةَ ذلك من العزيزِ، يعني: القليلَ أو النادرَ.

ثمَّ ذكرَ أمثلةَ ذلك[18]:

كقولِ الرسولِ : «أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولُوا: لا إلهَ إلا اللهُ»[19]، فإنَّه مخصوصٌ بقولِه تعالى: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ [التوبة: 29].

ونهيُ الرسولِ عن الصلاةِ في الأوقاتِ المكروهةِ عامٌّ يشملُ النوافلَ وقضاءَ الفرائضِ، وهو مخصوصٌ بقولِه تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ [البقرة: 238]، والمحافظةُ على الصلواتِ تقتضي قضاءَ الفوائتِ في كلِّ وقتٍ حتى أوقاتِ النهيِ.

وقولُ الرسولِ : «ما أُبينَ من حيٍّ فهو ميتٌ»[20] عامٌّ في تحريمِ كلِّ ما يُقْطَعُ من البهيمةِ وهي حيةٌ، وخصصَهُ قولُه تعالى: ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [النحل: 80].

وقولُه عليه الصلاة والسلام: «لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مرةٍ سويٍّ»[21] عامٌّ يشملُ الأغنياءَ والأقوياءَ، وهو مخصوصٌ بقولِه تعالى: ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة: 60]؛ حيثُ يحلُّ لهم الأخذُ من الزكاةِ حتى ولو كانوا أغنياءَ وأقوياءَ.

وقولُه : «إذا التقى المسلمان بسيفيْهما فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ»[22] عامٌّ مخصوصٌ بقولِه تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [الحجرات: 9].

عمومُ الخطابِ وخصوصُه:

وتحتَه مسائلُ:

[الخطاب الخاص بالرسول]

المسألة الأولى: الخطابُ الخاصُّ بالرسولِ هلْ يشملُ الأمةَ أم لا؟

كقولِه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ [الأحزاب: 1] وقولِه سبحانَه: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة: 41].

الجوابُ: للعلماءِ في ذلك قولان:

الأولُ: أنه يشملُ الأمةَ؛ لأنَّ أمرَ القدوةِ أمرٌ لأتباعِه معه عُرفًا[23] إلَّا ما دلَّ الدليلُ على أنه من خواصِّه؛ كقولِه تعالى: ﴿ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ [الأحزاب: 50]، فلو كانَ الخطابُ الخاصُّ بالرسولِ لا يشملُ الأمةَ لما احتاجَ إلى التخصيصِ بقولِه: ﴿ خَالِصَةً لَكَ .

الثاني: قولُ الأصوليين: أنه لا يشملُ الأمةَ، وذلك لخصوصِ اللفظِ، وإن شملَهم فبدليلٍ آخرَ، لا بمجردِ النصِّ المذكورِ[24].

[الخطاب العام يشمل الرسول]

المسألةُ الثانيةُ: الخطابُ العامُّ بلفظِ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ و ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هل يشملُ الرسولَ أم لا؟

الجوابُ: للعلماءِ في ذلك أقوالٌ:

الأولُ: أنه يشملُ الرسولَ ؛ لعمومِ الصيغةِ، وعليه الأكثرون، واختارَه الغزاليُّ والآمديُّ وابنُ الحاجبِ، والرازيُّ، وابنُ قدامةَ، وأبو يعلى وأبو الخطابِ الحنبليُّ.

الثاني: أنه لا يشملُه؛ لما له من الخصائصِ دونَ الأمةِ، وهو قولُ الشيرازيِّ.

الثالثُ: فيه تفصيلٌ: إن كانَ الخطابُ موجهًا لأمتِه، مثلَ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآيةَ [آل عمران: 110] فلا يدخلُ.

قالَ بعضُهم: بلا خلافٍ[25]، وإن كانَ الخطابُ بلفظٍ يشملُ الرسولَ نحوَ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ و ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و ﴿ يَا عِبَادِ فإنَّه يشملُه.

الرابعُ: إن سُبِقَ الخطابُ بلفظِ: (قُلْ) لم يشملْه؛ كقولِه: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: 158] وإلا شملَه، وهو قولُ الصيرفيِّ والحليميِّ.

[الخطاب العام يشمل الكفار]

المسألةُ الثالثةُ: الخطابُ العامُّ بلفظِ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ هل يشملُ الكفارَ أم لا؟

وذلك نحوُ قولِه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1].

الجوابُ: للعلماءِ في ذلك قولان:

الأولُ: أنه يشملُهم؛ لعمومِ الصيغةِ، وهم من الناسِ.

وهو قولُ الجمهورِ[26].

الثاني: أنه لا يشملُهم؛ لعدمِ تكليفِهم بالفروعِ.

المسألةُ الرابعةُ: الخطابُ العامُّ بلفظِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، مثلَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: 278]، وقولِه سبحانَه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: 90] هل يشملُ الكافرَ أم لا؟

الجوابُ: للعلماءِ في ذلك قولان:

الأولُ: أنه لا يشملُ الكفارَ؛ لأنهم غيرُ مخاطبين بالفروعِ.

الثاني: أنه يشملُهم؛ لعمومِ التكليفِ بهذه الأمورِ، واختصاصِ المؤمنين بالخطابِ للتشريفِ.

وقد ثبتَ تحريمُ الربا في حقِّ أهلِ الذمةِ.

قالَ الزركشيُّ: (وفيه نظرٌ، والخلافُ يرجعُ إلى أنَّ الكفارَ هل هم مُخاطَبون بالفروعِ أم لا؟).

[صيغة جمع المذكر تشمل النساء]

المسألةُ الخامسةُ: صيغةُ الجمعِ المذكرِ التي تفيدُ العمومَ، هل تشملُ النساءَ أم لا؟

الجوابُ: في ذلك تفصيلٌ:

1- إن كانَ الجمعُ يتناولُ الذكورَ والإناثَ لغةً ووصفًا مثلَ: (الناس)، فهذا يشملُ الإناثَ بالاتفاقِ.

2- إن كانَ الجمعُ بلفظٍ لا يُتَبَيَّنُ فيه التذكيرُ والتأنيثُ، مثلَ: أدواتِ الشرطِ، كقولِه: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7]، فإنه يشملُ النساءَ باتفاقٍ.

3- إذا كانَ الجمعُ خاصًّا بالذكورِ مثلَ لفظِ: (الرجال)، فلا يشملُ النساءَ باتفاقٍ.

4- إذا كانَ الجمعُ خاصًّا بالإناثِ مثلَ: (النساء) و(بنات)، فلا يشملُ الرجالَ باتفاقٍ.

5- إذا كانَ الجمعُ بلفظٍ ظهرتْ فيه علامةُ التذكيرِ مثلَ: (المؤمنون) (الصابرون) (المسلمون)، أو ضمير الجمعِ المذكرِ مثلَ: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ [الأعراف: 31] ففيه خلافٌ:

فقيلَ: يشملُ النساءَ، وهو مذهبُ أكثرِ الحنفيةِ والحنابلةِ وبعضِ المالكيةِ والشافعيةِ، واستدلُّوا بأنه متى اجتمعَ المذكرُ والمؤنثُ غُلِّبَ التذكيرُ؛ ولذلكَ لو قالَ لمن بحضرتِه من الرجالِ والنساءِ: قوموا واقعدوا تناولَ جميعَهم، ولو قالَ: قوموا وقمن واقعدوا واقعدْنَ لَعُدَّ تطويلًا ولَكْنَةً.

وبيَّنه قولُه تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ [البقرة: 38] وكان ذلك خطابًا لآدمَ وحواءَ وإبليسَ، فلو كانتِ النساءُ لا يدخلْن لقيلَ لآدمَ وإبليسَ: اهبطا، ولحواءَ: اهبطي.

وأكثرُ خطابِ اللهِ تعالى في القرآنِ بلفظِ التذكيرِ، مثلَ: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: 43] و ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ [النساء: 36] وغيرِ ذلك، والنساءُ يدخلْن في جملتِه بالإجماعِ[27].

وقيلَ: لا يشملُ النساءَ، وهو مذهبُ أكثرِ الشافعيةِ وأكثرِ الفقهاءِ والمتكلمين، واستدلوا بأنه ذكرَ المسلماتِ بلفظٍ متميزٍ، فما يذكرُ بلفظِ المسلمين لا يدخلْن فيه إلا بدليلٍ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة