حجم الخط:

محتوى الدرس (46)

[تمهيد]

جرى الناسُ على اختلافِ مشاربِهم على ضربِ المثلِ في أحاديثِهم لما يرمزُ إليه من معانٍ كثيرةٍ وإشاراتٍ دقيقةٍ، حتى صارتِ الأمثالُ جاريةً على ألسنةِ الناسِ كالحِكَمِ، وذلك أن المثلَ نتيجةُ تجربةٍ أو تجاربَ كثيرةٍ وخلاصةُ فكرٍ عبرَ العصورِ، وهو في عرفِهم صادقٌ في مدلولِه[1].

والقرآنُ يخاطبُ الناسَ بما يعرفون، وبالأساليبِ التي يدركونَ، فجاءَتِ الأمثالُ في القرآنِ الكريمِ لغاياتٍ وأهدافٍ ساميةٍ، ولتكشفَ للناسِ العبرَ بسهولةٍ ويسرٍ، ولتربطَ الحاضرَ بالماضي لأخذِ العظةِ والعبرةِ.

وأقبلَ العلماءُ والباحثون يدرسون الأمثالَ في القرآنِ الكريمِ ويتدبرونها، ويظهرون للناسِ معانيَها ومراميَها.

ومن أشهرِ المؤلفاتِ في أمثالِ القرآنِ:

1- الأمثالُ القرآنيةُ: عليُّ بنُ محمدِ الماورديِّ.

2- الأمثالُ في القرآنِ الكريمِ: لابنِ قيمِ الجوزيةِ، وهو جزءٌ من كتابِه (إعلامِ الموقعين) طُبِعَ بتحقيقِ: د. ناصرُ بنُ سعدِ الرشيدِ.

3- أمثالُ القرآنِ: للجنيدِ القواريريِّ (تـ: 298هـ).

4- أمثالُ القرآنِ: لمحمدِ بنِ الحسينِ السُّلَميِّ (تـ: 412هـ).

5- أمثالُ القرآنِ: نفطويه.

6- الأمثالُ في القرآنِ الكريمِ: سميحُ عاطفِ الزبنِ.

7- موسوعةُ الأمثالِ القرآنيةِ: د. محمدُ عبدِ الوهابِ عبدِ اللطيفِ في جزئين.

8- الأمثالُ القرآنيةُ: عبدُ الرحمنِ حسنِ حبنكةَ الميدانيِّ.

9- ضربُ الأمثالِ في القرآنِ أهدافُه التربويةُ وآثارُه: عبدُ المجيدِ البيانونيِّ.

وغيرُ ذلك.

تعريفُ المثـلِ:

لغةً: المَثلُ والمِثلُ والمَثِيلُ كالشَّبَهِ والشِّبْهِ والشبيهِ لفظًا ومعنًى.

قالَ الراغبُ الأصفهانيُّ: ((مثل) أصلُ المُثُولِ: الانتصابُ، والمُمثَّلُ المُصَوَّرُ على مثالِ غيرِه يقالُ: مثلَ الشيءُ، أي: انتصبَ وتصورَ، ومنه قولُه : «من أحبَّ أنْ يمثلَ له الرجالُ، فليتبوأْ مقعدَه من النارِ»[2]، والتمثالُ: الشيءُ المصورُ، وتمثلُ كذا: تصورُ، قالَ تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: 17].

والمثلُ: عبارةٌ عن قولٍ في شيءٍ يشبهُ قولًا في شيءٍ آخرَ بينهما مشابهةٌ ليبينَ أحدُهما الآخرَ ويصورَه، نحوَ قولِهم: (الصيفَ ضيعتِ اللبنَ) فإن هذا القولَ يشبهُ: (أهملتَ وقتَ الإمكانِ أمْركَ...)[3].

والمثلُ عند الأدباءِ: القولُ السائرُ المشبهُ مضربُه بموردِه.

وعلى هذا الوجهِ ما ضربَ اللهُ تعالى من الأمثالِ في القرآنِ، قالَ تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ٤٣ [العنكبوت: 43]، وعلى هذا شاعَ إطلاقُ اسمِ المثلِ إذا أُطْلِقَ[4].

قالَ النَّظّامُ: (يجتمعُ في المثلِ أربعةٌ لا تجتمعُ في غيرِه من الكلامِ: إيجازُ اللفظِ، وإصابةُ المعنى، وحسنُ التشبيهِ، وجودةُ الكنايةِ، فهو نهايةُ البلاغةِ)[5].

أما المثلُ في القرآنِ الكريمِ: فهو إبرازُ المعنى في صورةٍ حسيةٍ موجزةٍ تكسبُه روعةً وجمالًا، ولها وقعُها في النفسِ سواءٌ كانتْ تشبيهًا أو قولًا مرسلًا.

والمثلُ بهذا المعنى لا يشترطُ أن يكونَ له موردٌ، كما لا يشترطُ أن يكونَ مجازًا مركبًا[6].

أنواعُ الأمثالِ في القرآنِ الكريمِ:

[مدخل]

الأمثالُ في القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ[7]:

1- الأمثالُ المصرحةُ:

وهي التي يصرحُ فيها بلفظِ المثلِ، أو بما يدلُّ عليه من تشبيهٍ أو تنظيرٍ أو سياقٍ أو آيةٍ أو غيرِ ذلك.

وهذا النوعُ كثيرٌ في القرآنِ الكريمِ.

ومن أمثلةِ ما صرحَ فيه بلفظِ (المثلِ): قولُه تعالى في المنافقين: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ١٧ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ١٨ [البقرة: 17، 18]، وقولُه سبحانَه: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف: 45].

ومن أمثلةِ التشبيهِ بحرفِ الكافِ: قولُه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: 39]، وقولُه تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا [النحل: 92].

ومن أمثلةِ ما جاءَ بلفظِ الآيةِ: قولُه تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: 266].

روى البخاريُّ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «قالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه يومًا لأصحابِ النبيِّ : فيمن ترونَ هذه الآيةَ نزلَتْ: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ؟ قالُوا: اللهُ أعلمُ؛ فغضبَ عمرُ فقالَ: قولوا: نعلمُ أو لا نعلمُ! فقالَ ابنُ عباسٍ: في نفسي منها شيءٌ يا أميرَ المؤمنين! فقالَ: يا ابنَ أخي، قلْ ولا تحقرْ نفسَك.

قالَ ابنُ عباسٍ: ضُرِبَتْ مثلًا لعملٍ، قالَ عمرُ: أيُّ عملٍ؟ قالَ ابنُ عباسٍ: لعملٍ، قالَ عمرُ: لرجلٍ غنيٍّ يعملُ بطاعةِ اللهِ D، ثمَّ بعثَ اللهُ له الشيطانَ فعملَ بالمعاصي حتى أغرقَ أعمالَه»[8].

2- الأمثالُ الكامنةُ:

وهي التي لم يُصَرَّحْ فيها بلفظِ المثلِ، ولكنها دلتْ على معانٍ رائعةٍ موجزةٍ، ولها وقعُها إذا نُقِلَتْ إلى ما يشبهُها.

وآياتُ هذا النوعِ قريبةُ الصلةِ بمعاني أمثالٍ معروفةٍ سائرةٍ، فهي أمثالٌ بمعانِيها لا بألفاظِها، ومن هنا سُمِّيَتْ ألفاظًا كامنةً.

ومن أمثلةِ ذلك ما رواه الماورديُّ أن مضاربَ بن إبراهيمَ سألَ الحسينَ بنَ الفضيلِ: (إنكَ تخرجُ أمثالَ العربِ والعجمِ من القرآنِ، فهل تجدُ في كتابِ اللهِ: (خيرُ الأمورِ أوساطُها)؟ قالَ: نعم، في أربعةِ مواضعَ:

أ- قولِه تعالى: ﴿ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ [البقرة: 68].

ب- قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67].

جـ- قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: 29].

د- قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: 110].

قلتُ: فهلْ تجدُ في كتابِ اللهِ: (من جهلَ شيئًا عاداه)؟

قالَ: نعمْ، في موضعين:

أ- قولِه تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس: 39].

ب- قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: 11].

قلنا: فهل تجدُ في كتابِ اللهِ: (احذرْ شرَّ من أحسنْتَ إليه)؟

قالَ: نعمْ، قولُه تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ [التوبة: 74].

قالَ: فهلْ تجدُ في كتابِ اللهِ: (ليسَ الخبرُ كالعيانِ)؟

قالَ: في قولِه تعالى: ﴿ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ [البقرة: 260].

وذكرَ أمثلةً أخرى)[9]، وهذه كلماتُ آياتٍ قرآنيةٍ لم يصرحْ فيها بلفظِ المثلِ، ولكنَّها موافقةٌ لمعاني أمثالٍ معروفةٍ سائرةٍ.

3- الأمثالُ المرسلةُ:

وهي آياتٌ من القرآنِ جرتْ مجرى المثلِ.

ومن أمثلةِ ذلك: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: 58]، ﴿ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [يوسف: 51]، ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: 81]، ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ [الأنعام: 67].

﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ [فاطر: 43]، ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ [الحشر: 14]، ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ [الإسراء: 84]، ﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ [البقرة: 216]، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38]، ﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ [المائدة: 99]، ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ [التوبة: 91].

وغيرُ ذلك كثيرٌ.

حكمُ استعمالِ الأمثالِ المرسلةِ:

جرتْ عادةُ بعضِ الناسِ على ضربِ المثلِ بالآياتِ القرآنيةِ في بعضِ الأحوالِ، وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلك:

فمنهم من منعَه كالرازيِّ وغيرِه، فقد قالَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6]: (جرتْ عادةُ الناسِ بأن يتمثلُوا بهذهِ الآيةِ عند المتاركةِ، وذلك غيرُ جائزٍ؛ لأنه تعالى ما أنزلَ القرآنَ ليتمثلَ به، بل ليتدبرَ فيه، ثم يعملَ بموجبِه، واللهُ عز وجل أعلمُ وأحكمُ)[10].

وقال الزركشي: (يُكْرَهُ ضربُ الأمثالِ بالقرآنِ).

وفي كتابِ (فضائلِ القرآنِ) لأبي عُبيدٍ، عن النخعيِّ، قالَ: (كانوا يكرهون أن يتلوا الآيةَ عند شيءٍ يعرضُ من أمورِ الدنيا.

قالَ أبو عبيدٍ: وكذلك الرجلُ يريدُ لقاءَ صاحبِه، أو يَهمُّ بحاجتِه، فيأتيه من غيرِ طلبٍ، فيقولُ كالمازحِ: ﴿ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ [طه: 40]، فهذا من الاستخفافِ بالقرآنِ.

ومنه قولُ ابنِ شهابٍ الزهريِّ: لا تناظرْ بكتابِ اللهِ ولا بسنةِ رسولِ اللهِ ، قالَ أبو عبيدٍ: يقولُ: لا تجعلْ لها نظيرًا من القولِ ولا الفعلِ)[11].

وأجازَهُ آخرون؛ قالَ محمدُ الخضرِ حسينٍ: (ولا حرجَ فيما يظهرُ أن يتمثلَ الرجلُ بالقرآنِ في مقامِ الجدِّ، كأن يأسفَ أسفًا شديدًا لنزولِ كارثةٍ قد تقطعتْ أسبابُ كشفِها عن الناسِ، فيقولَ: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: 58].

أو يحاورَ صاحبَ مذهبٍ فاسدٍ يحاولُ استهواءَه إلى باطلِه، فيقولَ: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6]، والإثمُ الكبيرُ في أن يقصدَ الرجلُ إلى التظاهرِ بالبراعةِ، فيتمثلَ بالقرآنِ حتى في مقامِ الهزلِ والمزاحِ)[12].

وهذا الرأيُ بهذا التفصيلِ هو الراجحُ عندي، واللهُ أعلمُ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة