حجم الخط:

محتوى الدرس (47)

خصائصُ ومزايا الأمثالِ القرآنيةِ:

للأمثالِ في القرآنِ الكريمِ خصائصُ كثيرةٌ، منها[1]:

1- دقةُ التصريحِ مع إبرازِ العناصرِ المهمةِ من الصورِ التمثيليةِ، كقولِه تعالى في الكفارِ الذين لم يستجيبوا لنداءِ الرسولِ : ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171].

2- التصويرُ المتحركُ الحيُّ الناطقُ، كقولِه تعالى في أعمالِ الكفارِ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: 18].

3- صدقُ المماثلةِ بين الممثلِ والممثلِ له، كقولِه تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١١٦ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١١٧ [آل عمران: 116، 117].

4- كثيرًا ما يُحْذَفُ من المثلِ القرآنيِّ مقاطعُ؛ اعتمادًا على فهمِ المخاطبِ، وقد تُحْذَفُ من الممثلِ له مقاطعُ أيضًا، ومثالُ ذلك قولُه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: 39]، ففي المثلِ أُبْرِزَتْ صورةُ السرابِ ثم صورةُ الظامئِ الذي ظنَّه ماءً، ثم خيبتُه عند وصولِه إليه، وحُذِفَ ما عدا ذلك لإدراكِ المخاطبِ له.

وفي الممثلِ له لم يذكرْ إلا عملَ الذين كفروا، وطوى ما عدا ذلك لإدراكِ المخاطبِ له.

وهذا من بلاغةِ القرآنِ.

فوائدُ الأمثالِ في القرآنِ الكريمِ وأغراضُها:

للأمثالِ في القرآنِ الكريمِ أغراضٌ ومقاصدُ، ولها فوائدُ كثيرةٌ، منها:

1- إظهارُ المعنى المعقولِ المجردِ في صورةٍ حيةٍ ملموسةٍ متحركةٍ:

كالمثلِ الذي يَضْرِبُ اللهُ تعالى لمن ينفقُ مالَه رئاءَ الناسِ بقولِه سبحانَه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 264].

وكقولِه تعالى: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ٢٢ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ٢٣ [الواقعة: 22، 23]، وقولِه سبحانَه: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا [الإنسان: 19].

2- قوةُ الإقناعِ والحجةِ:

ففي قولِه تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 29].

فالحجةُ في مثلِ هذا تثبتُ أن انفرادَ المالكِ الذي تجبُ طاعتُه أفضلُ وأكرمُ للمملوكِ من تعددِ المالكين، فالأمران ليسا بمتساويين ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ [2].

3- الترغيـبُ:

كقولِه تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261].

4- الترهيـبُ:

كقولِه تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112].

5- المدحُ:

قالَ تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ٢٤ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ [إبراهيم: 24، 25].

6- التنفيرُ:

كقولِه تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ [الحجرات: 12].

قالَ الزركشيُّ: (وضربُ الأمثالِ في القرآنِ يستفادُ منه أمورٌ كثيرةٌ: التذكيرُ والوعظُ، والحثُّ، والزجرُ، والاعتبارُ، والتقريرُ، وتقريبُ المرادِ للعقلِ، وتصويرُه في صورةِ المحسوسِ بحيثُ يكونُ نسبتُه للعقلِ كنسبةِ المحسوسِ إلى الحسنِ.

وتأتي أمثالُ القرآنِ مشتملةً على بيانِ تفاوتِ الأجرِ، وعلى المدحِ والذمِّ، وعلى الثوابِ والعقابِ، وعلى تفخيمِ الأمرِ أو تحقيرِه، وعلى تحقيقِ أمرٍ وإبطالِ أمرٍ، قالَ تعالى: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [إبراهيم: 45]، فامتنَّ علينا بذلك لمَّا تضمنَتْ هذه الفوائدَ)[3].

وقد عدَّ الشافعيُّ رحمه الله معرفةَ الأمثالِ مما يجبُ على المجتهدِ معرفتُه من علومِ القرآنِ.

وقالَ الشيخُ عزُّ الدينِ: (إنما ضربَ الأمثالَ في القرآنِ تذكيرًا ووعظًا، فما اشتملَ منها على تفاوتٍ في ثوابٍ، أو على إحباطِ عملٍ، أو على مدحٍ، أو ذمٍّ أو نحوِهِ، فإنه يدلُّ على الأحكامِ)[4].

أثرُ الأمثالِ في التربيةِ والتعليمِ[5]:

تختلفُ أمثالُ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرةِ اختلافًا جذريًّا عما يضرُّ بالناسِ من الأمثالِ، فهي أمثالُ حقٍّ وصدقٍ، لا يأتيها الباطلُ من بين يدَيْها ولا من خلفِها، ولا يدخلُها نقصٌ في أيِّ جانبٍ من جوانبِها[6].

وحقٌّ على رجالِ التربيةِ والتعليمِ أن يتخذوها نموذجًا تربويًّا فريدًا، ويستلهموا منها العِبرَ والأساليبَ التربويةَ، وليسَ من السهلِ في هذه العجالةِ استيفاءُ هذه الآثارِ، ولنذكرْ منها[7]:

1- شدُّ انتباهِ السامعِ، وحملُه على التفاعلِ مع الموضوعِ.

2- التنويعُ في أسلوبِ المتكلم مما يدفعُ المللَ والسآمةَ، ويجددُ النشاطَ الذهني لِّلطلابِ.

3- تثبيتُ الفكرةِ فيِ الأذهان، وسرعةُ انتشارِها وسريانِها بينَ الناسِ، وذلك أنَّ كلماتِ المثلِ قليلةٌ يسهلُ حفظُها وفهمُها واستيعابُها.

4- توسيعُ آفاقِ الطالبِ الفكريةِ والنفسيةِ بتدريبِه على ربطِ المعقولاتِ بالمحسوساتِ، وقياسُ الغائبِ على الشاهدِ.

5- استثمارُ الانفعالاتِ النفسيةِ عند الطالبِ الدافعةِ (كالفرحِ، والحبِّ، والرغبةِ في التملكِ) أو الرادعةِ (كالرهبةِ، والخوفِ، والخشيةِ)، وعلى المربي الناجحِ أن يتعاملَ مع مزيجٍ متكافئٍ متوازنٍ من هذه الانفعالاتِ.

فتعاملُ المربِّي معَ تلميذِه بعصا الرهبةِ وحدَها سببٌ ظاهرٌ لهلاكِه، ودفعُه بعاملِ الفرحِ أو الرغبةِ وحدَها سببٌ خطيرٌ لإفسادِه، وإنما يصلحُ سبيلُ التربيةِ إذا نهضَ على مزيجٍ معتدلٍ من هذه الأساليبِ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة