حجم الخط:

محتوى الدرس (48)

[تمهيد]

لا شكَّ أن القصَّة من أفضل أساليبِ التربيةِ والتعليمِ، وهي عاملٌ رئيسٌ من عواملِ جذبِ انتباهِ المستمعينَ، فهي أسلوبٌ تربويٌّ تعليميٌّ ناجحٌ، سلكه المربُّون والمصلحون والأدباء والمعلِّمون في كل مكانٍ وزمانٍ.

ولتأثيرِ القصَّة ومكانتِها فإنَّ القرآنَ يعرضُ لنا كثيرًا من قضايا العقيدةِ والصراعِ بين الحقِّ والباطلِ بأسلوبٍ قصصيٍّ مميزٍ للعظةِ والاعتبارِ.

تعريف القصة:

لغة: القصُّ: هو تتبُّع الأثرِ ماديًّا كان أو معنويًّا.

فالمادِّي؛ يقال: قَصَصْتُ أثرَهُ، أي: تتبَّعْته، قال تعالى: ﴿ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف: 64]، أي: رجعَا يتتبعانِ أثرَهُما، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ [القصص: 11]، أي: اتبعِي أثرَهُ، ومنه: القِصَاصُ، قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]؛ لما فيه من تتبُّعِ أثرِ الجانِي، ومجازاتِهِ بمثلِ فعلِهِ، من قتلٍ أو قطعٍ أو جرحٍ، ومنهُ: المِقَصُّ الذي يُقْطَعُ به القماشُ، والقَصِيصَةُ: الزاملةُ الضعيفةُ، كأنها سُمِّيَتْ بذلكَ؛ لأنَّها تكونُ منقطعةً عن القافلةِ، وتسيرُ على أثرِ النُّوقِ النجيبةِ، والقصيصةُ: شجرةٌ تنبتُ في أصلِ الكَمأَةُ، سُمِّيَتْ بذلكَ؛ لدلالتِها على الكمأةِ كما يُقْتَصُّ الأثرُ، وغير ذلك[1].

والمعنويُّ؛ كتتبعِ أخبارِ الأممِ الماضيةِ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ [آل عمران: 62]، وقال سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ [يوسف: 111] أيْ: أخبارِهِمْ.

والقصةُ: الخبرُ والأمرُ والحديثُ[2].

وقصصُ القرآنِ اصطلاحًا:

أخبارُهُ عن أحوالِ الأممِ الماضيةِ، والنبواتِ السابقةِ، والحوادثِ الواقعةِ[3].

أنواعُ القصصِ فِي القرآنِ الكريمِ[4]:

ومن التعريفِ نستطيعُ أن نعرفَ أن أنواعَ القصصِ في القرآنِ الكريمِ ثلاثةٌ:

النوعُ الأولُ: قصصُ الأنبياءِ السابقينَ:

كقصةِ آدمَ ونوحٍ وإبراهيمَ وموسَى وعيسَى، وغيرِهم من الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، التي تضمَّنت أخبارَ دعوتِهم لقومِهم إلى الإسلامِ، والمعجزاتِ التي أيَّدهم اللهُ بها، وموقفَ أقوامِهم منهم، والعقوباتِ الإلهيةَ التي نزلَتْ بهم.

النوعُ الثانِي: قصصٌ تتعلَّقُ بحوادثَ غابرةٍ وأشخاصٍ لم تثبتْ نبوَّتُهم:

كقصةِ أهلِ الكهفِ، وذِي القرنينِ، وأصحابِ السبتِ، ومريمَ، وأصحابِ الأخدودِ، وغيرِهم.

النوعُ الثالثُ: قصصٌ تتعلَّقُ بأحداثٍ وقعَتْ في عصرِ الرسولِ ﷺ:

كغزوةِ بدرٍ وأحدٍ في (سورة آل عمران)، وحُنَيْنٍ وتبوكَ فِي (سورة التوبة)، والأحزابِ في سورتِهَا، والإسراءِ في سورتِهَا، وغيرِ ذلكَ.

فوائدُ القصةِ في القرآنِ الكريمِ:

منْ أهمِّ فوائدِ القصَّةِ في القرآنِ الكريمِ:

1- تثبيتُ فؤادِ الرسولِ ﷺ:

قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: 120].

وذلكَ أنَّ الرسولَ حين يخبرُه اللهُ بما جرى للأنبياءِ عليهم السلام من قبلِه مع أقوامِهم، يسلُو قلبُه، ويتجدَّدُ عزمُه، فيصبرُ كما صبرَ أولو العزمِ من الرُّسلِ.

2- إيضاحُ أسسِ الدعوةِ إلى اللهِ تعالَى، واشتراكُ كلِّ الأنبياءِ فيها:

فإنَّ الرسلَ كلَّهم عليهم السلام يدعونَ إلى عبادةِ اللهِ وحدَه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25]، فليس هناك دينٌ غير الإسلامِ: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ [آل عمران: 19].

3- تأكيدُ صدقِ الأنبياءِ السابقينَ عليهم السلام:

فالقرآنُ يصرِّحُ برسالتِهم ونبوَّتِهم وصدقِهم، ويصرِّحُ بأسمائِهم، ويشهدُ لهم بالصدقِ وتبليغِ الدعوةِ، فليس لأحدٍ أن يشكَّ في نبوتِهم؛ ولذا كانَ الإيمانُ بالرسلِ من أركانِ الإيمانِ لمجيئِهِ عن طريقِ القرآنِ المتواترِ.

4- إظهارُ صدقِ الرسولِ ﷺ:

فالرسولُ كانَ أميًّا لا يقرأُ ولا يكتبُ، ولم يُعْرَفْ عنه مجالسةٌ لأحبارِ اليهودِ والنصارَى، وورودُ هذه القصصِ من مثلِه عليه الصلاة والسلام دليلٌ على رسالتِه وتلقِّيه للوحيِ.

5- التهديدُ والوعيدُ للكفارِ، والعظةُ والاعتبارُ للمؤمنينَ بأن ما جرى لعصاةِ الأممِ السابقةِ قد يجري لعصاةِ هذه الأمةِ، ولهذا لمَّا أرسلت قريشٌ عتبةَ بنَ ربيعةَ إلى الرسولِ ؛ ليطلبَ منه تركَ الدعوةِ، قرأ عليه عليه الصلاة والسلام سورةَ فُصِّلَتْ، حتى إذا بلغَ قولَه تعالى: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: 13] أمسكَ عتبةُ على فيهِ، وناشدَهُ بالرَّحمِ، ورجع إلى أهلِهِ، ولما جاءتْهُ قريشٌ أخبرَهم الخبرَ، وفيه: «فأمسكْتُ بفيهِ، وناشدْتُه بالرحمِ أنْ يكفَّ، وقدْ علمْتُم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذبْ، فخِفْتُ أن ينزلَ بكمُ العذابُ»[5].

6- والقصةُ ضربٌ من ضروبِ الأدبِ، يصغِي إليهِ السمعُ، وترسخُ عبرُه في النفسِ[6]، وتثبتُ معانِيه، وتدركُ مراميهِ: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ [يوسف: 111].

مزايا القصةِ القرآنيةِ:

تمتازُ القصةُ في القرآنِ بمزايا عديدةٍ، منها:

1- ربَّانيَّةُ المصدرِ:

فالقصةُ تبعًا للقرآنِ الكريمِ كله منَ اللهِ تعالى، لها منَ الخصائصِ ما للقرآنِ الكريمِ نفسِه، وليسَ للرسولِ فيها إلَّا البلاغُ ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤ [النجم: 4].

2- مطابقةُ الواقعِ والصدقِ، وأنَّها حقيقةٌ لا خيالٌ:

وبيانُ ذلكَ أنَّ كلَّ ما جاءَ في القرآنِ من قصصٍ وأحداثٍ وأخبارٍ واقعٌ حقيقة كما أخبرَ اللهُ تعالى، وليسَ نسجَ خيالٍ.

وإنما يلجأُ البشرُ إلى الخيالِ حين تعجزُ قدراتُهم العلميةُ عنِ الإحاطةِ بأحداثِ التاريخِ، واستخراجِ الحدثِ الذي يحتوي على ما يريدون إظهارَه من أفكارٍ وآراء، وهذا شأنُهم، وتلك قدرتُهم، فيعوضون ذلك العجزَ بالخيالِ، وكثيرًا ما يتمنَّى الإنسانُ بلوغَ شيءٍ فيعجزُ عن حقيقةٍ، فيلجأُ إلى الخيالِ، يصورُ ماذا سيفعلُ لو كان، وهذا شأنُ الأدباءِ البشرِ في قصصِهم أحيانًا.

أما اللهُ عز وجل فلا يعجزُه شيءٌ، وهو العليمُ الخبيرُ بما كان وما سيكون، فيحكي من أحداثِ الأممِ الماضيةِ الواقعةِ ما يناسبُ موضوعَ السورةِ.

وقد وصفَ اللهُ تعالى قصصَ القرآنِ بذلكَ: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ [آل عمران: 63]، و: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ [الكهف: 13]، ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة: 27]، ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص: 3]، وهكذا قصصُ القرآنِ حقٌّ وحقيقةٌ.

3- الاختيارُ للعظةِ والعبرةِ:

يختارُ اللهُ عز وجل منَ القصةِ أوِ الحدثِ أجزاءً تناسبُ أهدافَ الموضوعِ أو السورةِ ومقاصدَها للعظةِ والاعتبارِ، يستوي في ذلك قصرُ المقطعِ أو طولُه، ولا شكَّ أنَّ ما اختارَه منها فيه الوفاءُ كل الوفاءِ بالغرضِ المرادِ.

4- الإعجـازُ:

وهذا الإعجازُ تبعٌ لإعجازِ القرآنِ الكريمِ كلِّه، لكن إعجاز القصصِ يظهرُ في أن العرضَ البشريَّ يكونُ متأثرًا بشخصيةِ الراوي التي غالبًا ما تكونُ متأثرةً بأفكارِهِ وآرائِهِ وتصوراتِهِ القاصرةِ، ويحكي منها ما أدركتْهُ طاقتُه البشريَّةُ، وهي محدودةٌ في علمِها وقصورِها عن الإحاطةِ بكلِّ الأمورِ.

أمَّا قصصُ القرآنِ فمنَ اللهِ الذي أحاطَ بالأحداثِ كلِّها، ويعلمُ ما تخفِي الصدورَ، وشتَّانَ بين صورةٍ واضحةٍ كاملةٍ صادقةٍ، وصورةٍ لا تخلو من نقصٍ أو قصورٍ أو خطإٍ في التصورِ.

5- التكـرارُ:

وإذا كانَ اللهُ عز وجل يعرضُ من القصةِ ما يلائمُ موضوعَ السورةِ، فإنَّ هذا يقتضي تكرارَ عرضِ القصَّةِ في أكثرِ من سورةٍ، سواء كان عرضًا كاملًا مختلفًا عن العرضِ الأولِ أو عرضًا جزئيًّا.

فوائدُ تكرارِ القصةِ في القرآنِ الكريمِ:

ولتكرارِ القصَّةِ في القرآنِ الكريمِ فوائدُ وحكمٌ عديدةٌ، منها:

1- قـوةُ الإعجازِ:

كما قال الباقلانيُّ: (وأُعِيدَ كثيرٌ من القصصِ في مواضعَ مختلفةٍ على ترتيباتٍ متفاوتةٍ، ونبهوا بذلك على عجزِهم عن الإتيانِ بمثله مبتدأً به ومكررًا، ولو كانَ فيهم تمكنٌ من المعارضةِ لقصدُوا تلكَ القصةَ، فعبَّرُوا عنها بألفاظٍ لهم تؤدِّي معناها.. وجعلوها بإزاءِ ما جاء به، وتوصَّلُوا بذلك إلى تكذيبِهِ، وإلى مساواتِه فيما جاءَ بهِ، كيفَ وقد قال لهم: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: 34]، فعلى هذا يكونُ المقصدُ بتقديمِ بعضِ الكلماتِ وتأخيرِهَا إظهارَ الإعجازِ على الطريقينِ)[7].

وقالَ الزركشيُّ: (كررَ ذكرَ القصةِ في مواضعَ؛ إعلامًا بأنَّهم عاجزونَ عن الإتيانِ بمثله بأيِّ نظمٍ جاءوا، وبأيِّ عبارةٍ عبَّرُوا)[8].

ولا شكَّ أن القصةَ الواحدةَ حين تكونُ معجزةً بوجهٍ ثمَّ معجزةً بوجهٍ آخرَ، فإنَّ هذا يعني قوَّةً في الإعجازِ، وزيادةً في التَّحدِّي.

2- بيانُ بلاغةِ القرآنِ الكريمِ في أعلَى مراتبِهَا:

يقولُ الباقلانيُّ: (إنَّ إعادةَ ذكرِ القصةِ الواحدةِ بألفاظٍ مختلفةٍ تؤدِّي معنًى واحدًا من الأمرِ الصعبِ الذي تظهرُ فيه الفصاحةُ، وتتبينُ فيه البلاغةُ)[9].

من خصائصِ البلاغةِ إبرازُ المعنَى الواحدِ في صورةٍ مختلفةٍ، والقصةُ المتكررةُ تردُ في كلِّ موضعٍ بأسلوبٍ يتمايزُ عن الآخرِ، وتصاغُ في قالبٍ غيرِ القالبِ، ولا يملُّ الإنسانُ من تكرارِهَا، بلْ تتجددُ في نفسِهِ معانٍ لا تحصلُ له بقراءتِهَا في المواضعِ الأخرى[10].

3- أنَّ المعانيَ التي اشتملتْ عليها القصةُ الواحدةُ من هذه القصصِ صارتْ متفرقةً في تاراتِ التكريرِ، فيجدُ البليغُ -لما فيها منَ التغييرِ- ميلًا إلى سماعِها؛ لما جُبِلَتْ عليه النفوسُ من حبِّ التنقلِ في الأشياءِ المتجددةِ التي لكلٍّ منها حصةٌ من الالتذاذِ به مستأنفةٌ[11].

4- أنَّهُ إذا كرَّرَ القصةَ زاد فيها شيئًا لم يذكره في المرةِ الأولَى، فقد يوجدُ في ألفاظِهَا زيادةٌ أو نقصانٌ، وتقديمٌ أو تأخيرٌ[12]، ويذكرُ في كلٍّ منها ما لم يذكرْ في الأخرى لتنويعِ الفوائدِ وتوزيعِهَا.

5- الاهتمامُ بشأنِ القصةِ لتمكينِ عبرِهَا في النفسِ، فإنَّ التكرارَ من طرقِ التأكيدِ وأماراتِ الاهتمامِ، بلِ التكرار أبلغُ من التأكيدِ، فالتكرارُ تأسيسٌ، والتأكيدُ فرعٌ، وتكرارُ التأسيسِ أقوَى من التأكيدِ.

6- اختلافُ الغايةِ التي تُسَاقُ من أجلِها القصَّةُ، فتُذْكَرُ بعضُ معانيها الوافيةِ بالغرضِ في مقامٍ، وتبرزُ معانٍ أخرى في مقامٍ آخرَ حسبَ أهدافِ السورةِ وأغراضِهَا[13].

كيفيةُ الاستفادةِ منَ القصةِ في مجالِ التَّربيةِ والتَّعليمِ:

[مدخل]

يدركُ رجالُ التربيةِ أنَّ أقوى أساليبِ التربيةِ نفاذًا إلى القلوبِ، وتأثيرًا في النفوسِ ما عرضَ في أسلوبٍ قصصيٍّ يحملُ على المشاركةِ الوجدانيةِ للأشخاصِ والتأثرِ بالأحداثِ، والتفاعلِ مع المواقفِ.

ومن هنا كان الترابطُ الوثيقُ بين الوسائلِ والأهدافِ في مناهجِ التربيةِ، فبحيويةِ العرضِ في القصةِ الموجهةِ، وقوةِ التخييلِ والتصويرِ فيها، وتهيئةِ اللحظةِ الحاسمةِ التي تبلغُ فيها حرارةُ الانفعالِ النفسيِّ درجةَ الانصهارِ، يحصلُ من التَّأثرِ بالتَّوجيهِ التَّربويِّ ما لا يحصلُ عند إقحامِ ذلكَ التوجيهِ على النفسِ وهي في راحتِها واسترخائِهَا[14].

ويفيدُ التحليلُ النفسيُّ للعاداتِ الفاسدةِ أنها تبطلُ وتزولُ بمجردِ اقتلاعِ العقدةِ، مثل ما يزولُ المفعولُ الكهربائيُّ بانقطاعِ التيارِ[15]؛ فلم يبدأ الرسولُ بنهيهِم عن عادةِ شربِ الخمرِ أوِ الزِّنا مثلًا، بل اقتلعَ من قلوبِهم عقدةَ الشركِ، فانقادُوا لتركِ تلك العاداتِ السيئةِ وغيرِهَا[16].

لذلك أقامَ القصصُ القرآنيُّ منهجَهُ على العقيدةِ بنبذِ عقيدةِ الشركِ، وغرسِ عقيدةِ الإيمانِ باللهِ وحدَه، وبذلكَ وحدَه يقتلعُ الإنسانُ منْ نفسِهِ عاداتِهِ الفاسدةَ، وينقادُ لمبادئِ الإسلامِ الصحيحةِ.

ويُذْكَرُ الإيمانُ في القرآنِ متبوعًا في الغالبِ بعملِ الصالحاتِ كنتيجةٍ حتميَّةٍ له؛ لأنَّ الإيمانَ ليس في الحقيقةِ مجردَ شعورٍ عن علمٍ ومعرفةٍ، ولكنَّهُ تكييفٌ للإنسانِ في صلتِهِ بربِّهِ، وتدبيرِهِ لنفسِهِ، وعلاقتِهِ بغيرِهِ[17].

فالإيمانُ سموٌّ بالنفسِ، واتِّصالٌ باللهِ، وتكوينٌ للشخصيةِ المتزنةِ التي تعملُ جميعُ طاقاتِهَا الجسميةِ والفكريةِ والروحيةِ في اعتدالٍ وتوازنٍ؛ لأنَّ لصاحبِهَا قوةً منظمةً لاندفاعاتِهِ الفطريةِ، ومُهَذِّبةً لغرائزِهِ الحيوانيةِ، وموجهةً له نحو المثلِ العليَا.

وتلكَ هي الشخصيةُ المتكاملةُ كما يسميها علماءُ التربيةِ (وهي التِي يتَّسمُ سلوكُهَا وتصرفاتُهَا ودوافعُهَا بالاتزانِ الانفعاليِّ)[18].

[مجالات التربية بالقصة]

والقصصُ بهذا من أهمِّ وسائلِ التربيةِ القرآنيةِ توجيهًا وتعليمًا وترسيخًا للعقيدةِ الصحيحةِ، وقد جاءتِ التربيةُ في القرآنِ الكريمِ ملائمةً لعناصرِ القصةِ الثلاثةِ: (الأحداثِ) (الشخصياتِ) (الحوارِ)، فجاءتِ التربيةُ بالقصةِ القرآنيةِ على ثلاثةِ محاورَ[19].

التربيـةُ بالأحـداثِ:

وتُعْرَفُ هذه التربيةُ بقوةِ تأثيرِهَا، وشدَّةِ سيطرتِهَا علَى النفسِ؛ لأنَّها تثيرُ الانتباهَ الذي يجمعُ الفاعليةَ النفسيةَ حول ظاهرةٍ ما عن طريقِ الحسِّ وطريقِ التأملِ، كما في قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان: 40].

كما تثيرُ الخوفَ من وقوعِ العقابِ المماثلِ، كما مَرَّ بنا أن عتبة بن ربيعة وضع يدَهُ على فمِ الرسولِ حينَ قرأَ: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: 13]؛ لعلمِهِ أنه وعيدٌ صادقٌ، فإذا كانتْ هذه صورة من وقعَ الإنذارُ بالأحداثِ على قلبٍ لم يؤمنْ، فكيفَ بوقعِهِ على قلوبِ المؤمنينَ؟!

التربيـةُ بالشخصيـةِ:

والقصصُ القرآنيُّ يجسدُ شخصياتٍ مثاليةً، فالأنبياءُ جعلَ منهم القرآنُ نماذجَ إنسانيةً عاليةً، ومع ذلكَ كانَ يشيرُ إلى ما يُلمُّ ببعضِهِم عليهم السلام من لحظاتِ الضعفِ البشريِّ دونَ مداراةٍ؛ حتى لا يغلوَ بهم أحدٌ إلى رتبةِ الألوهيةِ -صنيع بعضِهم في عيسى عليه السلام- رغمَ كمالاتِهم؛ ليعرضَ النفسَ البشريةَ كما هي في قوتِها وضعفِهَا.

التربيةُ بالحوارِ:

وأكثرُ ما يكونُ ذلك في القصصِ الطويلةِ التي تتسعُ للجدلِ، والقرآنُ يختارُ من هذا الجدالِ لقطاتٍ من الأقوالِ الموحيةِ، فيصوغُهَا في عباراتٍ موجزةٍ بليغَةٍ، تفيضُ حكمةً ورشدًا فيما يجري على ألسنةِ الهداةِ ودعاةِ الحقِّ الذين يسلكون في الحوارِ مسلكَ الحكماءِ، أو ضلالًا وزيفًا فيما تنضحُ به القلوبُ المريضةُ والنفوسُ المنحرفةُ، كحواراتِ إبراهيمَ عليه السلام مع قومهِ ومع أبيهِ ومع الملكِ، وحوارِ موسى عليه السلام مع فرعون، وغيرِ ذلكَ.

[توظيف القصة في التربية]

وقد خَرَّجَ القرآنُ بهذه التربيةِ منهجًا فريدًا لا يزالُ قدوةَ الأمةِ كلِّهَا حتَّى تقومَ الساعةُ؛ ولذا حرصَ المربونَ والحكماءُ والأدباءُ والمصلحونَ... بل والمفسدونَ كذلك على سلوكِ أسلوبِ القصةِ؛ لتحقيقِ أغراضِهم وأهدافِهم، فحمَّلُوها كلَّ ما يعتقدونه من آراءٍ، وما يريدون بثَّهُ من أخلاقٍ، فصاغوها على ألسنةِ الحيواناتِ والطيورِ، أو الصورِ المتحركةِ، بل وجسَّدوها بممثلينَ وممثلاتٍ، ولكلٍّ منهم أغراضُهُ وأهدافُهُ.

ولا شكَّ أنَّ القصةَ أسلوبٌ تربويٌّ وتعليميٌّ ناجحٌ، فالقصةُ تأخذُ بمجامعِ القلوبِ، وتشدُّ الأذهانَ، وتنفذُ إلى النفسِ البشريَّةِ بسهولةٍ ويسرٍ، وتسترسلُ مع سياقِهَا المشاعرُ، فلا تملُّ ولا تكلُّ.

والدروسُ التلقينيةُ والإلقائيةُ تورثُ المللَ، ويشقُّ على الناشئةِ متابعتُهَا، ولا تستوعبُ عناصرَهَا إلا بصعوبةٍ وشدَّةٍ، وإلى أمدٍ قصيرٍ؛ ولذا كان الأسلوبُ القصصيُّ أجدى نفعًا وأكثرَ فائدةً[20].

فعلى المربينَ أنْ يوظفُوا القصةَ في مجالِ التربيةِ والتعليمِ، لا سيما التِّهذيب الدِّيني، وفي قصصِ القرآنِ الكريمِ، وسيرةِ الأنبياءِ والصالحين، وأخبارِ الأممِ الماضيةِ، والحوادثِ الواقعةِ، والقصصِ الهادفةِ مجالٌ رحبٌ للإصلاحِ والتوجيهِ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة