[تمهيد]
أنزلَ اللهُ تعالى القرآنَ الكريمَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]، وقالَ سبحانه: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ [طه: 113]، وقالَ سبحانه: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ [فصلت: 3]، وغير ذلك منَ الآياتِ.
والرسولُ ﷺ بُعِثَ إلى الناسِ كافةٍ عربِهم وعجمِهم، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158]، وقال سبحانه: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ [يوسف: 104]، وقال D: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1].
وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فإنَّهُ يجبُ تبليغُ القرآنِ إلى العجمِ كلٌّ حسبَ قدرتِهِ وطاقتِهِ، كما قالَ الرسولُ ﷺ: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً»[1]، وذلك بترجمتِه أو ترجمةِ معانِيه.
قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (إنَّهُ ليس فهمُ كل آيةٍ من القرآنِ فرضًا على كلِّ مسلمٍ، وإنما يجبُ على المسلمِ أن يعلمَ ما أمره اللهُ به، وما نهاهُ عنه بأيِّ عبارةٍ كانت، هذا ممكنٌ لجميعِ الأممِ، ولهذا دخلَ في الإسلامِ جميعُ أصنافِ العجمِ من الفرسِ، والتركِ، والهندِ، والصقالبةِ، والبربرِ.
ومن هؤلاء من يعلمُ اللسانَ، ومنهم من يعلمُ ما فرضَ اللهُ عليه بالترجمةِ، وقد قدمْنَا أنه يجوزُ ترجمةُ القرآنِ في غير الصلاةِ والتعبيرِ، كما يجوزُ تفسيرُهُ باتفاقِ المسلمينَ)[2].
جاءتْ كلمةُ (ترجمة) في العربيةِ لتدلَّ على معانٍ أربعةٍ[3]:
أولها: تبليغُ الكلامِ لمن لم يسمعْهُ؛ ومنه قولُ الشاعرِ[4]:
| إنَّ الثمانيـن وبُلِّغْتُها |
| قد أحوجَتْ سمعي إلى ترجمانِ |
ثانيها: تفسيرُ الكلامِ بلغتِهِ نفسِهَا؛ ومنه سُمِّيَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: (تُرْجُمان القرآنِ).
ثالثها: تفسيرُ الكلامِ بغير لغتِهِ؛ قال الجوهريُّ: (وقدْ ترجمهُ، وترجمَ عنه: إذا فسرَ كلامهُ بلسانٍ آخرَ)[5].
رابعها: نقلُ الكلامِ من لغةٍ إلى أخرَى؛ قال الزَّبِيديُّ: (وقيل: نقله من لغة إلى أخرى)[6].
ولأنَّ هذه المعانيَ الأربعةَ تشتركُ في أنَّ معناها (البيانُ) أُطْلِقَتِ الترجمةُ على كلِّ ما فيه بيانٌ، فَقِيلَ: تَرجمَ لهذا البابِ بكذَا، أي: جَعلَ له عنوانًا يُبَيِّنُ ما تحتَهُ.
وتَرجمَ لفلانٍ، أي: بَيَّن تاريخَهُ.
وترجمةُ هذا البابِ، أي: بيانُ المقصودِ منه، ونحوُ ذلكَ.
والذي يعنينا من هذه المعاني الثالثُ والرابعُ، ويكونُ المرادُ بالترجمةِ هنا أمرينِ[7]:
وهيَ نقلُ الكلامِ من لغةٍ إلى لغةٍ أخرى، معَ مراعاةِ الموافقةِ في النظمِ والترتيبِ، والمحافظةِ على جميعِ معانِي الأصلِ المترجمِ.
ولا بدَّ في الترجمةِ الحرفيةِ من شرطينِ:
الأول: وجودُ مفرداتٍ في لغةِ الترجمةِ مساويةٍ للمفرداتِ في لغةِ الأصلِ؛ حتى يمكنَ للمترجمِ أن يحلَّ كلَّ مفردٍ من الترجمةِ محلَّ نظيرِه منَ الأصلِ.
الثاني: تشابهُ اللُّغتين في الضمائرِ المستترةِ والروابطِ التي تربطُ الكلماتِ بعضِها ببعضٍ، وتطابُق في مواقعِ أحوالِ الكلماتِ كالفاعلِ والمفعولِ بهِ، والصفاتِ، ونحوِ ذلكَ[8].
وبهذينِ الشرطينِ يكونُ منَ المتعذرِ -بلْ منَ المستحيلِ- ترجمةُ نصٍّ ترجمةً حرفيَّةً، فضلًا عن ترجمةِ القرآنِ الكريمِ؛ لأنَّ معناهُ الإتيانُ بمثلِ هذَا القرآنِ بلغةٍ أخرَى.
وإذا كانتِ الترجمةُ الحرفيةُ غيرَ ممكنةٍ ومستحيلةً، فإنَّ ادعاءَ القيامِ بترجمةٍ حرفيةٍ للقرآنِ تؤدِّي معانيَهُ الأصليةَ -ادعاءٌ باطلٌ؛ فتحرمُ، وهذَا ممَّا لَا خلافَ فيهِ بينَ علماءِ المسلمينَ الثقاتِ.
الثانِي: الترجمةُ المعنويةُ أو التفسيريةُ:
وهيَ شرحُ الكلامِ، وبيانُ معناهُ بلغةٍ أخرَى بدونِ مراعاةٍ لنظمِ الأصلِ وترتيبِهِ، وبدونِ المحافظةِ على جميعِ معانِيهِ المرادةِ منهُ.
حكمُ الترجمةِ المعنويةِ أوِ التفسيريةِ:
اختلفَ العلماءُ في حكمِهَا بين مؤيدٍ ومعارضٍ:
ومن أدلةِ المؤيدينَ:
1- أنَّ الدعوةَ الإسلاميةَ دعوةٌ عامةٌ، لا تختصُّ بجيلٍ دونَ جيلٍ، أوْ أمةٍ دونَ أخرَى، أوِ العربِ دونَ العجمِ، وتحقيقُ ذلكَ يقتضِي بيانَ القرآنِ لتلكَ الأممِ، وتوضيحَ معانِيهِ باللغةِ التي يفهمُونَها.
2- أنَّ العجميَّ إذا كانَ لا يستطيعُ تذوقَ نظمِ القرآنِ بسببِ اختلافِ اللغةِ، فإنَّهُ قادرٌ على التفكرِ في معانِيهِ، والتدبرُ في أحكامِه ودلالاتِهِ إذا تُرْجِمَ القرآنُ لهُ.
3- إذا كانَ العربيُّ بحاجةٍ إلى من يُفَسِّرُ له القرآنَ، فإنَّ العجميَّ أكثرُ حاجة إلى بيانِ القرآنِ له بلغتِه التي يفهمُها.
ومنْ أدلَّةِ المعارضينَ:
1- أنَّ ترجمةَ القرآنِ ترجمةً حرفيةً متعذرةٌ، والتَّرجمة المعنويَّة عبارةٌ عنْ فهمِ المترجمِ للقرآنِ، أو فهمِ من عساه يعتمدُ هو على فهمِهِ من المفسرينَ؛ وحينئذٍ لا تكونُ هذه الترجمةُ هي القرآنَ، وإنما هي فهمُ رجلٍ للقرآنِ يخطئُ في فهمِهِ ويصيبُ[9].
2- أنَّ لنظمِ القرآنِ وأسلوبِهِ تأثيرًا خاصًّا فِي نفسِ السامعِ لا يمكنُ أن ينقلَ بالترجمةِ.
3- أنَّ القرآنَ الكريمَ هوَ معجزةُ الرسولِ ﷺ الكبرى، بلْ هو الآيةُ الباقيةُ من معجزاتِ الأنبياءِ، والمحافظةُ عليه تقتضي عدمَ التغييرِ والتبديلِ والتحريفِ والتصحيفِ، والترجمةُ ليست كذلك.