قلْنَا: إنَّ التفسيرَ في المراحلِ السابقةِ كانَ بالروايةِ والتلقينِ، وإن كان هناك تدوينٌ فهو تدوينٌ قليلٌ تطغى عليه الروايةُ، وتستأثرُ بالصبغةِ العامةِ للمراحلِ المذكورةِ.
وقدْ بدأَ عصرُ التدوينِ في أواخرِ القرنِ الأولِ الهجريِّ، حيثُ دُوِّنَ الحديثُ النبويُّ الشريفُ بمختلفِ موضوعاتِهِ وأبوابِهِ، ونستطيعُ أن نقولَ: إنَّ تدوينَ التفسيرِ مَرَّ بمراحلَ، هيَ:
دُوِّن فيها التفسيرُ على أنَّه بابٌ منْ أبوابِ الحديثِ كبابِ الطهارةِ وبابِ الصلاةِ وبابِ الزكاةِ وبابِ الحجِّ وغيرِهَا، ولم يُفرَدْ للتفسيرِ تأليفٌ خاصٌّ لا يتناولُ إلا التفسيرَ سورةً سورةً وآيةً آيةً منْ أولِ القرآنِ إلى آخرِه.
وممَّنْ دوَّنَ التفسيرَ في هذه المرحلةِ على أنَّهُ بابٌ منْ أبوابِ الحديثِ:
- يزيدُ بنُ هارونَ السلميُّ (تـ: 117هـ).
- شعبةُ بنُ الحجاجِ (تـ: 160هـ).
- وكيعُ بنُ الجرَّاحِ (تـ: 197هـ).
- عبدُ بنُ حميدٍ (تـ: 249هـ).
وغيرُ هؤلاءِ.
وتتميزُ هذه المرحلةُ بمزايا، منها:
1- كانَ لهم عنايةٌ خاصةٌ بالإسنادِ.
2- لم يكنْ جمعُهم للتفسيرِ مستقلًّا، بل على أنه بابٌ منْ أبوابِ الحديثِ.
3- لم يقتصرْ على التفسيرِ المرفوعِ للرسولِ ﷺ، بلِ اشتملَ على تفسيرِ الصحابيِّ والتابعيِّ.
أصبحَ التفسيرُ في هذه المرحلةِ علمًا مستقلًّا قائمًا بنفسِهِ شاملًا لآياتِ القرآنِ الكريمِ وسورِهِ مُرَتَّبًا حسبَ ترتيبِ المصحفِ.
وقد نَصَّ ابنُ تيميةَ[1] وابنُ خِلِّكَان[2] على أن أوَّلَ من صَنَّفَ في التفسيرِ عبدُ الملكِ بنُ جريجٍ (80-140هـ).
وأشهرُ من ألَّفَ في هذه المرحلةِ:
- ابنُ ماجهْ (تـ: 273هـ).
- ابنُ جريرٍ الطبريُّ (تـ: 310هـ).
- أبو بكرٍ المنذرُ النيسابوريُّ (تـ: 318هـ).
- ابنُ أبِي حاتمٍ (تـ: 327هـ).
- ابنُ حبانَ (تـ: 369هـ).
- الحاكمُ (تـ: 405هـ).
- ابنُ مَرْدَوَيْه (تـ: 410هـ).
وغيرُ هؤلاء، ويتميزُ التدوينُ في تلك المرحلةِ بـ:
1- أنَّ ما دُوِّنَ فيها كان بالتفسيرِ المأثورِ عنِ الرسولِ ﷺ وعنْ أصحابِهِ وتابعِيهِم رضي الله عنهم.
2- كانَ التفسيرُ في تلك المرحلةِ بالإسنادِ المتصلِ إلى صاحبِ التفسيرِ المرويِّ عنه.
3- لم تكنْ لهم عنايةٌ بالنقدِ وتحرِّي الصحةِ في روايةِ الأحاديثِ في التفسيرِ، بل إنَّ بعضَهم ذكرَ ما رُوي في كلِّ آيةٍ من صحيحٍ وسقيمٍ، ولمْ يتحرَّ الصحةَ كابنِ جريج -مثلًا- [3]، ويرجعُ السببُ في ذلكَ إلى ذكرِهم للإسنادِ، فهمْ يكتفونَ بذكرِ الإسنادِ عن بيانِ درجةِ المرويِّ على حدِّ قولِ القائلِ: من أسندَ فقد أبرأَ ذمتَهُ.
4- اتسعَتْ روايةُ الإسرائيليَّاتِ، فدُوِّنَ الكثيرُ منها ضِمْنَ التفسيرِ.
كانت تلك المرحلةُ منعطفًا خطيرًا في تاريخِ التفسيرِ، بدأتْ حين اتجهَ بعضُ المفسرينَ إلى اختصارِ الأسانيدِ، ونقلُوا الآثارَ المرويةَ عن السلفِ دونَ أن ينسبُوهَا إلى قائلِيهَا، فاختلطَ الصحيحُ بالضعيفِ، وكانتْ تلكَ الهفوةُ منْ أخطرِ الهفواتِ وأوسعِ الفجواتِ لنفوذِ الأعداءِ إلى الدينِ؛ ليَضعُوا فيه ما لا يرتضِيه، ويُنَحِّلُوه ما ليسَ من مبادئِه، لولَا أنَّ اللهَ هَيَّأ لهذا الأمرِ من علماءِ الإسلامِ مَن كشفَ زيفَ الزائفينَ ودَسَّ المُغرضينَ، ومَيَّزَ بين الصحيحِ والسقيمِ، وحفظَ اللهُ تعالى لهذهِ الأمةِ هذا الدينَ.
كما ازدادَ في هذهِ المرحلةِ القولُ في التفسيرِ بالرأيِ المحمودِ منه والمذمومِ، وتجرأُوا على القولِ في القرآنِ بغير علمٍ، وحرصَ بعضُهم على الإكثارِ من روايةِ الأقوالِ في تفسيرِ الآيةِ الواحدةِ، فصارَ كلُّ مَن يسنحُ له قولٌ يُوردُه من غيرِ أنْ يخطرَ ببالِهِ شيءٌ يَعتَمدُ عليه، فيأتِي مَنْ بَعْدَه، فيظنُّ أنَّ لِـمَا أوردَ أصلًا غيرَ مُلتَفِتٍ لصحةٍ ولا باحثًا عنْ سندٍ[4].
وتطورَتْ كثيرًا روايةُ الإسرائيليَّاتِ، وتوسعتْ في استقصاءِ الأخبارِ الإسرائيليةِ، والخوضِ فيما لا فائدةَ في معرفتِه، واشتغلوا بهذا عن البحثِ الجَادِّ الأسمى في أمورِ الدينِ.
وهذه نتيجةٌ حتميَّةٌ للمرحلةِ السابقةِ، فقد انفتحَ بابُ التفسيرِ على مصراعَيْهِ، فدخلَ منه الغثُّ والسمينُ، والصحيحُ والعليلُ، ولم يَزلْ مفتوحًا إلى يومِنَا هذا، فبعد أن كانَ التفسيرُ يعتمدُ على النقلِ عنِ الرسولِ ﷺ وأصحابِه والتابعين، رأيناهُ في تلك المرحلةِ يعتمدُ على التفسيرِ بالرأيِ؛ وذلك نتيجة لنشأةِ كثيرٍ من الفرقِ والمِلَلِ والمذاهبِ في الإسلامِ، فأصبحَ أصحابُ كلِّ مذهبٍ يتجهون إلى آياتِ القرآنِ، ويفسِّرُونها حسبَ ما يوافقُ مذاهبَهم ومعتقداتِهم، كما اعتنى أربابُ العلومِ بما يوافقُ علومَهم، فكان كلُّ مَنْ بَرَعَ في علمٍ من العلومِ غَلَبَ ذلك على تفسيرِه، فالفقيهُ يكادُ يسردُ فيه الفقهَ، وربما استطردَ إلى إقامةِ أدلَّةِ الفروعِ والردِّ على المخالفين، كالقرطبيِّ والجصَّاصِ، والإخباريُّ ليس له هَمٌّ إلا سَرْدُ القصصِ واستيفاؤُها... كالثعلبيِّ، والنحويُّ ليس له هَمٌّ إلا الإعرابُ وتكثيرُ الأوجهِ المحتملةِ فيه؛ كالزجاجِ والواحديِّ وأبي حيانَ... وصاحبُ العلومِ العقليةِ ملأَ تفسيرَهُ بأقوالِ الحُكماءِ والفلاسفةِ وشبهِهم والرَّدِّ عليهم كالفخرِ الرازيِّ[5].
وهكذا نرى كُلَّ صاحبِ فنٍّ أو مذهبٍ يُفسرُ القرآنَ بما يتناسبُ مع فنِّه، أوْ يوافقُ مشربَهُ، أو يشهدُ لمذهبِهِ، ولو كانَ بعيدًا كُلَّ البعدِ عن المقصدِ الذي نَزَلَ من أجلِه القرآنُ[6].
تلكم أهمُّ المراحلِ التي مَرَّ بها تدوينُ التفسيرِ، لكن ينبغي أن نُدركَ أنَّ تتابعَ هذه المراحلِ لا يعني أنَّ كُلَّ مرحلةٍ منفصلةٌ انفصالًا تامًّا عن المرحلةِ السابقةِ لها أو التاليةِ، بل ظلتْ كلُّ مرحلةٍ موجودةً في المرحلةِ، أو المراحلِ التاليةِ لها، وقد توجدُ لها نواةٌ أو بذورٌ في المرحلةِ السابقةِ لها أيضًا.
أهمُّ المؤلفاتِ في عصرِ التدوينِ:
ليسَ منَ السهلِ ذكرُ المؤلفاتِ في عصرِ التدوينِ الذي امتدَّ من نهايةِ القرنِ الأولِ وبدايةِ القرنِ الثاني إلى عصرِنا الحاضرِ، فضلًا عنِ استقصاءِ ذلك.
وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فسنذكرُ أهمَّ المؤلَّفاتِ إجمالًا:
فمنْ أهمِّ المؤلفاتِ في التفسيرِ بالمأثورِ:
1- جامعُ البيانِ في تفسيرِ القرآنِ المعروفُ بـ (تفسيرِ الطبريِّ).
2- بحرُ العلومِ لأبي الليثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ.
3- الكشفُ والبيانُ عن تفسيرِ القرآنِ للثعلبيِّ.
4- معالمُ التنزيلِ للبغويِّ.
5- المحررُ الوجيزُ في تفسيرِ الكتابِ العزيزِ لابنِ عطيةَ.
6- الدرُّ المنثورُ في التفسيرِ بالمأثورِ للسيوطيِّ.
7- تفسيرُ القرآنِ العظيمِ المعروفُ بـ (تفسيرِ ابنِ كثيرٍ).
8- الجواهرُ الحسانُ في تفسيرِ القرآنِ للثعالبيِّ.
9- فتحُ القديرِ للشوكانيِّ.
10- أضواءُ البيانِ في إيضاحِ القرآنِ بالقرآنِ للشنقيطيِّ.
ومنْ أهمِّ المؤلفاتِ في التفسيرِ بالرأيِ:
1- الكشافُ للزمخشريِّ.
2- مفاتيحُ الغيبِ للرازيِّ.
3- مداركُ التنزيلِ وحقائقُ التأويلِ للنسفيِّ.
4- لُبَابُ التأويلِ في معاني التنزيلِ للخازنِ.
5- البحرُ المحيطُ لأبي حيانَ.
6- أنوارُ التنزيلِ وأسرارُ التأويلِ للبيضاويِّ.
7- تفسيرُ الجلالين لجلالِ الدينِ المحليِّ وجلالِ الدينِ السيوطيِّ.
8- إرشادُ العقلِ السليمِ إلى مزايا الكتابِ الكريمِ لأبي السعودِ.
9- روحُ المعاني في تفسيرِ القرآنِ العظيمِ والسبعِ المثاني للألوسيِّ.
10- تفسيرُ المنارِ لمحمدِ رشيدِ رضا.