حجم الخط:

محتوى الدرس (55)

[تمهيد]

كانَ الصحابةُ رضي الله عنهم يفهمونَ القرآنَ الكريمَ بمقتضى السليقةِ واللسانِ العربيِّ، وإذا أشكلَ عليهم معنى، سألُوا الرسولَ ، فبَيَّنَه لهم، وكانوا رضي الله عنهم يجتهدونَ في استنباطِ معاني ودلالاتِ بعضِ الآياتِ القرآنيةِ، ويتفاوتون في ذلك نَتِيجَةَ تفاوتِهم في معرفةِ أسبابِ النزولِ، وما أحاطَ بالآياتِ من أحداثٍ ومُلابساتٍ، فضلًا عن تفاوتِ القُدُراتِ العقليةِ، شأنُهم شأنُ البشرِ؛ ولذا فقدْ كانَ يقعُ بينهم اختلافٌ في التفسيرِ، إلَّا أنَّ هذا الاختلافَ كانَ قليلًا جدًّا بين الصحابةِ؛ لأمورٍ، منها:

1- وجودُ الرسولِ بينَهم، ورجوعُهم إليهِ إذا وُجِدَ بينَهم خلافٌ، فقد كان يجلُوه لهم؛ حتَّى لا يبقَى له أثرٌ.

2- أنَّ الرسولَ كان ينهاهم عمَّا يؤدِّي إلى الاختلافِ في القرآنِ؛ كما روى عمرُو بنُ شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عن جدِّهِ: أن نفرًا كانوا جلوسًا ببابِ النبيِّ فقال بعضُهم: ألم يقلِ اللهُ كذا وكذا؟ وقال بعضُهم: ألم يقلِ اللهُ كذا وكذا؟ فسمعَ ذلك رسولُ اللهِ ، فخرجَ، فكأنما فُقِئَ في وجهِهِ حبُّ الرُّمان، فقالَ: «أبهذا أمِرْتُم؟ أو بهذا بُعِثْتم أن تضربوا كتابَ اللهِ بعضَهُ ببعضٍ؟ إنَّما ضلَّت الأُممُ قبلَكم في مثلِ هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيءٍ، انظروا الذي أمِرْتُم به، فاعملوا به، والذي نُهيتُم عنه، فانتهوا عنه»[1].

3- سعةُ علمِ الصحابةِ الشرعيِّ، ومعرفتُهم لِلُّغَةِ العربيةِ وأساليبِها ومعانيها؛ مما يَسَّرَ لهم معرفةَ كثيرٍ منَ الآياتِ بمقتضَى اللسانِ العربيِّ.

4- تأثيرُ العَصْرِ عليهم، فإنَّ للعصرِ تأثيرَه على أبنائِه، ومنَ المعلومِ أنَّ عصرَ الصحابةِ هو خيرُ العصورِ؛ ولذا قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (كانَ النزاعُ بين الصحابةِ في تفسيرِ القرآنِ قليلًا جدًّا، وهوَ وإن كان في التابعينَ أكثرَ منهُ في الصحابةِ، فهوَ قليلٌ بالنسبةِ إلى ما بعدَهم، وكُلَّمَا كانَ العصرُ أشرفَ، كانَ الاجتماعُ والائتلافُ والعلمُ والبيانُ فيه أكثرَ)[2].

ولهذا نرى الاختلافَ يزدادُ والرقعةَ تتسعُ كلَّما امتدَّ الزمانُ.

ومعَ قلةِ الاختلافِ بينَ الصحابةِ في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ، فإنَّ أغلبَهُ يرجعُ إلى اختلافِ التنوُّعِ، لا إلى اختلافِ التضادِّ، وهو أيسرُ أنواعِ الاختلافِ.

أنواعُ اختلافِ التنوُّعِ:

ونستطيعُ أنْ نُرْجِعَ اختلافَ السلفِ في التفسيرِ إلى أنواعٍ معدودةٍ، منها:

الأول: أنْ يُعبِّرَ كُلُّ واحدٍ منَ المفسِّرين عنِ المعنى المرادِ بعبارةٍ غيرِ عبارةِ صاحبِهِ، تدلُّ على معنًى في المُسَمَّى غير المعنى الآخرِ معَ اتحادِ المُسَمَّى.

ومثالُ ذلكَ: تفسيرُ (الصراط المستقيم)، فقدْ قالَ بعضُهم: هو القرآنُ، وقيلَ: الإسلامُ، وقيلَ: هو السنةُ والجماعةُ، وقيلَ: العبوديةُ، وقيلَ: طاعةُ اللهِ ورسولِهِ.

فهذه الأقوالُ كلُّها تدلُّ على ذاتٍ واحدةٍ، لكنْ وصفَها كلٌّ منهم بصفةٍ من صفاتِها[3].

الثاني: أنْ يذكرَ كلُّ مُفسِّرٍ من الاسمِ العامِّ بعضَ أنواعِهِ على سبيلِ التمثيلِ، وتنبيه المستمعِ على النوعِ، لا على سبيلِ الحَدِّ المطابقِ للمحدودِ في عمومِهِ وخصوصِهِ.

ومثالُ ذلك: ما نُقِلَ في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: 32].

فمنَ المفسرين مَنْ قالَ: السابقُ الذي يُصلِّي في أوَّلِ الوقتِ، والمقتصدُ الذي يصلي في أثنائِهِ، والظالمُ لنفسِهِ الذي يؤخرُ العصرَ إلى الاصفرارِ.

ومنهم مَنْ قالَ: السابقُ والمقتصدُ والظالمُ قد ذكرَهم في آخرِ سورةِ البقرةِ، فإنَّهُ ذكرَ المحسنَ بالصدقةِ، والظالمَ بأكلِ الرِّبَا، والعادلَ بالبيعِ.

ومنهم مَنْ قالَ: السابقُ المحسنُ بأداءِ المستحبَّاتِ مع الواجباتِ، والظالمُ آكلُ الرِّبَا أو مانعُ الزكاةِ، والمقتصدُ الذي يؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ ولا يأكلُ الرِّبَا، وأمثال هذه الأقاويلِ[4].

فكلُّ قولٍ من هذهِ الأقوالِ إنما يذكرُ نوعًا ممَّا يتناولُهُ نَصُّ الآيةِ؛ لتعريفِ المستمعِ وتنبيهِهِ على نظائِرِهِ، ولا يُضادُّ ما ذكرَهُ غيرُهُ.

الثالثُ: ما يكونُ فيه اللفظُ محتملًا للأمرينِ:

ومثالُهُ: لفظُ (قَسْوَرَة) فإنهُ يُرادُ بها الرَّامي، ويُرادُ بها الأسدُ.

ولفظُ (عَسْعَسَ) يُرادُ به إقبالُ الليلِ وإدبارُهُ.

ولفظُ (القَرْء) يُرادُ به الحيضُ والطهرُ.

الرابعُ: أن يُعبِّرُوا عنِ المعانِي بألفاظٍ متقاربةٍ.

ومثالُهُ أنْ يفسرَ أحدُهُمْ قولَهُ تعالَى: ﴿ أَنْ تُبْسَلَ [الأنعام: 70][5] بـ(تُحْبَسَ)، ويقولُ الآخرُ: (تُرْتَهَنُ)، ونحو ذلك.

وكلُّ هذه الأنواعِ منَ اختلافِ التنوعِ، وليسَتْ منَ اختلافِ التضادِّ، وهوَ اختلافٌ لا ضررَ فيهِ.

قالَ الزركشيُّ: (يكثرُ في معنَى الآيةِ أقوالُهُم واختلافُهم، ويحكِيهِ المصنفون للتفسيرِ بعباراتٍ متباينةِ الألفاظِ، ويظنُّ مَن لا فهمَ عندَهُ أنَّ في ذلكَ اختلافًا فيحكيه أقوالًا، وليسَ كذلكَ، بلْ يكونُ كلُّ واحدٍ منهم ذكرَ مَعْنًى ظهرَ منَ الآيةِ، وإنَّما اقتصرَ عليه؛ لأنَّه أظهرُ عندَ ذلك القائلِ، أو لكونِهِ أليقَ بحالِ السائلِ، وقد يكونُ بعضُهم يُخبرُ عنِ الشيءِ بلازمِهِ ونظيرِهِ، والآخرُ بمقصودِهِ وثمرتِهِ، والكلُّ يَؤُولُ إلى مَعْنىً واحدٍ غالبًا، والمرادُ الجميعُ، فَلْيُتَفَطَّنْ لذلكَ، ولا يُفهمْ منَ اختلافِ العباراتِ اختلافُ المراداتِ كما قيلَ:

عباراتُنَا شتَّى وحسنُك واحدٌ

وكلٌّ إلى ذاكَ الجمالِ يُشِيرُ[6]

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة