التفسيرُ الموضوعيُّ:
وهوَ أسلوبٌ لا يُفَسِّرُ فيهِ صاحبه الآياتِ القرآنيةَ حَسْبَ ترتيبِ المصحفِ، بل يجمعُ الآياتِ القرآنيةَ التي تتحدثُ عن موضوعٍ واحدٍ، فيفسرُهَا.
ولذا، فإنَّ التفسيرَ الموضوعيَّ هو: جمعُ الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدثُ عنْ قضيةٍ أو موضوعٍ واحدٍ، وتفسيرُها مجتمعةً، واستنباطُ الحكمِ المشتركِ منها، ومقاصدِ القرآنِ فيها.
وقيلَ: هوَ علمٌ يتناولُ القضايا حسبَ المقاصدِ القرآنيةِ منْ خلالِ سورةٍ أوْ أكثرَ[1].
وقدْ نشأَ (التفسيرُ الموضوعيُّ) في عهدٍ مبكرٍ في الإسلامِ، فقدْ نشأَ في عهدِ النبوةِ، ولا يزالُ إلى يومِنَا هذا، إلَّا أنَّ مصطلحَ (التفسيرِ الموضوعيِّ) وإطلاقَهُ على هذا الأسلوبِ منَ التفسيرِ لم يظهرْ إلا في القرنِ الرابع عشر.
ونستطيعُ أنْ نجدَ (التفسيرَ الموضوعيَّ) في صورةٍ متعددةٍ عندَ السلفِ، منها:
[صور من التفسير الموضوعي عند السلف]
إذ إنَّ جمعَ الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدثُ عن موضوعٍ واحدٍ، وتفسيرُ بعضِها ببعضٍ هو أعلى درجاتِ التفسيرِ الموضوعيِّ، وأعظمُها ثمرةً، وأكثرُها فضلًا.
وكانَ أسبقُ الناسِ إلى ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، فقد كانَ يفسرُ لأصحابِهِ القرآنَ بالقرآنِ، والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ، فقد روى البخاريُّ[2] أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فَسَّرَ مَفْاتِحَ الغيبِ فِي قولِهِ تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ ﴾ [الأنعام: 59]، فقالَ: «مفاتحُ الغيبِ خمسٌ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: 34]».
وأدركَ ذلكَ الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليْهِم، فقد كانُوا يجمعون الآياتِ المتشابهةَ، ويفسرونَ بعضَها ببعضٍ، فإنْ أشكلَ عليهم تفسيرُها، رجعُوا إلى الرسولِ ﷺ، فبينَهُ لهم.
فقدِ اتجهَ طائفةٌ منْ قدامى المفسرين إلى تتبعِ آياتِ الأحكامِ الفقهيةِ في القرآنِ الكريمِ دونَ غيرِها، وتفسيرِهَا على هذا النحوِ.
ومنْ أشهرِ المؤلفاتِ في ذلكَ:
1- الجامعُ لأحكامِ القرآنِ للقرطبيِّ.
2- أحكامُ القرآنِ للجصاصِ.
3- أحكامُ القرآنِ لابنِ العربيِّ.
4- نيلُ المرامِ من تفسيرِ آياتِ الأحكامِ لمحمدِ صدِّيقِ حسنٍ.
وغيرُها.
ولا شكَّ أنَّ هذا لونٌ منْ ألوانِ التفسيرِ الموضوعيِّ.
ويقومُ المفسرُ فيه بتتبعِ كلمةٍ قرآنيةٍ واحدةٍ في القرآنِ الكريمِ، وبيانِ معنَاها فِي كلِّ موضعٍ؛ ومنْ ثَمَّ معرفةُ استعمالاتِ القرآنِ الكريمِ لها، ودلالاتِها المختلفةِ.
ومنْ أشهرِ المؤلفاتِ في هذا:
1- الأشباهُ والنظائرُ في القرآنِ الكريمِ: مقاتلُ بنُ سليمانَ.
2- التصاريفُ: يحيى بنُ سلامٍ.
3- بصائرُ ذوي التمييزِ في لطائفِ الكتابِ العزيزِ: الفيروزآبادي.
4- نزهةُ الأعينِ النواظرِ في علمِ الوجوهِ والنظائرِ: ابنُ الجوزيِّ.
5- كشفُ السرائرِ في معرفةِ الوجوهِ والأشباهِ والنظائرِ: ابنُ العمادِ.
6- الأشباهُ والنظائرُ في الألفاظِ القرآنيةِ التي ترادفَتْ مبانِيهَا وتنوعَتْ معانِيها: الثعالبيُّ.
والغالبُ على هذَا اللونِ من التفسيرِ الجانبُ اللغويُّ، إذ إنَّهُ يعتنِي بالكلماتِ التي يتَّحدُ لفظُها ويختلفُ معناها حسبَ استعمالِهَا، ولا شكَّ أنَّ هذا لونٌ منْ ألوانِ التفسيرِ الموضوعيِّ.
ولم تقتصرْ جهودُ العلماءِ السابقين على الجوانبِ اللغويةِ للكلماتِ القرآنيةِ، بل جمعوا الآياتِ التي تشتركُ في موضوعٍ واحدٍ أو قضيةٍ واحدةٍ كالنسخِ، والقسمِ، والمُشْكِلِ، والأمثالِ، وغيرِها، فجمعوها ثمَّ تناولُوها منَ الجانبِ المرادِ.
فجمعُوا الآياتِ الناسخةَ والآياتِ المنسوخةَ، وجمعُوا الآياتِ التي يبدُو التعارضُ بينها ظاهرًا، وما ذهبَ من الآياتِ مذهبَ المثلِ، وجمعوا ما فيه قَسَمٌ من الآياتِ القرآنيةِ، وغير ذلك، والمؤلفاتُ على هذا النحوِ كثيرةٌ، منْهَا:
1- الناسخُ والمنسوخُ: أبو عبيدةَ القاسمُ بنُ سلامٍ.
2- تأويلُ مشكلِ القرآنِ: ابنُ قتيبةَ.
3- أمثالُ القرآنِ: الماورديُّ.
4- التبيانُ في أقسامِ القرآنِ: ابنُ القيمِ.
5- مجازُ القرآنِ: العزُّ بنُ عبدِ السلامِ.
وبهذا يظهرُ لنا -يقينًا- أنَّ التفسيرَ الموضوعيَّ وإنْ تأخرتْ تسميتُهُ بهذا الاسمِ، فإنَّهُ منْ علومِ السابقين ومنْ مبتكراتِهِمْ.
ولا شكَّ أنَّ المؤلفاتِ في التفسيرِ الموضوعيِّ قد كثرتْ في العصرِ الحديثِ، وأصبحتِ المكتبةُ القرآنيةُ تزخرُ بالمؤلفاتِ فيهِ، فهوَ ميدانٌ خصبٌ للباحثين.
ولخدمةِ الباحثين في هذا الموضوعِ، فقدِ اتجهتِ العنايةُ إلى جمعِ الآياتِ القرآنيةِ وترتيبِهَا حسبَ موضوعاتِهَا، ومن أشهرِ المؤلفاتِ في هذا كتابُ المستشرقِ الفرنسيِّ جول لابوم (تفصيلُ آياتِ القرآنِ الكريمِ) حيثُ قسَّمَها إلى نحوِ (350) موضوعًا، إلَّا أنَّه ينبغِي أن نشيرَ إلى أنَّه حتى الآنَ لم يكتبْ أحدٌ تفسيرًا موضوعيًّا شاملًا للقرآنِ الكريمِ.
ينقسمُ التفسيرُ الموضوعيُّ إلى ثلاثةِ أنواعٍ، هي:
أنْ يتتبعَ الباحثُ كلمةً منْ كلماتِ القرآنِ الكريمِ، ويجمعَ الآياتِ التي وردتْ فيها هذه الكلمةُ أو مشتقاتُها من مادتِها اللغويةِ، ثمَّ يقومَ بتفسيرِها واستنباطِ دلالاتِها واستعمالاتِ القرآنِ الكريمِ لها.
وقدِ اهتمَّتْ بهذا الموضوعِ منَ التفسيرِ كتبُ الأشباهِ والنظائرِ: إلَّا أنَّها وقفتْ عندَ حَدِّ بيانِ دلالةِ الكلمةِ في موضعِها منْ غيرِ ربطٍ بينَ مواضعِ ورودِهَا، واستعمالاتِهَا في كلِّ موضعٍ، فبقيَ تفسيرُهُم للكلمةِ في دائرةِ (الدلالةِ اللفظيةِ)[3].
ثمَّ اتسعَ هذا اللونُ منَ التفسيرِ، فتتبعَ المفسرونَ الكلمةَ، وحاولُوا الربطَ بين دلالتِها في مختلفِ المواضعِ، وأظهرُوا بهذه الطريقةِ معانيَ جديدةً، وألوانًا منَ البلاغةِ، ووجوهًا منَ الإعجازِ القرآنيِّ، واستنبطُوا دلالاتٍ قرآنيةً دقيقةً لا تظهرُ بغيرِ هذا المسلكِ.
ومنَ المؤلفاتِ على هذا النوعِ منَ التفسيرِ:
1- (كلمةُ (الحق) في القرآنِ الكريمِ) للشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الراوي.
2- المصطلحاتُ الأربعةُ في القرآنِ (الإلهُ، الربُّ، العبادةُ، الدينُ) لأبي الأعلَى المودوديِّ.
3- الأمةُ في دلالتِها العربيةِ والقرآنيةِ للدكتورِ أحمد حسن فرحات.
4- (الحمدُ) في القرآنِ الكريمِ للدكتورِ محمد محمد خليفة.
5- منْ مفرداتِ القرآنِ (المنافقون) للدكتورِ محمد جميل غازي.
6- تأملاتٌ حولَ وسائلِ الإدراكِ في القرآنِ الكريمِ (الحسِّ، والعقلِ، والقلبِ، واللبِّ، والفؤادِ) للدكتورِ محمدِ الشرقاويِّ.
جمعُ الآياتِ القرآنيةِ التي تتناولُ قضيةً واحدةً بأساليبِ مختلفةٍ عرضًا وتحليلًا ومناقشةً وتعليقًا، وبيانُ حُكمِ القرآنِ فيها.
والمفسرُ على هذا النحوِ يجعلُ هَمَّهُ الموضوعَ ذاتَهُ، وما يؤدِّي إليهِ، فلا يُشْغِلُ نفسَهُ بذكرِ القراءاتِ، ووجوهِ الإعرابِ، وصورِ البلاغةِ، إلا بمقدارِ صلتِهَا بالموضوعِ، وما تخدمُ منهُ.
وهذا النوعُ هو أشهرُ أنواعِ التفسيرِ الموضوعيِّ، وأكثرُهَا تأليفًا ودراسةً، وإذا أُطْلِقَ مصطلحُ (التفسيرِ الموضوعيِّ)، فلا يكادُ ينصرفُ الذهنُ إلَّا إليه[4].
والمؤلفاتُ فيه كثيرةٌ متعددةٌ قديمًا وحديثًا، بل إنَّ الكتبَ التي تتناولُ (إعجازَ القرآنِ) أو (الناسخَ والمنسوخَ) أو (أحكامَ القرآنِ) أو (أمثالَ القرآنِ) أو (قصصَ القرآنِ) أو (جدلَ القرآنِ) أو (بلاغةَ القرآنِ) أو (القسمَ في القرآنِ) أو غيرَ ذلك -ما هي إلا منْ هذا النوعِ منَ التفسيرِ.
أمَّا في العصرِ الحديثِ، فقد أضافت إلى هذه العلومِ موضوعاتٌ اجتماعيةٌ، واقتصاديةٌ، وسياسيةٌ، وغيرُ ذلك، ومنها:
1- آياتُ الجهادِ في القرآنِ الكريمِ: كاملُ سلامةَ الدقسِ.
2- المالُ في القرآنِ: محمود غريب.
3- دستورُ الأخلاقِ في القرآنِ: د. محمد عبد الله درازٍ.
4- التفسيرُ العلميُّ للآياتِ الكونيةِ في القرآنِ الكريمِ: حنفِي أحمد.
5- القرآنُ والطبُّ: محمد وصفِي.
6- التربيةُ في كتابِ اللهِ: محمود عبد الوهابِ.
وموضوعاتٌ أخرى كثيرةٌ.
هو تحديدُ الموضوعِ الذي تتناولُهُ سورةٌ قرآنيةٌ واحدةٌ، ثم دراسةُ هذا الموضوعِ من خلالِ تلك السورةِ وحدَهَا.
وهذا النوعُ -كما ترى- قريبٌ منَ النوعِ الثانِي، إلَّا أنَّ دائرتَهُ أضيقُ.
ومنَ المعلومِ أنَّ لكلِّ سورةٍ منَ السورِ القرآنيةِ شخصيتَهَا المستقلةَ، وأنَّ لها هدفًا واضحًا ترمي إلى إيضاحِهِ وبيانِهِ، وإدراكُ هدفِ السورةِ يكشفُ للباحثِ معانيَ دقيقةً، ومناسباتٍ لطيفةً، وصورًا بليغةً.
ومنَ المؤلفاتِ في هذا النوعِ منَ التفسيرِ:
1- تصورُ الألوهيةِ كما تعرضُه سورةُ الأنعامِ: د. إبراهيمُ الكيلانيِّ.
2- نماذجُ منَ الحضارةِ القرآنيةِ في سورةِ الرومِ: د. عبدُ المنعمِ الشفيع.
3- قضايا العقيدةِ في ضوءِ سورةِ ق: كمال محمد عيسَى.
4- قضايَا المرأةِ في سورةِ النساءِ: د. محمد يوسف.
5- سورةُ الواقعةِ ومنهجُها في العقائدِ: محمود غريب.
ويظهرُ بهذا العرضِ السريعِ أنَّ التفسيرَ الموضوعيَّ من أهمِّ أساليبِ التفسيرِ، وله مزايا عديدةٌ ليسَ هذا مجالَ بيانِهَا.