الناسخ والمنسوخ
لغة: يطلق النسخ ويراد به:
· رَفْعُ شَيْءٍ وَإِثْبَاتُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ؛ ومنه: نسخت الشمس الظل: أزالته وأخذت موضعه.
· تحْوِيلُ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ؛ ومنه: نسخت الكتاب.
اصطلاحًا: رفع الشارع حكمًا من أحكامه سابقًا، بحكم من أحكامه لاحقًا[1].
والحديث الذي ثبت به الحكم الأول يسمى (منسوخًا) والحديث الذي ثبت به الحكم الجديد يسمى (ناسخًا)[2].
وهذا باب في أغلبه قائم على الاجتهاد؛ ولذلك نجد اختلافا كبيرًا بين العلماء في الأدلة التي تم نسخها.
وقد نص ابن كثيررحمه الله -وغيره- على أن: (هذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه)[3]. فإن البحث في الناسخ والمنسوخ إنما هو في بيان أيهما يعمل به، وليس أيهما الثابت الصحيح؛ فالحديثان مقبولان من حيث الصنعة الحديثية[4].
لمعرفة النسخ عدة طرق[6]:
· النص على النسخ؛ كقول النبي ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ»[7].
· تصريح الصحابي بالنسخ؛ ومنه قول أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه: (إِنَّمَا كَانَ الماءُ مِنَ الماءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا) [8].
· التاريخ؛ كحديث: «أَفْطَرَ الحاجِمُ وَالمحْجُومُ»[9]، مع حديث: «أن النبي ﷺ احْتَجَمَ وهُو صَائم»[10]، فالأول منسوخ -على رأي جماعة من العلماء- لكونه ورد في عام الفتح، في حين أن الحديث الثاني كان في حجة الوداع؛ وبذلك عُلم المتأخر من المتقدم[11].
· ما دل على نسخه انعقاد الإجماع على تركِ العمل به؛ كحديث مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ»[12].
والإجماعُ لا يَنسخُ، ولكن يدل على وجودِ ناسخ غيره[13] لم يصل إلينا، أو وصلنا غير مستوفٍ لشروط القبول[14].
· يقي العالم من أن يقول على الله بغير حق؛ فينسب للشريعة ما ليس منها[15].
· إثبات النسخ يوضح الصورة البهية لسير التشريع الإسلامي.
· الاطلاع على حِكَم الله تعالى في تربية الخلق وسياسة البشر، وابتلائه الناس بتجديد الأحكام[16].
· الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام، والاهتداء إلى صحيح الأحكام، خاصة إذا وُجدت أدلة متعارضة لا يندفع التعارض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها[17].
· إتقان هذا الفن من تتمات الاجتهاد[18].
· يعرف منه وفيات بعض الصحابة، وتاريخ إسلام بعضهم، وكذلك الرواة.
· (ناسخ الحديث ومنسوخه) للأثرم (تـ:261هـ).
· (ناسخ الحديث ومنسوخه) لابن شاهين (تـ:385هـ).
· (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) للحازمي (تـ: 584هـ).
· (الناسخ والمنسوخ في الحديث) لأبي حامد الرازي (تـ: 631هـ).
· (رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار) لبرهان الدين الجعبري (تـ: 732هـ).
** للمزيد حول مسائل (الناسخ والمنسوخ): انظر: معرفة علوم الحديث (ص85)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ للحازمي (ص6)، علوم الحديث (ص 466)، التقريب للنووي (ص 88)، المنهل الروي (ص 61)، الباعث الحثيث (ص169)، الشذا الفياح (2/ 462)، التقييد والإيضاح (ص278)، شرح التبصـرة والتذكرة (2/96)، نزهة النظر (ص95)، المختصـر في علم الأثر (ص 139)، فتح المغيث (4/52)، الغاية شرح الهداية (ص228)، تدريب الراوي (2/ 643)، فتح الباقي بشـرح ألفية العراقي (2/ 169)، شرح نخبة الفكر للقاري (ص 376)، قواعد التحديث (ص 316)، شرح ألفية السيوطي لأحمد شاكر (ص101)، تحرير علوم الحديث (2/ 651).