حجم الخط:

محتوى الدرس (59)

المخصصات المنفصلة

[المراد بها]:

وهي كل دليل يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه.

1- الحس:

مثال التخصيص به قوله تعالى: ﴿ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾ [الذاريات:42]، فالعموم في قوله: (من شيء) مخصوص؛ إذ لم تجعل الجبال كالرميم، والذي دل على ذلك الحس.

2- العقل:

مثال التخصيص به قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد:16]، فالعقل دل على أن الله لا يخلق نفسه.

وقد اختلف في عد العقل من المخصصات، فقال بعض العلماء إنه ليس مخصصًا؛ لأن ما دل العقل على عدم دخوله تحت اللفظ لا يكون اللفظ موضوعًا له أصلاً، فالله جل وعلا غير داخل في لفظ (شيء) المذكور في الآية فلا حاجة إلى القول بتخصيصه[1].

وقال أكثرهم: إنه من المخصصات؛ لأن لفظ (كل شيء) موضوع في اللغة للعموم، وفي هذه الآية لا يمكن حمل اللفظ على عمومه لدلالة العقل على خروج الله جل وعلا وصفاته من هذا العموم.

ويظهر أثر الخلاف عند من يقول: إن العام قبل التخصيص قطعي وبعده ظني، فإنه إذا عد العقل مخصصًا عد العام المخصوص به ظنيًا، وقد رأيت بعض علماء الحنفية الذين ذهبوا إلى التفريق بين العام المخصوص والعام المحفوظ قد جعل المخصوص بالعقل باقيًا على قطعيته ما لم يخصص بدليل آخر.

وأما الجمهور فإنهم إذا عدوا العقل مخصصًا فإن العام غير المخصوص عندهم أقوى من المخصوص بالعقل أو بغيره من الأدلة.

3- النص:

والتخصيص بالنص له صور:

أ- تخصيص القرآن بالقرآن:

مثاله: تخصيص قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ﴾ [البقرة:228]، بقوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ ﴾ [الطلاق:4]، فالآية الأولى تفيد أن كل مطلقة عدتها ثلاث حيض، وإذا قيل إنها مخصوصة بالآية الثانية فتخرج الحوامل من العموم، وكذلك خص من عموم المطلقات غير المدخول بها، بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ [الأحزاب:49].

ب- تخصيص القرآن بالسنة:

مثاله: تخصيص قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ﴾ [النساء:11]، بقوله ﷺ: «ليس للقاتل شيء» [أخرجه مالك في الموطأ من حديث عمر مرفوعًا، وأخرجه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وله طرق يتقوى بها] فأخرج القاتل، وبقوله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» [أخرجه أحمد في المسند، ومعناه في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه] فأخرج أبناء الأنبياء، وتخصيص قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ﴾ [النور:2]، بما ثبت أنه رجم الزاني المحصن، فيكون مخصوصًا من العموم، وهو تخصيص بالفعل.

ومثله تخصيص قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ ﴾ [البقرة:222]، بما روته عائشة أن النبي ﷺ كان يأمرها أن تتزر فيباشرها وهي حائض [متفق عليه].

ففعل الرسول ﷺ معها خصص العموم المستفاد من قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ [البقرة:222]، أي: لا يكن منكم قربان لهن حتى يطهرن.

والتخصيص بتقرير النبي ﷺ مثاله: تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ ﴾ [البقرة:267]، بإقرار النبي ﷺ لأهل المدينة بعدم إخراج الزكاة من الخضروات.

وقد اختلفوا في تخصيص القرآن بالسنة الآحادية:

[مذهب الجمهور]:

فذهب الجمهور إلى أنه جائز وواقع، وهذا منقول عن الأئمة الأربعة.

· واحتجوا على هذا بأدلة، أهمها:

- الإجماع من الصحابة على العمل بأخبار الآحاد الخاصة مع معارضتها في الظاهر لعموم القرآن، وهذا يدل على أنهم خصصوا القرآن بخبر الآحاد، ويدل على ذلك وقائع كثيرة منها:

1- أن فاطمة طلبت ميراثها من رسول الله ﷺ، فبين لها أبو بكر أنها لا تستحق شيئًا؛ لقوله ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة» [متفق عليه] وهذا مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ﴾ [النساء:11].

2- تخصيص آيات المواريث بقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر» [متفق عليه].

3- تخصيص قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ [البقرة:275]، بما روي عن أبي سعيد الخدري وغيره أن النبي ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل...» [متفق عليه].

4- تخصيص قوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة:5]، بقوله ﷺ - في المجوس -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» [أخرجه مالك في الموطأ من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا].

فهذه المواضع متفق على جريان التخصيص فيها، مع أن المخصصات أخبار آحاد.

وذهب بعض علماء الحنفية إلى عدم جواز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد إلا إذا سبق تخصيصه بقطعي.

وأنكر بعض المتكلمين تخصيص القرآن بأخبار الآحاد مطلقًا.

واستدل هؤلاء وأولئك بما ثبت عن عمر أنه رد خبر فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة حين طلقت، وقال: «لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» [أخرجه مسلم]، وهو يعني تقديم قوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ [الطلاق:6].

والراجح: قول الجمهور، ومما يؤيده أن القول بتخصيص القرآن بأخبار الآحاد فيه عمل بكل من الدليلين العام والخاص، والعمل بالدليلين ولو من وجه أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما.

والجواب عن قول عمر بأنه رد الحديث لشكه في صحته، لا لكونه من رواية واحد معارضة لعموم القرآن.

ثمرة الخلاف:

انبنى على هذا الخلاف اختلاف في كثير من الفروع، منها:

1- تخصيص قوله تعالى: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ ﴾ [المزمل:20]، بحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [متفق عليه] فعند الحنفية لا يخصص عموم الآية بالحديث فلا يجعل خصوص الفاتحة هو ركن الصلاة، بل ركنها قراءة القرآن، وعند الجمهور يخصص عموم القرآن بالحديث فيكون المراد بما تيسر الفاتحة فتكون هي الركن.

2- تخصيص آية: ﴿ ۞ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ [الأنفال:41]، بقوله ﷺ: «من قتل قتيلاً فله سلبه» [متفق عليه]، فالحنفية يقولون إن عموم الآية لم يسبق تخصيصه بقطعي فلا يمكن تخصيصه بالآحاد، فالسلب عندهم حكمه حكم الغنيمة فيخمس، وعند الجمهور الآية تخصص بالحديث، فالسلب للقاتل، على خلاف بينهم في شروط إعطاء السلب للقاتل.

3- تخصيص آية: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام:121]، بحديث: «سموا أنتم وكلوه» [رواه البخاري] فالحنفية قالوا لا نخصص عموم النهي المذكور في الآية بخبر الآحاد؛ لأنه لم يسبق تخصيصه بقطعي، ولذا لم يجيزوا الأكل من متروك التسمية، والجمهور خصصوا الآية بالحديث فأجازوا أكل متروك التسمية بشروط وقيود اختلفوا فيها.

ج- تخصيص السنة بالسنة:

مثاله: تخصيص قوله ﷺ: «فيما سقت السماء والعيون العشـر» [أخرجه البخاري] بقوله ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» [متفق عليه]، فإن الحديث الأول عام في القليل والكثير، والثاني دل على إخراج القليل الذي لا يبلغ خمسة أوسق عن أن تجب فيه زكاة.

د- تخصيص السنة بالقرآن:

ونقل عن الشافعي إنكاره، والصواب جوازه ووقوعه، ومثاله: تخصيص قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» بقوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿٢٩﴾ ﴾ [التوبة:29] فالحديث دل على مقاتلة جميع الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والآية خصصت أهل الكتاب فإنهم لا يقاتلون إذا أعطوا الجزية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة