حجم الخط:

محتوى الدرس (61)

العموم الوارد على سبب:

[تحرير محل النزاع]:

أطال بعض الأصوليين في تحرير محل النزاع في المسألة بتقسيم العموم الوارد جوابًا، إلى مستقل وغير مستقل، ومثّل غير المستقل بقول الرسول ﷺ: «نعم» جوابًا لسؤال سائل، ولا أرى حاجة لذلك؛ لأن لفظ «نعم» ليس من صيغ العموم، والكلام ليس في عموم كل جواب وخصوصه، وإنما الكلام في الجواب العام بالوضع هل يقصر على سببه؟

· والأولى أن يقال في تحرير محل النزاع:

إن العلماء اتفقوا على دخول صورة السبب في الحكم العام الوارد على سبب خاص، وما عداها من الصور الداخلة تحت عموم اللفظ إما أن يكون عموم اللفظ لها جزءًا من الجواب لا يتم الجواب إلا به، أو يكون اللفظ الذي تناولها لغة زائدًا عن الجواب يمكن فهم الجواب بدونه.

· ومثال القسمين:

أن الرسول ﷺ سئل: أنتوضأ بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» [أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الحاكم]، فهذا الجواب فيه عمومان:

الأول: واقع في جواب السؤال ولا يتم الجواب بدونه، وهو قوله: «هو الطهور ماؤه».

والثاني: زائد عن جواب السؤال ولكنه مصاحب له، وهو قوله: «الحل ميتته»، فهذا العموم الأخير خارج عن محل النزاع؛ لأنه بيان لحكم لم يسأل عنه فهو كالحكم المبتدأ الذي لا يعرف سببه، فيكون عامًا لكل ميتات البحر إلا ما قام الدليل على خصوصه.

[النوع موضع النزاع]:

والأول: وهو ما كان العموم فيه في موضع السؤال ولا يتم الجواب إلا به هو موضع النزاع.

ومن أمثلته:

أ- قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ ﴾ [المجادلة:3]. فهذه الآية نزلت عندما ظاهر أوس بن الصامت من زوجته فأتت إلى النبي ﷺ تشكو إليه حالها وحال أولادها، وهو جواب عام في موضع السؤال، وليس زائدًا عن الجواب.

ب- قوله ﷺ - حين سئل عن ماء بئر بضاعة -: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وهو جواب عام في موضع السؤال، وليس خارجًا عما يحتاج إليه في الجواب.

ج- قوله ﷺ: «الخراج بالضمان» [أخرجه أحمد وأصحاب السنن عن عائشة مرفوعًا] حين سئل عمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد فيه عيبًا فرده، هل يضمن أجرة استعماله؟ وهو كما سبق جواب عام في موضع السؤال.

فهذا العموم ونحوه اختلف فيه على قولين مشهورين:

[الأقوال]:

القول الأول:

أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو مذهب جمهور العلماء، وعليه العمل عند أكثر الفقهاء من أتباع المذاهب وغيرهم.

دليله:

1- أن الصحابة والتابعين استدلوا بالآيات والأحاديث العامة الواردة على أسباب خاصة في عمومها، ولم يقصـروها على أسبابها، وذلك كآيات اللعان والظهار والسـرقة والمواريث.

2- أن الحكم إنما يؤخذ من نص الشارع، وهو نص عام فيجب حمله على عمومه.

3- أن عدول الشارع عن الجواب الخاص إلى العموم دليل على أنه أراد العموم.

4- ما ثبت في الصحيحين من استشهاد الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴿٥٤﴾ ﴾ [الكهف:54]، على علي رضي الله عنه عند ما أيقظه النبي ﷺ هو وفاطمة لصلاة الليل، فقال علي: إن أرواحنا بيد الله، إن شاء بعثنا، فولى النبي ﷺ وهو يضـرب فخذه ويقول: « ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴿٥٤﴾ ﴾ [الكهف:54]» [متفق عليه]، مع أن الآية نزلت في الكفار الذين يجادلون في القرآن.

القول الثاني:

أنه يجب قصر العام على سببه، وإليه ذهب بعض الشافعية, ونسب إلى الإمام الشافعي، ونقل عن المزني وأبي ثور، وحكي عن أبي الفرج المالكي، ونقل أيضًا عن أبي حنيفة.

دليله:

أن اتفاق العلماء على نقل أسباب النزول والعناية بها يدل على أنها ذات أثر في فهم الآيات، ولا أثر إلا قصـر الآيات العامة على أسبابها، ولولا ذلك لما كان لنقل الأسباب فائدة.

[الترجيح]:

والراجح: الأول، ونقل العلماء لأسباب النزول لا يدل على قصر العام على سببه؛ لأن نقل الأسباب له غايات أخرى، منها: أن الأسباب تساعد في فهم النصوص الشرعية وتفسير ما يغمض منها، ومنها: أن نقل السبب يبين تاريخ نزول الآية أو ورود الحديث ليعرف المتقدم عليه والمتأخر عنه من النصوص الأخرى، فيعرف الناسخ من المنسوخ.

ثمرة الخلاف:

مما ترتب على الخلاف في المسألة: اختلافهم في حل متروك التسمية، فإن الحنفية والحنابلة استدلوا بعموم آية: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام:121]، على تحريم كل ما لم يسم عليه عند ذبحه، واستثنى الحنابلة ما تركت التسمية عليه نسيانًا للعذر، وذهب الشافعي إلى حل متروك التسمية عمدًا، وقصر الآية على سبب نزولها فإنها نزلت فيما يذكر عليه اسم غير الله.

دخول المخاطِب في عموم خطابه:

المخاطِب إذا تكلم بخطاب عام يشمله من حيث الوضع اللغوي، كلفظ الناس أو المسلمين - إذا كان مسلمًا - هل يدخل في عمومه؟

هكذا تصور المسألة في كتب الأصول، والقدر المفيد منها أن تخصص بالرسول ﷺ فيقال: الرسول ﷺ هل يدخل في عموم خطابه الذي خاطب به أصحابه.

والخلاف في المسألة على ثلاثة أقوال مشهورة:

1- أنه داخل في عموم خطابه مطلقًا؛ لأن اللفظ يشمله لغة فوجب أن يشمله حكمًا.

2- أنه ليس داخلاً؛ لأن خطابه لغيره قد يكون أمرًا أو نهيًا، ولا يمكن أن يأمر نفسه أو ينهى نفسه، إذ لا بد فيه من آمر ومأمور، وناه ومنهي.

3- التفريق بين الخبر والأمر والنهي، فإن كان خطابه بصيغة الخبر فهو داخل فيه، كما في قوله ﷺ: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» [أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، وكقوله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم» [أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي].

وأما إذا كان بصيغة الأمر أو النهي فلا يدخل فيه؛ لامتناع أمر الإنسان نفسه أو نهيها.

والصحيح: أن الأصل في خطاب الرسول ﷺ لأصحابه بحكم شرعي دخوله في ذلك الخطاب، سواء أكان الخطاب يشمله لغة أم لا، ولا يخرج عن ذلك الحكم إلا بدليل.

وقد تقدم في العموم المعنوي دخول الرسول ﷺ في خطاب الأمة، وإن كان لا يشمله لغة، فدخوله فيما يشمله لغة أولى.

ويظهر أثر الخلاف عند تعارض نهيه وفعله، كما تقدم في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.

وقد ذكرت هذه المسألة بعد مسألة العام الوارد على سبب؛ لأن بعض العلماء ظن أن ورود العام على لسان المخاطِب يكفي لتخصيصه من ذلك العموم وإخراجه عن حكمه، كما ظنوا أن ورود العام على سبب خاص يخصصه.

دخول العبيد والإماء والكفار في الخطاب العام:

اختلف العلماء في الدليل العام من الكتاب والسنة هل يشمل العبيد والإماء والكفار؟

وخلافهم راجع إلى أن هذه الصفات (الرق، الكفر) هل تدل على تخصيص الخطاب العام؟

ذهب بعضهم إلى ذلك، والجمهور على دخولهم في العموم؛ لأن اللفظ عام، وصفة الرق والكفر ليستا من المخصصات.

ويظهر أثر الخلاف في أن الأصل في الأوامر والنواهي الواردة بصيغة العموم، ما هو؟

فالأولون قالوا: الأصل عدم دخول العبيد والإماء والكفار إلا بدليل خارجي.

والجمهور قالوا: الأصل دخولهم، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة