حجم الخط:

محتوى الدرس (9)

أوصاف العبادة المؤقتة

· العبادة المؤقتة بوقت محدد سواء أكانت فرضًا أم نفلاً تتصف بإحدى صفات ثلاث هي:

أ- الأداء: وهو فعل العبادة في وقتها المعين غير مسبوق بفعل مختل.

فقولنا: (فعلها في وقتها المعين)، يخرج فعلها بعد فوات وقتها، فلا يسمى أداء.

وقولنا: (غير مسبوق بفعل مختل)، يخرج الإعادة.

ب- القضاء: وهو فعل العبادة المؤقتة بعد فوات وقتها. كأداء صلاة الصبح بعد طلوع الشمس لعذر النوم.

ج- الإعادة: وهي فعل العبادة في وقتها بعد فعل مختل.

فقولنا: (بعد فعل مختل)، يخرج الأداء؛ لأنه لا يكون مسبوقًا بفعل. ووصف الفعل السابق بالخلل يشمل ما اختل شرطه أو ركنه، وما نقص ثوابه وإن استكمل الشـروط والأركان، مثل الصلاة منفردًا، فمن صلى منفردًا ثم وجد جماعة سن له أن يعيد لاستدراك الفضل الذي فاته، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.

وأما الواجب الذي لم يؤقت بوقت محدد كالكفارات، فيوصف بالإعادة ولا يوصف بالأداء والقضاء الاصطلاحيين. ولا يمتنع أن يقول: أديت ما وجب علي من كفارة، ولكن لا يقصد بذلك الأداء الاصطلاحي بل مجرد الفعل، يدل على ذلك أنك لا تقول: صيام الكفارة أداء أم قضاء؟ وأما الإعادة فيوصف بها كل فِعل فُعِل أوَّلاً على ضرب من الخلل، سواء أكان له زمن محدد أم لا[1].

تقسيم الحكم إلى عزيمة ورخصة

[تمهيد]:

عَدَّ بعض العلماء من أقسام الخطاب الوضعي وصف الحكم بالعزيمة أو الرخصة، وبعضهم جعله تقسيمًا آخر للحكم وهو أولى، ولكنه تقسيم للحكم التكليفي والتخييري لا للحكم الوضعي، فلا يوصف السبب والشرط والمانع بالعزيمة والرخصة.

والعزيمة في اللغة: القصد المؤكد، كما قال تعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴿ ١١٥ ﴾ ﴾ [طه:115].

وفي الاصطلاح: وصف للحكم الثابت ابتداء لا لأجل عذر.

ويوصف به الواجب والمندوب والمكروه والحرام والمباح، ولا يطلق إلا في مقابل الرخصة.

والرخصة في اللغة: التسهيل والتيسير، ومنه قولهم: رخص السعر، وقولهم: أرض رخصة أو رخيصة، إذا كانت دمثة لينة.

وفي الاصطلاح: وصف للحكم الثابت على خلاف دليل شرعي باق لعذر.

فقولنا: (على خلاف دليل شرعي)، يخرج كل حكم لم يشـرع على خلاف دليل شرعي آخر.

وقولنا: (باق)، يخرج ما شرع على خلاف دليل منسوخ فلا يسمى رخصة اصطلاحًا.

وقولنا: (لعذر)، يخرج ما شرع على خلاف دليل شرعي لمخصص لا لأجل العذر.

الفرق بين الرخصة والمخصوص من العموم:

الفرق بين الحكم المخصوص من العموم والحكم الثابت رخصة: أن الأول خصص لعدم وجود الداعي للحكم العام فيه، والثاني خصص مع وجود الداعي للحكم العام فيه ولكن لأجل العذر رخص في تركه مع جواز فعله. وإذا منع تركه فإنما يمنع لسبب آخر كما نوجب على المضطر أن يأكل من الميتة ما تبقى به حياته لئلا يهلك نفسه، مع أن الأصل في أكل الميتة للمضطر أنه رخصة، فالمفسدة التي لأجلها ورد النهي عن أكل الميتة موجودة في الميتة التي رخص للمضطر في أكلها، ولكن أبيح له الأكل دفعًا للمشقة، وفي تخصيص الحامل من المطلقات وجعل عدتها وضع الحمل وعدة غيرها ثلاثة قروء، الأمر مختلف، فالحكمة التي أمرت لأجلها المطلقة الحائل بالانتظار ثلاثة قروء هي التأكد من خلو الرحم، والحامل إذا وضعت قطعنا بخلو رحمها، وهذا معنى قولنا: في الرخصة الداعي موجود، وفي التخصيص معدوم.

ما الأحكام التي توصف بأنها رخصة؟

الأصل في الرخصة أن لا يوصف بها إلا الإباحة، ولكن قد يعرض للحكم الموصوف بأنه رخصة ما يجعله واجبًا أو مندوبًا، وذلك كالأكل من الميتة لمن أشرف على الهلاك، الأصل أنه رخصة ولكن يكون واجبًا إذا أدى تركه إلى الهلكة.

والفطر للمسافر في نهار رمضان رخصة، ولكن إذا شق عليه الصوم يكون الفطر مندوبًا. وأما القصر في السفر فمن العلماء من جعله واجبًا؛ لمواظبة الرسول ﷺ عليه، ولحديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» [أخرجاه في الصحيحين، وهذا لفظ مسلم] ولا وجه لتسميته رخصة حينئذ.

ومنهم من جعله مندوبًا لمواظبة الرسول ﷺ عليه، ولا يمكن أن يواظب إلا على الأفضل. يقول تاج الدين السبكي: (واعلم أن الإيجاب والندب واستواء الطرفين أو رجحان أحدهما أمر زائد على معنى الرخصة؛ لأن معناها التيسير، وذلك بحصول الجواز للفعل أو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وفي الواجب بالإذن في تركه، وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى)[2].

الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي

أنكر بعض الأصوليين تقسيم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي، وجعلوا ما يسميه الجمهور أحكامًا وضعية من السبب والشرط وما ذكر معهما، راجعًا إلى الأحكام التكليفية أو التخيير، وقالوا إنها ليست أحكامًا بل هي إعلام بالحكم، فالسبب: علامة على الحكم، وكذلك الشرط والمانع علامة على تخلف الحكم، والصحة راجعة إلى إباحة الانتفاع إذا كانت في العقود، والفساد يعني تحريم الانتفاع.

وأما في العبادة فالصحة كون الفعل موافقًا للمشروع، والفساد عكسه، وهذا حكم عقلي لا شرعي؛ لأنه يدرك بالعقل.

والصحيح: أنها أحكام شرعية، ولا يصدق عليها اسم شيء من الأحكام الخمسة المتقدمة، ولا بد لها من تسمية فاصطلح على تسميتها بالأحكام الوضعية؛ لأن الشـرع هو الذي جعل السبب سببًا والشرط شرطًا والمانع مانعًا.. إلخ.

· وإذا تقرر ذلك فهناك فروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، تتلخص فيما يلي:

1- أن الحكم التكليفي لا يوصف به إلا فعل المكلف، وهو البالغ العاقل، أما الحكم الوضعي فلا يختلف باختلاف الفاعل، فمن فعل ما هو سبب للضمان أُلزم به، سواء أكان بالغًا عاقلاً أم لا، فالصبي إذا أتلف شيئًا لغيره انعقد سبب الضمان.

2- أن الحكم التكليفي من شرطه العلم، فالجاهل به لا يثبت في حقه تكليف، والحكم الوضعي لا يشترط العلم به، فمن فعل المحرم جاهلاً بتحريمه فلا يؤثّم بل يُعذر، ولكن من فعل سببًا من أسباب الضمان لزمه وإن لم يعلم بكونه سببًا للضمان، فلو منع فضل طعامه مضطرًا حتى مات ضمنه، سواء أعلم بأن ذلك سبب للضمان أم لا. ولكن في العقوبات البدنية كالحدود لا يلزمه الحد إذا كان جاهلاً بالتحريم، فمن سرق وادعى عدم علمه بحرمة السرقة، وأمكن تصديقه لكونه حديث عهد بالإسلام مثلاً، فلا تُجعل السرقة سببًا في إقامة الحد عليه؛ لأن وجوب الحد تابع للتحريم، والتحريم حكم تكليفي لا يثبت مع الجهل.

وأما في ضمان المتلفات فإن الضمان ليس تابعا للتحريم بدليل أنه إذا اضطر يباح له الأكل من مال غيره وعليه ضمانه، ولذا قالوا: (الاضطرار لا يبطل حق الغير).

ومما يزيد الأمر وضوحًا أن المرأة يقع عليها الطلاق علمت به أولاً، ولكن لو تكلم الزوج بلفظ الطلاق من غير أن يعرف معناه فلا يقع، وكذلك لو تكلم بلفظ الهبة أو البيع دون علم بمعناه، لعدم القصد.

3- أن خطاب التكليف يشترط فيه قدرة المكلف على فعل ما كلف به؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ﴾ [البقرة:286]، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ﴾ [الحج:78]. وأما خطاب الوضع فليس من شرطه ذلك ولهذا فإن كثيرًا من الأسباب لا قدرة للمكلف على إيجادها أو منعها ولا يمنع ذلك من كونها أسبابًا، مثل دخول شهر رمضان سبب لوجوب الصوم مع كون السبب المذكور ليس في مقدور المكلف منعه ولا إيجاده. وموت المورث سبب للإرث وليس هو من فعل الوارث ولا داخلاً تحت قدرته. وكذلك الشأن في الموانع تمنع الحكم وإن كانت ليست من فعل الإنسان الذي له علاقة بذلك الحكم، فوجود الجمع من الإخوة يمنع الأم من إرث الثلث وليس لها مدخل فيه ولا تستطيع منعه ولا إيجاده.

4- أن الحكم التكليفي توصف به الأفعال التي هي من كسب العبد، وما ليس من كسبه لا يكون مكلفًا به، فكل فعل يقع من غير كسب من العبد لا يقال إنه حرام عليه ويستحق عليه العقوبة، ولا يقال إنه واجب أو مندوب في حقه فلا ينال عليه ثوابًا: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴿ ٣٩ ﴾ ﴾ [النجم:39]. وهذا لا يتعارض مع حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» [رواه مسلم من حديث جرير البجلي رضي الله عنه مرفوعًا]، وذلك لأن التسبب كسب، فما وقع نتيجة لفعله فله أجره وعليه وزره.

وأما الحكم الوضعي فلا يشترط أن يكون من كسب العبد فقد يكون من كسبه ككثير من الشروط التي تشترط لصحة العبادة، وقد لا يكون من كسبه كالأسباب والشروط والموانع الخارجة عن كسبه، فلو أرضعت زوجته طفلة حرمت عليه مع أنه لم يفعل شيئًا؛ لأن الرضاع سبب لانتشار المحرمية مع أنه ليس من كسبه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة