حجم الخط:

محتوى الدرس (21)

الإجماعات الخاصة:

يذكر الأصوليون خلافًا في الاحتجاج بإجماع طائفة معينة من العلماء كإجماع أهل البيت الذي يحتج به الرافضة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع أبي بكر وعمر، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل البصرة، ونحو ذلك.

والراجح عند الجمهور: أن هذه الإجماعات لا حجة فيها؛ لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع إنما دلت على حجية إجماع الأمة إذا اتفقت، وتأولوا الأحاديث الواردة في الأمر باتباع الخلفاء الراشدين واتباع أبي بكر وعمر على أنها تدل على لزوم طريقتهم في سياسة الدولة وتصريف شؤونها، أو لزوم طريقتهم في الاستدلال بالكتاب والسنة وما دلا عليه.

وأشهر ما وقع فيه الخلاف من تلك الإجماعات إجماع أهل المدينة أو عمل أهل المدينة، وكلام أكثر الأصوليين عنه مجمل يحتاج إلى تفصيل وبيان، فأقول:

عمل أهل المدينة:

عمل أهل المدينة ليس المقصود به عملهم في جميع الأعصار، بل في عصـر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فحسب، وقد جعله القاضي عبد الوهاب بن نصـر المالكي على ضربين: نقلي واستدلالي.

والنقلي كنقلهم الصاع والمد والأذان والأوقات وترك أخذ الزكاة من الخضـروات، وهذا حجة عند جمهور العلماء، وقال أبو العباس القرطبي: (إنه لا ينبغي الخلاف فيه).

وأما الاستدلالي فهو ما ذهبوا إليه بطريق الاجتهاد، وهذا هو محل الخلاف بين المالكية وغيرهم، بل قال القاضي عبد الوهاب: (إن المالكية مختلفون فيه على ثلاثة أوجه هي:

1- أنه ليس بحجة ولا مرجح، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني والأبهري وأبي الفرج وغيرهم.

2- أنه مرجح عند التعارض ولا يستدل به منفردًا.

3- أنه حجة)[1].

والذين رأوا حجيته من المالكية ونسبوه لإمامهم، أخذوه مما عرف عن الإمام مالك أنه كان يروي الخبر ثم يترك العمل به ويقول: (وليس على هذا العمل عندنا) يعني في المدينة كما فعل في خيار المجلس.

ويشكل على هذا النقل أن الإمام مالكا رحمه الله ذكر في الموطأ في باب العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرأ من العيب لو اشترطه، ثم خالفهم، ولعل هذا هو ما جعل بعض علماء المالكية ينكرون احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة إلا فيما سبيله النقل.

وأظهر ما يستدل به للقول بحجية إجماع أهل المدينة: أن المدينة قد ضمت صحابة رسول الله ﷺ وأبناءهم وأبناء أبنائهم، وأن ما اتفقوا عليه لا بد أن يكون ظاهرًا معلومًا في عهد رسول الله ﷺ فيكون حجة. وكذلك ما تركوه مع قيام الداعي إليه لا يتركونه إلا بحجة عن رسول الله ﷺ.

وأما الاستدلال بالأحاديث الواردة في فضل المدينة وفضل الأنصار ودعاء الرسول ﷺ لأهلها فلا دلالة فيها على حجية إجماعهم أو عملهم.

واستدل الجمهور على عدم الحجية بأن أدلة الإجماع ما خصت أهل المدينة بل عمت الأمة.

انعقاد الإجماع بعد الخلاف:

إذا اختلف أهل العصر الواحد في مسألة على قولين فأكثر، ثم رجع بعضهم عن قوله واتفقوا، هل يعد هذا إجماعًا؟:

الصحيح عند الأكثر أنه إجماع، وقال ابن الباقلاني والقاضي عبد الوهاب المالكي: (لا يكون إجماعًا)؛ لأن اختلافهم أولاً إجماع على تسويغ الخلاف، فلا ينقضه رجوع بعضهم عن رأيه.

وقال الجويني: (إن قرب العهد كان اتفاقهم بعد الاختلاف إجماعًا، وأما إن تمادى الزمان واستقر الخلاف فليس اتفاقهم بعد ذلك إجماعًا).

والصحيح: أنه يعد إجماعًا؛ لأنه قول كل المجتهدين في هذا العصر، والقول الذي رجع عنه صاحبه لا عبرة به.

وأما إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين ثم اتفق الذين بعدهم على قول من القولين كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفق التابعون على أحدهما، فاختلف العلماء في ذلك هل يعد إجماعًا؟:

فذهب بعضهم إلى أنه إجماع؛ لأنه قول كل أهل العصر الثاني.

وذهب بعضهم إلى أنه ليس إجماعًا؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيبقى جواز تقليدهم فيها بعد موتهم.

والصحيح: أن هذا لا يعد إجماعًا؛ لأن متبع القول الذي مات قائله لا يصدق عليه أنه اتبع غير سبيل المؤمنين، والمعتمد في الاستدلال هو الآية المذكورة سابقًا، ولأن الأمة لم تجتمع على حكم واحد في تلك المسألة بل اختلفوا فلا يصدق على هذه الصورة حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».

وأما حديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» فالمقصود بالحديث ليس مسائل الفروع الاجتهادية، وإنما المقصود بقاء طائفة من الأمة على الدين الحق. ولو سلم أنه يعم كل مسائل الخلاف فإن المتبع لصاحب القول السابق المخالف لما أجمع عليه علماء العصر قد يكون هو الذي على الحق وإن كان مقلدًا، والحديث ليس فيه إلا بقاء طائفة على الحق فلا يشترط أن تكون تلك الطائفة من المجتهدين.

مخالفة الواحد والاثنين هل تنقض الإجماع؟

الجمهور على أن الإجماع لا يتحقق إلا باتفاق كل المجتهدين من أهل العصر، وأن مخالفة واحد أو أكثر تخرم الإجماع؛ لأن الأدلة الدالة على الحجية وعصمة الأمة تدل على ذلك.

وقال ابن جرير الطبري: (إن مخالفة الواحد والاثنين لا تخرم الإجماع؛ لحديث: «عليكم بالسواد الأعظم»).

وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون قول الأكثر من المرجحات عند تعادل الأدلة في نظر المجتهد، كما أنه من المرجحات عند العامي ومن يلحق به من صغار طلاب العلم، ولهذا فلا يستنكر على العالم تهيبه من مخالفة مذهب جماهير العلماء إلا إذا وجد نصًا صريحًا واضحًا على خلاف قولهم، ومن النادر جدًا أن يوجد دليل صحيح صريح يخالفه جمهور العلماء.

حكم المخالف للإجماع:

يكثر في كلام العلماء تكفير مخالف الإجماع أو تفسيقه، ولكن ذلك إنما يحمل على الإجماع الصريح المنقول بطريق التواتر والقطع، وقد قلنا فيما مضـى إن هذا النوع من الإجماع غير موجود إلا على مسائل دلت عليها نصوص قطعية، وحينئذ يكون تكفير المخالف أو تفسيقه لمخالفة تلك النصوص لا لمخالفة الإجماع وحده.

وأما ما عدا ذلك من الإجماعات فهي لا تعدو أن تكون أدلة ظنية لا يمكن دعوى تكفير المخالف لها أو تفسيقه، وبخاصة حين يكون معه دليل من عموم كتاب أو سنة.

والتكفير والتفسيق من الأمور التي يجب أن لا يتعجل فيها المفتي؛ إذ لا يستحقها إلا من أنكر ما علم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، وانقطع عذره، كما هو معلوم في موضعه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة