5- الدوران:
وهو في اللغة: مصدر دار يدور، وهو يعني: عدم الاستقرار.
وفي الاصطلاح: ثبوت الحكم عند وجود الوصف وانتفائه عند انتفائه.
مثاله: التحريم يوجد في الخمر عند وجود الإسكار ويرتفع عند تخلل الخمر وعدم كونها مسكرة، فيستدل به على أن السكر هو علة التحريم. ووجوب الزكاة مع تمام النصاب وعدمه مع عدمه، فيدل على أن علة الوجوب ملك النصاب.
والوصف يسمى الْـمَدار، والحكم هو الدائر.
والدوران يسميه بعض الأصوليين بالطرد والعكس، أي: أنه مجموع الطرد والعكس، فالطرد هو الوجود مع الوجود، والعكس هو العدم مع العدم، والدوران هو مجموع ذلك.
· وقد اختلف في إفادته العلية على أقوال، أهمها قولان:
القول الأول: أنه يفيد العلية، وهو رأي الأكثر، ومنهم من جعله مفيدا للعلية قطعًا، وأكثرهم قالوا يفيدها ظنًا، ومنهم إمام الحرمين ونقله عن القاضي.
وقال ابن السمعاني: (إليه ذهب كثير من أصحابنا). وقال القاضي أبو الطيب الطبري: (إن هذا المسلك من أقوى المسالك).
ودليلهم: أنا إذا رأينا شخصًا يقوم عند دخول شخص ويجلس عند خروجه، وتكرر ذلك مرارًا، كان ذلك دليلاً على أن علة قيامه دخول ذلك الرجل، وإن كنا لا نجزم بذلك وقد نجزم به إذا تكرر مرارًا كثيرة أو حفت به قرائن أخرى.
قالوا: كذلك إذا وجدنا حكمًا يدور مع وصف ما فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه، يصح أن نستدل بذلك على علِّية الوصف وكونه مدار الحكم.
والقول الثاني: عدم إفادة الدوران العلية، وهو مذهب كثير من الأصوليين وهو اختيار ابن السمعاني والغزالي وأبي إسحاق، ونقله ابن برهان عن القاضي الباقلاني، مع أن إمام الحرمين نقل عنه المذهب الأول. واختار هذا القول الآمدي.
دليله: أن الاطراد وحده ليس دليلاً على العلة، والانعكاس ليس معتبرًا في العلل الشرعية، فمجموعهما لا يكون دليلاً على العلة.
وهذا باطل؛ لأن كون الاطراد وحده لا يصلح دليلاً على العلة، والانعكاس وحده كذلك، لا يدل على أنهما إذا اجتمعا لا يصلحان دليلاً على العلة، كما أن العلة المركبة من أوصاف إذا أخذنا كل واحد من الأوصاف وحده لا يصلح علة، وإذا اجتمعت صلحت علة، مثل قولنا: علة القصاص القتل عمدًا عدوانًا، وكل واحد من الأوصاف بمفرده لا يصلح علة.
وعلى ذلك يكون الراجح: جواز الاستدلال على علية الوصف بدوران الحكم معه، ولكن ينبغي أن نعلم أنه لكي تكون العلة المستنبطة بهذا الطريق متعدية لا بد أن يتكرر دوران الحكم معها في أكثر من موضع، وقد نقل القرافي عن النقشواني قوله: (الدوران عين التجربة، وقد تكثر التجربة فتفيد القطع وقد لا تصل إلى ذلك)[1].
السبر في اللغة: الاختبار، ومنه سمي المسبار وهو الميل الذي تختبر به الجراح. والتقسيم في اللغة: التجزئة.
وفي الاصطلاح: يطلق مجموع اللفظين على مسلك من مسالك العلة، وهو يعني: حصر الأوصاف التي توجد في الأصل وتصلح للعلية في بادئ الرأي، ثم إبطال ما لا يصلح منها فيتعين الباقي[2].
والمعنى: أن المجتهد ينظر في الأصل المقيس عليه الذي قام الدليل على حكمه، ثم يبحث في أوصافه التي يمكن أن يعلل الحكم بها، وليس بالضـرورة أن يكون المجتهد قد حصر جميع الأوصاف التي يمكن التعليل بها فعلاً، بل يكفي أن يكون عد منها ما يراه كذلك.
وهذه هي المرحلة الأولى.
والمرحلة الثانية: أن ينظر في تلك الأوصاف فيبين بطلان التعليل بكل واحد منها حتى لا يبقى إلا واحد فيكون هو العلة.
والتقسيم في الواقع هو حصر الأقسام وذكرها، والسبر هو اختبارها وإبطالها كلها إلا واحدًا. ولهذا أورد على التسمية أن التقسيم متقدم فلماذا أخر فقيل السبر والتقسيم، وأجيب بأن تقديم السبر في الاسم لأهميته في الدلالة على العلية.
مثاله: أن يقول حرم النبي ﷺ بيع البر بالبر متفاضلاً، والعلة إما أن تكون الطعم، أو الكيل، أو القوت والادخار، ثم يبطل الأخيرين ويقول فلم يبق إلا الطعم، أو يبطل الأولين ثم يقول: فلم يبق إلا الاقتيات والادخار.
1- أن يكون التقسيم حاصرًا، أي: لا يترك المستدل شيئًا من الأقسام الممكنة، ولا يلزم أن يكون مترددًا بين النفي والإثبات.
2- أن يكون إبطال ما عدا الوصف المعلل به بدليل مقبول.
3- أن يكون الحكم متفقًا على تعليله بين الخصمين.
السبر والتقسيم مسلك صحيح من مسالك العلة، وقد يؤدي إلى ثبوت العلة قطعًا إذا كان التقسيم حاصرًا قطعًا، وأُبطل التعليل بما عدا الوصف المبقى قطعًا، والإجماع قائم على تعليل الحكم. وفيما عدا ذلك يكون ثبوت العلة ظنيًا.
وأما إذا كان الاتفاق على تعليل الحكم بين الخصمين فحسب فيكون هذا المسلك حجة لإثبات العلة على من وافق على انحصار الأقسام في المذكورات دون غيره.
وقد استدل على كونه دليلاً لإثبات المدعى بقوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿ ٣٥ ﴾ ﴾ [الطور:35].
ووجه الدلالة: أن الله جل وعلا قد ساق الآية في معرض الاستدلال على من أنكر وجود الخالق، فذكر القسمين الباطلين والقسم الثالث هو الواقع، وفي ذلك تنبيه على حجية مثل هذا الدليل، وإلا لما ساقه في معرض إقامة الحجة على منكري وجود الخالق.
ولو أردنا أن ننظم ما في الآية من الاستدلال على نمط كلام الفقهاء لقلنا: لا يخلو الأمر من ثلاثة احتمالات: إما أن يكون الناس خلقوا هكذا من غير خالق، أو يكونوا قد خلقوا أنفسهم، أو يكون خالقهم هو الله. فالأولان باطلان عقلاً، فلم يبق إلا الثالث. والقرآن حين يستدل على وجود الله وإثبات أنه الخالق لا يكون ذلك غاية مقصوده ونهايتها؛ لأن العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق، ولكن يؤكد لهم هذه الحقيقة ليصل منها إلى أن الله وحده هو المستحق للعبادة.
وهذا التقرير يدل على أن الاستدلال بالسبر والتقسيم لا يقتصر على إثبات العلة، بل يصلح استعماله للدلالة على أي مدعى متى أمكن حصر الاحتمالات واتفق عليها.
وهو راجع إلى القياس الاستثنائي؛ لأن المستدل يذكر الاحتمالات التي لا يخرج عنها موضع النزاع ثم يبين بطلانها كلها إلا واحدًا، ويستعمل في إثبات بطلانها القياس الاستثنائي، فيقول لو كان كذا لكان كذا، لكن لم يكن فثبت بطلان هذا الاحتمال.
مثال توضيحي: أن يقول الشافعي: تحريم التفاضل في بيع البر بالبر معلل باتفاق، والعلة إما أن تكون الكيل أو الاقتيات والادخار أو الطعم، لا يصلح أن تكون العلة هي الكيل؛ إذ لو كان الكيل علة لما وقع الربا في القليل مما لا يكال، كالحفنة بحفنتين، لكنه واقع بدليل عموم الأدلة الدالة على تحريم الربا، وموافقة أكثر الخصوم عليه، ولو كان الاقتيات لما كان الملح من الربويات لكنه منها بنص الحديث: «والملح بالملح»، فلم يبق إلا أن يكون الطعم هو العلة.