حجم الخط:

محتوى الدرس (32)

الاستحسان

تمهيد:

ظهرت كلمة الاستحسان بكثرة على لسان الإمام أبي حنيفة، وهو في الغالب يذكرها في مقابلة القياس فيقول: القياس كذا ولكن الاستحسان كذا، وقال محمد بن الحسن: (كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه حتى إذا قال: أستحسن لم يلحقه أحد منهم لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل).

ونقل عن الإمام مالك وتلاميذه الأخذ بالاستحسان حتى قال مالك: (الاستحسان تسعة أعشار العلم)[1].

ومع ذلك فلم نجد عند أولئك الأئمة تعريفًا للاستحسان، ولذلك أنكره الإمام الشافعي أشد الإنكار، وقال: من استحسن فقد شرع، وألف كتاب إبطال الاستحسان، وبين فيه انحصار الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن من قال بالاستحسان فقد جعل عقله مشـرعًا، وكذلك فعل داود الظاهري فأنكر الاستحسان كما أنكر القياس.

وأما الإمام أحمد فهو يعتمد على السنة والأثر، ولا يلجأ إلى القياس إلا عند انعدام الدليل من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة، ولكن الأصوليين من أتباع الإمام أحمد ذكروا أنه يحتج بالاستحسان، نص على ذلك ابن قدامة وصفي الدين البغدادي وغيرهما.

ولما ألف الإمام الشافعي إبطال الاستحسان والرسالة وغيرهما من كتبه اضطر علماء الحنفية للدفاع عن إمامهم فلم يبحثوا عن أدلة تؤيد الاستحسان الذي أنكره الشافعي، وإنما لجأوا إلى تفسير الاستحسان الذي عمل به إمامهم بما لا يجعله مجرد ميل نفسي لا يمكن إقامة دليل عليه، أو (دليل ينقدح في ذهن المجتهد يعسر التعبير عنه)[2]، كما فسره بذلك بعضهم.

ولهذا عرف الحنفية الاستحسان بأنه: كل دليل في مقابلة القياس الظاهر[3]. أو أنه: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس[4].

وجعله السرخسي في أصوله نوعين رئيسين هما:

1- العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما لم يقدره الشارع، كالنفقة والمتعة.

2- الدليل الذي يكون معارضًا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة[5].

ومما ذكروه في تعريف الاستحسان وأنواعه وأمثلته يتبين أنه ليس بدليل مستقل، وإنما هو راجع إلى أحد الأدلة الأخرى، أو أنه ترجيح لدليل على دليل آخر.

أنواع الاستحسان عند الحنفية:

يتنوع الاستحسان بحسب ما يستند إليه إلى ستة أنواع:

1- استحسان سنده النص:

وهو ترك الحكم الذي يقتضيه القياس أو النص العام، والعمل بمقتضى نص خاص.

مثاله: أن الأصل أن لا يبيع الإنسان ما ليس عنده، هذا مقتضى النص والقياس، أما النص فقوله ﷺ لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «لا تبع ما ليس عندك» [رواه الخمسة وحسنه الترمذي وصححه ابن حزم والألباني في إرواء الغليل].

وأما القياس فلأن بيع ما ليس عنده مثل بيع حبل الحبلة أي: ولد الحمل الذي لم يولد بعد، لأن كلا منهما غير معلوم الوصف للبائع والمشتري.

ولكن ورد الدليل بإباحة السلم، وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد، مثل أن يبيع المزارع مائة صاع من التمر الموصوف تسلم بعد شهر أو شهرين بمائتي ريال مدفوعة حالاً في مجلس العقد، فينتفع المزارع بالنقد فإذا حل الأجل دفع التمر للمشتري.

فهذا النوع من البيوع يسمى السلم، وقد رخص فيه النبي ﷺ فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» [أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم...].

وتسمية هذا النوع استحسانًا غير مسلمة عند من ينكر العمل بالاستحسان؛ لأن هذا عمل بالنص الخاص، وترك لمقتضى العموم، فهو ترك نص لنص أقوى منه.

2- استحسان سنده الإجماع:

وهو ترك مقتضى القياس أو العموم في مسألة جزئية لأجل الإجماع.

مثاله: الإجماع على جواز عقد الاستصناع، وجواز شرب الماء من أيدي السقاة من غير تحديد قيمته، ودخول الحمام من غير تحديد مدة البقاء فيه ولا مقدار الماء المستعمل ولا الأجرة، فالإجماع منعقد على جوازه مع أن القياس يقتضي عدم جوازه.

3- استحسان سنده الضرورة:

ومثاله: الحكم بطهارة الآبار بنزحها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو ريح، وطهارة الحوض بصب الماء فيه حتى يذهب أثر النجاسة أيضًا.

ووجه الاستحسان في ذلك أن الآبار والحياض لو قيس تطهيرها على تطهير الآنية لما أمكن؛ لأنه لا يمكن غسل البئر والحوض كما يغسل الإناء والثوب.

فكل ماء يصب في البئر أو الحوض يتنجس بملاقاة الماء النجس، وكذا لو أريد نزحه فإن الماء الذي ينبع من القاع يلاقي النجاسة فيتنجس.

ولأجل الضرورة قلنا إن البئر تطهر بالنزح منها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو رائحة، والأحواض تطهر بالمكاثرة أي بإضافة الماء إليها حتى يذهب أثر النجاسة.

4- استحسان سنده القياس الخفي:

مثاله: الحكم بطهارة سؤر سباع الطير المحرمة كالحدأة والصقر، مع أن القياس الظاهر يقتضي نجاسته كسؤر سباع البهائم، مثل الذئب، والأسد، والنمر.

ووجه الاستحسان: أن القياس الظاهر على سباع البهائم معارض بقياس خفي أولى بالاعتبار، وهو أن سباع البهائم حكم بنجاسة سؤرها لاختلاطه بلعابها، ولعابها نجس، وسباع الطير تشرب الماء بمناقيرها والمناقير لا رطوبة فيها فلا تلوث الماء فهي كالدجاج السائب الذي ربما أكل النجاسة بمنقاره فلا يحكم بنجاسة سؤرها وإن كان قد يقال بكراهة استعماله.

5- استحسان سنده المصلحة:

ومثاله: الحكم بتضمين الأجير المشترك، وهو الذي لا يعمل لشخص بعينه، بل يقدم خدمة لكل من يحتاجه مقابل أجرة معينة كالصباغ والغسال والخياط.

فالأصل أن الغسال إذا أعطي الثوب ليغسله فتلف عنده من غير تفريط لا ضمان عليه؛ لأن هذا مقتضى عقد الإجارة، ولأنه قبضه بإذن صاحبه فهو مؤتمن عليه، ولكنهم عدلوا عن مقتضى ذلك القياس وقالوا يضمن ما تلف عنده إلا أن يكون تلف بقوة قاهرة ظاهرة كالحريق ونحوه.

وسند هذا الاستحسان المصلحة، وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع؛ نظرًا لكثرة الخيانة بين الناس وقلة الأمانة. ولو لم يضمن الأجير لامتنع كثير من الناس من دفع أمتعتهم إليه خوفًا عليها من الضياع أو التلف أو الخيانة.

6- استحسان سنده العرف:

ومثاله: أن الأصل أن من حلف لا يأكل اللحم يحنث بأكل السمك لأنه لحم، فالله قد سماه لحمًا فقال: ومن كل تأكلون لحمًا طريًا، ولكن قالوا: لا يحنث استحسانًا؛ لأن العرف جرى على التفريق بين اللحم والسمك، وأن السمك لا يسمى لحمًا في العرف، ولا يفهم من إطلاق لفظ اللحم دخول السمك فيه.

حكم العمل بالاستحسان:

إذا نظرنا إلى التعريف المختار للاستحسان، وعرفنا أنواعه، يتبين لنا أن الأنواع الثلاثة الأولى منه لا خلاف فيها بين العلماء، غير أن منهم من لا يسميها استحسانًا.

وأما النوع الرابع فمن خالف فيه فإنما يخالف في رجحان القياس الخفي على القياس الظاهر، فهو عنده من باب تعارض الأقيسة والترجيح بينها.

وأما النوع الخامس فالنزاع فيه مبني على النزاع في مستنده وهو المصلحة المرسلة هل تعد دليلاً؟ وكذا الشأن في النوع السادس.

والاستدلال بالاستحسان بأنواعه المتقدمة مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة.

وأما الشافعي فقد نقل عنه إنكاره، وأنه كان يقول: من استحسن فقد شرع، أي: جعل نفسه مشرّعًا.

والظاهر أن الشافعي لا ينكر الاستحسان بمعناه الذي ذكرناه، بل ينكر الاستحسان بمجرد الهوى من غير دليل، أو ينكر الاستحسان الذي مستنده المصلحه المرسلة والعرف فقط. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة