الاستصحاب
الاستصحاب في اللغة: طلب الصحبة.
وفي الاصطلاح: هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتًا في الزمان الأول.
ومعنى التعريف: أنه إذا ثبت حكم بدليل معين في وقت معين يبقى ذلك الحكم ثابتًا حتى يرد دليل يرفعه.
ووجه تسميته استصحابًا: أن المجتهد يستصحب الحكم الأول حتى يرد ما يدل على ارتفاعه.
مثال ذلك: إذا توضأ ثم شك في وجود ما ينقض الوضوء فإنه يستصحب الحكم السابق، وهو كونه طاهرًا حتى يثبت خلافه.
يتنوع الاستصحاب إلى أربعة أنواع هي:
أي: براءة ذمة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المالية، حتى يقوم دليل على شغلها بشيء من ذلك. فالحكم بعدم فرضية صلاة سادسة، وبعدم وجوب صوم شعبان معلوم بالبراءة الأصلية، وكذا الحكم ببراءة ذمته من الديون التي لم يقم دليل على تعلقها بها.
2- استصحاب الحكم الذي دل الدليل على ثبوته ولم يقم دليل على تغييره:
مثل الحكم بثبوت الزوجية بناء على عقد النكاح الصحيح من غير أن يطالَب الزوج بدليل على بقاء العقد؛ لأن الأصل بقاؤه ما لم يرد دليل يغير ذلك الأصل، فلو ادعت الزوجة الطلاق فالأصل عدمه وعليها البينة.
3- استصحاب الدليل مع احتمال المعارض:
مثل استصحاب حكم الدليل العام حتى يرد ما يخصصه، واستصحاب النص حتى يرد ما يدل على نسخه.
وقد منع بعض العلماء تسمية هذا النوع استصحابًا؛ لأن العمل به عمل بالنص لا بدليل الاستصحاب، وخالف بعضهم في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص كما سيأتي بيانه في العام.
4- استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف:
مثاله: إذا تيمم من فقد الماء ثم شرع في صلاته وفي أثنائها رأى الماء أو قدم به خادمه، هل تصح صلاته إذا استمر فيها؟ فمن قال بصحة صلاته استدل باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف فقال: صحة صلاة من تيمم لفقد الماء ثابتة بالإجماع حتى يدل دليل على أن رؤية الماء في أثناء الصلاة مبطلة لها، ولا دليل على ذلك.
فصحة الصلاة قبل رؤية الماء متفق عليها، وبعد رؤية الماء مختلف فيها، والمستدل استصحب الإجماع في محل الخلاف، أي: استدل بالإجماع في الصورة المتفق عليها على الصورة المختلف فيها.
ومن أمثلة هذا النوع قول الظاهرية ومن وافقهم: يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع منعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل أن يطأها سيدها وتنجب منه، فنستصحب هذا الحكم الثابت بالإجماع بعد الاستيلاد إلى أن يدل دليل على تغييره.
[حكم العمل بالأنواع الثلاثة الأولى]:
الأنواع الثلاثة الأولى من الاستصحاب حجة عند جمهور العلماء، وما وقع من خلاف بينهم فهو في مسائل جزئية اختلف في صحة الاستدلال به فيها.
وذهب الحنفية في المذهب المشهور عندهم إلى أن الاستصحاب يصلح الاستدلال به في النفي لا في الإثبات، فهو لا يصلح لإثبات حكم مبتدأ، بل يصلح لإبقاء ما كان على ما كان إلى أن يثبت دليل التغيير.
ولأجل ذلك قال الحنفية: إن المفقود الذي لا يعرف أنه حي أو ميت يحكم بحياته استصحابًا للأصل، فإن الأصل فيه الحياة؛ لأنها آخر العهد به، وبناء على ذلك فإن ما يملكه من مال يبقى مملوكًا له ولا ينتقل إلى الورثة، وزوجته لا تتزوج بغيره، وإجارته لا تنفسخ، وهكذا كل الحقوق التي كانت ثابتة له تبقى كما هي إلى أن يحكم بموته حاكم بعد الانتهاء من مدة الانتظار، ولكن لو مات ابنه أو زوجته مثلاً في تلك المدة فإنه لا يرثهما؛ لأن الحكم بحياته حكم اعتباري فلا يثبت له الإرث بمقتضـى استصحاب الحال السابقة، وهذا معنى قولهم إن الاستصحاب يصلح حجة للدفع فقط.
وعند الجمهور أنه في مدة الانتظار يوقف له نصيبه حتى يرجع فإن لم يرجع كان كبقية ماله يأخذه ورثته، وقيل يرد إلى ورثة الميت الأول.
والدليل على حجية الأنواع الثلاثة الأولى من الاستصحاب ما يلي:
1- قوله ﷺ في الرجل يخيل إليه أنه أحدث في الصلاة: «لا ينصـرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» [متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه].
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حكم باستصحاب حكم الوضوء مع الشك في وجود الناقض حتى يدل الدليل على انتقاضه يقينًا.
2- حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه [متفق عليه].
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ جعل الأصل براءة ذمة المدعى عليه حتى يثبت شغلها بالبينة الصحيحة، وهذا عمل باستصحاب الحال السابقة حتى يثبت تغيرها.
3- أن العمل بالاستصحاب عمل بالظاهر، والعمل بالظاهر حتى يثبت خلافه مما اتفق عليه الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم.
وأما النوع الرابع وهو استصحاب الإجماع في محل الخلاف فالمحققون على أنه ليس بحجة؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع وهما مختلفان.
ولأن الإجماع على صحة الصلاة بالتيمم مشروط بعدم الماء، فإذا انتفى هذا الشـرط انتفى الإجماع، وكذا في بيع الأمة، الإجماع على جوازه مشـروط بعدم الاستيلاد فإذا وجد الاستيلاد انتفى الإجماع.
تدور على ألسنة الفقهاء وفي كتبهم قواعد فقهية مبنية على الاستصحاب، منها:
1- قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وهي من القواعد العظمى التي تدخل في جميع أبواب الفقه، ويندرج تحتها مسائل وقواعد كثيرة.
2- قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي: إذا ثبت للشـيء صفة معينة فالأصل بقاؤها حتى يرد ما يدل على تغيرها.
3- قاعدة: الأصل براءة الذمة، أي: عدم انشغالها بشـيء من التكاليف والحقوق إلا بدليل.
4- قاعدة: الأصل في الصفات العارضة العدم، أي: الصفات التي تعرض للأشياء وليست ثابتة لها في الأصل، لا يحكم بوجودها إلا بدليل، فمن اشترى سلعة وقبضها ثم ادعى بعد زمن أنها كانت معيبة فلا يقبل قوله إلا ببينة تشهد له؛ لأن العيب من الصفات العارضة والأصل عدمها، وكذا لو ادعى المشتري أنه شرط الخيار لا تقبل دعواه إلا ببينة.
5- قاعدة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. وهي قريبة من التي قبلها، ومثالها: إذا اختلف المتبايعان في عيب طارئ حديث، هل وقع قبل البيع أو بعده، فيحكم بأنه حدث في أقرب زمن للزمن الذي اطلعنا عليه فيه.