حجم الخط:

محتوى الدرس (80)

الترجيحُ بين المعقولين:

[المراد به]:

· الترجيحُ بين المعقولين يُقابلُ الترجيحَ بين المنقولين.

والمراد بالمعقولين: الأقيسةُ وطرقُ الفقه الأُخرى، التي ليست بنقلٍ ولا قياسٍ، ويُسميها بعضُهم الاستدلالَ، ويَدخل فيها الاستصحابُ بأنواعه، والاستصلاحُ، والاستقراءُ عند مَن يرى حجيته.

ولكن المقصودَ هنا هو الترجيحُ بين الأقيسة، وأما الترجيحُ بين أنواع الاستصحاب فيُعرف عندَ الكلام عنه، وكذلك الاستصلاحُ، والاستقراءُ.

وقد ذكر الأصوليون كثيرًا من طرق الترجيح بين الأقيسة، بعضُها يرجع إلى ترجيح حكمِ الأصل في أحد القياسَين على حكم الأصل الآخَر، أو ترجيحِ دليلِ حكم الأصل على دليل حكم الأصل الآخَر.

ويذكرون فيه طرقَ الترجيح بين الأدلة المنقولة التي تقدَّم ذكرُ أهمِّها، ثم يزيدون عليها طرقَ الترجيح بين العلل.

ويُعَدُّ الآمديُّ من أكثر الأصوليين توسُّعًا في عدِّ طرق الترجيح بين الأقيسة، فقد ذكر في الترجيح العائد إلى حكم الأصل ستةَ عشرَ طريقًا، وفي الترجيح العائد إلى العلة خمسة وثلاثين طريقًا، وفي الترجيحات العائدة إلى الفرع أربعةَ طرقٍ. والذين جاءوا بعدَه أخذوا عنه.

[تعقيب]:

ومع كثرة ما ذكره من طرق الترجيح لم يُمثّلْ لها، وكذلك غيرُه من الأُصوليين لم يُعنوا بالتمثيل لطرق الترجيح.

والمتأمِّل لتلك الطرق يجدُ أنها لم تستوعبُ جميعَ الاحتمالات الممكنة في التعارُض؛ لأن بعضَ الأقيسة قد تكونُ فيه صفةٌ تُميِّزه، والآخَرُ فيه صفةٌ أخرى تُميِّزه. وقد تكون في أحد الأقيسة صفتان، وفي الآخَر صفتان أو ثلاث.

ولا يُمكنُ الترجيحُ بين الأقيسة حتى نُبيِّنَ ما الذي يجبُ النظرُ فيه أولاً من أركان القياس؟

فهل ننظرُ أولاً في حكمِ الأصل ودليلِ ثبوته، بحيثُ إذا ترجّحَ دليلُ الثبوت في أحد القياسَين يكونُ هو الراجحُ؟

وهل يُمكنُ أنْ نجعلَ النظرَ أولاً في العلَّة، فإذا ترجّحتْ ترجّحَ القياسُ المبنيُّ عليها؟

وحتى لو سلَّمنا أحدَ هذين الاحتمالين فإن للترجيح بين الأصلين وبين العلّتين طرقًا كثيرةً. فنحتاجُ إلى معرفة ما يُقدَّمُ منها على الآخَر.

وهذا الإشكالُ لا سبيلَ إلى حلِّه إلاّ بأنْ نجعلَ الأمرَ متروكًا للمجتهد، فينظرَ في مجمَل هذا القياس؛ بأصلِه، وعلَّتِه، وفرعِه، فيُقوِّمه، ثم ينظر في القياس الآخَر؛ بأصلِه، وعلَّتِه، وفرعِه، فيُقوِّمه، ثم يُقدِّم ما يراه راجحًا، مستفيدًا مما يذكره الأصوليون من طرق الترجيح في الجملة.

ولعلَّ ورودَ هذا الإشكال في أذهان الأصوليين المتقدِّمين هو الذي حال بينهم وبين التمثيل لما يذكرونه من طرق الترجيح؛ لأن مَن أراد أنْ يُمثِّلَ لتقديم القياس الذي أصلُه ثبت بدليلٍ قطعيٍّ على القياس الذي ثبتَ أصلُه بدليلٍ ظنّيٍّ، يصعُبُ عليه أنْ يراعيَ ترجيحَ العلَّةِ في القياس الأول على العلّة في القياس الثاني، فقد يكونُ القياسُ ثبت أصلُه بدليلٍ قطعيٍّ، ولكن علّتَه شبَهيةُ وليستْ مُناسِبةً. وقد تكون علّتُه اسمًا لا وصفًا، وقد تكونُ مركَّبةً من أوصافٍ لا مفرَدةً.

وهكذا لا يستطيعُ أنْ يُمثِّلَ برجحان هذا القياس على ذاك؛ لرُجحان أصله وحده، أو دليل أصله وحده، أو علّته وحدها. ولكن الترجيحَ لجملة قياسٍ على قياسٍ.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن كثيرًا من طرق الترجيح مختلَفٌ فيها، تأيَّدَ ما ذكرناه من أن الترجيحَ يرجعُ إلى قوَّة الظنّ لدى المجتهد من أيّ طريقٍ حصلت.

وأن ما يُذكَرُ من طرقٍ إنما هو لمساعدة المجتهد على استذكار طرق المفاضلة بين الأقيسة. قال الزركشيُّ: (واعلم أن التراجيحَ كثيرةٌ، ومناطُها ما كان إفادتُه للظن أكثرَ فهو الراجحُ)[1].

وحيثُ إن العلةَ هي أهمُّ أركانِ القياس فإن أكثرَ طرق الترجيحِ ترجِعُ إلى ترجيح علةٍ على علةٍ أخرى، وقد قصر بعضُ الأصوليين كلامَه في هذا الموطن على الترجيح بين العلل.

وفيما يلي أهم طرق الترجيح بين الأقيسة.

طرق الترجيح بين الأقيسة:

1- تقديمُ القياس في معنى الأصل على قياس العلّة وقياس الشَّبَه:

مثل: تقديم قياس العبد على الأمة في تنصيف الحدّ، على قياسه على الحر الذكر بجامع الذُّكورة؛ لأن القياسَ الأولَ قياسٌ في معنى الأصل، لعدم الفارق المؤثِّر بين العبد والأمة.

2- تقديمُ قياس العلة على قياس الشَّبَه وقياس الطَّرْد:

مثل: تقديمُ قياس (البيرة) المُسكِرة على الخمر بعلّة الإسكار على قياسها على عصير التفاح؛ للتشابُه بينهما في الصورة والشكل.

3- تقديمُ القياس الذي علّتُه مطَّرِدةٌ منعكِسةٌ على القياس الذي علّتُه ليست كذلك:

مثاله: تقديمُ تعليل الشافعيّ الربا في الأصناف الأربعة المذكورة في الخبر (البرُّ، والتمرُ، والشعيرُ، والملحُ) بالطُّعم، على تعليل مَن علّله بالكيل كالحنفية وأحمدَ في روايةٍ؛ لأن تعليلَ الشافعيّ يشملُ القليلَ والكثيرَ، والتعليلُ بالكيل لا يَشملُ الشـيءَ اليسيرَ الذي لا يُكالُ.

وكذلك تقديمُ التعليل بالطُّعم على التعليل بالاقتيات؛ لأن من الأصناف الأربعة ما ليس قوتًا، وهو الملح.

وينبني على ذلك تقديم القياس الذي ترجح علته.

4- تقديمُ القياس الذي علَّتُه منصوصة أو مومأ إليها على غير المنصوصة وغير المومأ إليها:

مثاله: تقديمُ قياس الشافعية التين على البرّ في تحريم التفاضُل بجامع الطُّعم على قياس غيرهم التين على القَصَب بجامع عدم الكيل.

فعلّة الطَّعم منصوصٌ عليها أو مومأٌ إليها، كما يقول الشافعيةُ في قوله : «لا تبيعوا الطعامَ بالطعام إلاّ مثلاً بمثلٍ».

5- تقديمُ القياس الذي علّتُه مُثبتةٌ على الذي علَّتُه نافية:

ويصلُح المثالُ السابقُ له؛ لأن علّةَ الطُّعم مُثبِتةٌ، وعلّةَ عدمِ الكيل نافية.

6- تقديمُ القياس الذي ثبت حكمُ أصله بالنصّ على الذي ثبت حكم أصله بالظاهر:

مثاله: تقديمُ قياس المذي على البول في النجاسة على قياس المذي على المنيّ؛ لأن نجاسةَ البول ثبتتْ بالنصّ، كقوله : «تنزَّهوا من البول؛ فإن عامَّةَ عذاب القبر منه» [الدارقطني عن أنسٍ].

وحديث: «إنهما ليُعذَبان، وما يُعذَبان في كبيرٍ، أما أحدُهما فكان لا يستنزه من البول» [متفق عليه عن ابن عباس].

وكذلك الإجماع قائمٌ على نجاسة بول الآدميّ.

وأما المنيُّ فطهارتُه ثابتةٌ بالظاهر؛ حيث كانت عائشةُ رضي الله عنها تحُتُّه من ثوب رسول الله إذا كان يابسًا، وتغسلُه إذا كان رطبًا [رواه مسلم، وأصله متفق عليه].

وهذا لا يرتقي إلى درجة النصّ الصريح.

7- تقديمُ القياس الموافق للأصول الثابتة في الشرع على ما ليس له إلاّ أصلٌ واحدٌ:

مثاله: ترجيحُ قياس الجنايةٍ على العبد على سائر الإتلافات التي تحدث من الإنسان؛ على قياسها على دية الخطأ في كون ديته على العاقلة؛ لأن جعْلَ ديةِ الخطأ على العاقلة أصلٌ واحدٌ لا نظيرَ له في الشرع، وجعْلُ الإتلافات المالية على الفاعل تشهدُ له أصولٌ كثيرةٌ في الشرع، فكان القياسُ عليها أولى.

8- تقديمُ القياس الموافقِ لظاهر قرآن أو سنةٍ أو قول صحابيٍّ على ما ليس كذلك:

مثل: ترجيح قياس جراح العبد على الإتلافات المالية المذكورة في المثال السابق على قياسه على دية الخطأ؛ لكون الأول متأيِّدًا بظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ [الأنعام:164].

ومثل: تقديم قياس الاستصناع على البيع والإجارة على قياسه على بيع المجهول؛ لأن الأولَ متأيِّدٌ بعمل الصحابة.

وكذا قياسُ الأجير المشترَكِ على المشتري أو المستعير في ضمان ما تلف عنده بجامع القبض لمصلحته، على قياسه على المؤتمن في عدم الضمان، والأول متأيِّدٌ بفعل علي رضي الله عنه، وسكوتِ مَن حضر من الصحابة رضي الله عنهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة