حجم الخط:

محتوى الدرس (85)

تغيّرُ الاجتهاد:

ينشأُ عن تجديد الاجتهاد - أحيانًا - تغيُّرُ الاجتهاد السابق، فما كان يراه المجتهدُ جائزًا قد يراه غيرَ جائزٍ فيما بعدُ، والعكسُ كذلك.

· وتغيُّرُ الاجتهاد ينشأُ عن أسبابٍ كثيرةٍ، أهمُّها:

1- الاطّلاعُ على دليلٍ لم يكنْ قد اطّلعَ عليه قبلَ ذلك.

2- التنبُّهُ إلى دلالة دليلٍ على الحكم لم يكنْ المجتهدُ قد تنبّه لها قبلَ ذلك، وقد يكونُ هذا التنبُّهُ من قبل المجتهد نفسِه، وقد يُنبِّهه على وجه الدلالة آخَرُ.

3- تغيُّرُ الأعراف والعادات في مسألةٍ مبناها على العرف والعادة، مثلُ أنْ يكونَ من عادة الناس في بلدٍ أن المؤجِّرَ مطالَبٌ بدفع قيمة مصاريف الكهرباء، فيُفتي أو يَقضي بناءً على هذا العرف، ثم يتغيّرُ العرفُ ويُصبحُ المستأجِرُ هو المطالَبُ بذلك، فيُفتي به.

4- تغيُّرُ المصالح والمفاسد المترتّبة على الفعل، فقد يترتّبُ على الفعل مفسدةٌ أو مصلحةٌ في وقتٍ من الأوقات، فيُفتي بناءً على ذلك، ثم يتغيّرُ الحالُ فتتغيّرُ الفتوى، إذا كانتْ مبنيّةً على تحقُّق المصلحة أو المفسدة.

5- عدم تحقق المناط في الواقعة الجديدة، إما لفوات شرط أو وجود مانع، كما أوقف عمر رضي الله عنه القطع في السرقة عام المجاعة؛ لغلبة الاضطرار على الناس، والحد يمنعه الاضطرار إلى الفعل الموجب له.

القواعدُ المبنيةُ على تغيُّر الاجتهاد:

ينبني على تغيُّر الاجتهاد قواعدُ أصوليةٌ كثيرةٌ، أهمها:

1- قاعدة: الاجتهادُ لا يُنقضُ بالاجتهاد:

وهي قاعدةٌ عامّةٌ صحيحةٌ، تُفيدُ أن المجتهدَ إذا أفتى أو قضى قضاءً بناءً على اجتهادٍ، ثم تغيّر اجتهادُه فإنه لا يَنقضُ حكمه السابق، ولا يرجعُ فيه بعدَ نفاذه، وكذلك إذا أفتى بفتوىً وعمل بها المقلِّدُ، فإن رجوعَه لا ينقُضُ فتواه الني اتّصلَ بها العملُ.

ولا فرقَ في تطبيق القاعدة بين أنْ يكونَ اختلافُ الاجتهاد الثاني من المجتهد الأول أو من غيره، بل إذا كان الاجتهاد المتأخِّرُ من غير المجتهد الأول يكونُ أولى بعدم النقض.

2- الاجتهادُ يُنقضُ إذا خالف نصًّا صريحًا من كتابٍ أو سنّةٍ، أو خالف إجماعًا صريحًا ثابتًا:

ولا فرقَ - على الصحيح - بين أنْ يكون النصُّ قطعيَّ الثبوت أو ظنيَّ الثبوت، إلا أنه إذا كان ظنيَّ الثبوت فيُشترطُ لنقض الاجتهاد به أنْ لا يُعارضَه نصٌّ آخَرُ يُماثلُه أو يُقاربُه في القوّة، فإنْ عارضه نصٌّ آخَرُ فلا نقضَ.

3- هل يلزمُ المجتهدَ إخبارُ مَن أفتاه بتغيُّر اجتهاده؟:

اختلف العلماءُ في ذلك، والأكثر على أنه لا يلزمه ذلك.

وقيل: يلزمُه إنْ لم يتّصلْ به العملُ وأمكنه ذلك من غير مشقّةٍ.

وهو أرجح؛ لأنه من النصح لعامّة المسلمين، وقد أمر به الرسول ﷺ، وجعله من الدين، فقال ﷺ: «الدينُ النصيحةُ»، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم»، [مسلم عن تميم الداري].

ولأنه من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ ﴾ [المائدة:2].

وهذا كلُّه إذا لم يكنْ خالف نصًا لا معارضَ له، فإنْ خالف نصًّا صحيحًا من كتابٍ أو سنةٍ لا معارضَ له، أو خالف إجماعًا صريحًا صحيحًا فيجبُ عليه إخبارُ مَن أفتاه بالفتوى الخطأ؛ لقوله ﷺ: «مَن أُفتي فتوىً من غير ثبتٍ فإنما إثمُه على مَن أفتاه» [أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة] فإذا كان الإثم سيلحق المفتي وجب إبلاغ المستفتي بالخطأ حتى لا يزيد الإثم.

ولفعل ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، حيث أفتى رجلاً بجواز نكاح أم الزوجة إذا لم يدخلْ بها، فأخبره الصحابة بتحريم ذلك، فرجع إلى الحيّ الذي فيه المستفتي وسأل عنه وأخبره بخطإ الفتوى.

ولأن الفتوى المخالفةَ لنصٍّ لا معارضَ له خطأٌ يقينًا، ولا عبرةَ بالظن البيِّن خطؤُه، أما في الاجتهاد فإنه لا يجزمُ بخطئه، وإنما يغلبُ على ظنه ذلك، لذا لم يجبْ عليه الإبلاغُ عند الأكثر.

4- لا يُنكَرُ تغيُّرُ الفتوى بتغيُّر الأزمان:

نصَّ العزُّ ابنُ عبد السلام، والقَرافيّ، وابن القيم، وغيرُهم على أن الحكمَ أو الفتوى قد يتغيّران في المسألة الواحدة لأجل تغيُّر الأعراف والعادات والأزمان، ونحو ذلك مما له أثرٌ في الحكم.

وقد توسّع في القاعدة بعض المتأخِّرين، ولم يقصـروها على الأحكام التي ترجعُ إلى العرف والعادة.

وأنكرها بعضُ العلماء لمَّا فَهم منها العمومَ لجميع الأحكام، أو لما في ظاهرها من الاحتمال الباطل الذي يُوهمُ بأن الحكمَ في المسألة الواحدة بعينها قد يتغيّرُ عند الله جل وعلا بلا نسخٍ.

وحملوا ما يذكرُه العلماءُ من الأمثلة على تغيُّر الأحكام لتغيُّر الأزمان أو الأحوال على أن الحكمَ الشرعيَّ لم يتغيّرْ، وإنما تخلّف تعلُّقُه بالصورة المشابهة في الظاهر للصورة السابقة لعدم تحقُّق المناط، حيث كان موجودًا في الصورة السابقة وغيرَ موجودٍ في الصورة اللاحقة.

وهذا نظيرُ حكم النفقة للزوجة، فقد كان يُقدَّرُ بشيءٍ يسيرٍ من الطعام واللباس؛ لتعارُف الناس عليه، وفي هذا الوقت لم يعُدْ كافيًا، وكذلك السُّكنى، فإن الشرعَ لم يُحدّدْ نوعَ البيت الذي يجبُ أنْ يُوفِّرَه الزوجُ للزوجة، وإنما تُرك ذلك للعُرف، ولقدرة الزوج ويُسره أو عُسره. فهذا الحكمُ لم يتغيّرْ، ولكنه جاء في صورة قاعدةٍ عامّةٍ، يُترَكُ تطبيقُها للقُضاة عند التخاصُم، والمعتمدُ في تحديدها عرفُ أهل البلد وعاداتُهم.

ولهذا فقد يكونُ البيتُ الشرعيُّ في عصرٍ أو بلدٍ غرفةً واحدةً.

وفي بلدٍ آخَرَ مكونًا مما لا يقلُّ عن أربع غرفٍ مع مرافقها.

وكذلك إنكار المنكر يكون واجبًا حين يغلب على الظن زواله بالإنكار، ويحرم حين يغلب على الظن أن إنكاره يؤدي إلى منكر أعظم منه[1].

ومع ذلك لا يُقالُ الحكمُ تغير، إلا بشيءٍ من التسامح في العبارة.

ولذا فإن القاعدةَ بحاجةٍ إلى ضبطٍ حتى لا يُفهمَ منها نسخُ الأحكام المنصوصةِ التي لا مدخلَ للعرف والعادة في تحديدها، مع وجود أسبابها.

ونص القاعدة - كما ذكرها ابن القيم - ليس فيه إلا عدمُ الإنكار على مَن تغيرت فتواه لتغير الأزمان والأحوال.

وكذلك الحكمُ القضائي كالفتوى؛ ولهذا اتفق العلماءُ على أن القاضيَ يجب أنْ يعرفَ عاداتِ الناس وأعرافَهم حتى يقضـيَ بينهم، ولا يجوز أنْ يقضـيَ مَن لا علمَ له بذلك.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة