حجم الخط:

محتوى الدرس (87)

التقليدُ في الأصول:

محلُّ النزاع:

ظنّ بعضُ الأصوليين أن المقصودَ بالأصول مسائلُ الاعتقاد عمومًا.

والصوابُ: أن المرادَ الأصولُ التي يَدخل بها الإنسانُ في الإسلام، وهي: الإيمان بالله جل وعلا، واستحقاقُه العبادةَ وحده، والإيمانُ بصدق رسالة الرسول ﷺ.

فهذه الأصولُ هي التي قال جمهور العلماء: إنها لا يجوزُ التقليدُ فيها، وإنما يجبُ على كلّ مسلمٍ أنْ ينظرَ في أدلّتها حتّى ترسخَ في قلبه، فلا يتزعزعُ إيمانُه بها لأدنى شبهة.

واستدلوا على ذلك بالآيات التي فيها ذمُّ التقليد، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ ﴾ [البقرة:170]، وقوله تعالى في معرِض ذمّ المشـركين: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴿ ٢٣ ﴾ ﴾ [الزخرف:23].

وحملوا هذه الآياتِ على ذمّ التقليد في أصل الإيمان.

واستدلّوا بدليلٍ عقليٍّ، وهو: أن المقلِّدَ إما أنْ يكونَ شاكًّا في صدق مَن قلّده أو متيقِّنًا صدقَه: فإنْ كان شاكًّا فلا يصحُّ إيمانٌ مع الشك. وإنْ كان متيقِّنًا: فإما أنْ يكونَ بناء على نظرٍ واستدلالٍ، أو بناءً على ثقته بمَن قلّده.

فإنْ كان بناءً على نظرٍ واستدلالٍ فهو قد استدلَّ، وليس مقلِّدًا.

وإنْ كان بناءً على ثقته بمَن قلّده وسكونِ نفسِه إليه، فما الفرقُ بين سكونِ نفسِه وسكونِ أنفُسِ المقلِّدين من النصارى إلى ما يقولُه القُسسُ والرهبانُ؟!

وقد خالف بعضُ العلماءِ في إيجاب النظرِ على الجميعِ، ظنًا منهم أن المطلوبَ الاستدلالُ على طريقة المتكلمين، وهذا ليس مرادًا عند المحقِّقين، وإنْ كان هناك مَن ظنّ أنه مرادٌ، حتى قال: مَن لم يعرفْ دليلَ التمانُع فلا يصحُّ إيمانُه!

والصحيحُ: وجوبُ النظرِ على القادرِ على ذلك، حتى لا يهتزَّ إيمانُه لأدنى شبهةٍ؛ لأن القادرَ على النظر إذا تركه كان مفرِّطًا في المحافظة على عقيدته من الزيغ والضلالة.

وليس المقصودُ المعرفةَ بدفع جميع الشُّبه في مجال الاعتقاد، وإنما المقصودُ النظرُ الدالُّ على وجود الله، ووحدانيته، واستحقاقِه للعبادة، وصدقِ الرسول ﷺ.

أما بقيةُ مسائلِ الاعتقادِ فيكفي فيها التقليدُ كمسائل الفروع الآتي ذكرُها.

ثمرة الخلاف:

ظن البعضُ أن ثمرةَ الخلاف أن مَن أوجب النظرَ لا يُصحّحُ إيمانُ مَن لم ينظرْ، ونقلوا عن أبي الحسن الأشعري عدمَ صحّة إيمانِ العوامِّ.

وهذا النقلُ لا يصحُّ. والبناءُ المذكورُ لا يصحُّ أيضًا.

وثمرةُ الخلافِ تظهرُ في أن مَن أوجبَ النظرَ في تلك المسائل يحكمُ بتأثيم مَن تركه مع قدرته عليه، أما مع العجز عنه فلا. ولا يعدُّه شرطًا لصحّة الإيمان، بل الإيمانَ صحيحٌ إذا لم يخالطْه شكٌّ، وإن لم يعرفْ ما يدلُّ عليه بالنظر.

التقليدُ في الفروع:

[المقصود به]:

المرادُ بالفروع هنا: ما ليس من الأصول التي يدخل بها الإنسانُ في الإسلام، فيدخلُ في الفروع بعضُ مسائل الاعتقاد، ومسائلُ أصولِ الفقه والفقهُ.

وقد اختلفوا في جواز التقليد في تلك المسائل.

[الأقوال]:

فذهب الجمهورُ إلى جواز التقليد فيها.

واستدلوا بإجماع الصحابة على إفتاء العوام إذا سألوا، وعلى أن فرضَ الجاهلِ سؤالُ العالم.

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ ٤٣ ﴾ ﴾ [النحل:43].

وبقول الرجل في قصة العسيف عند النبي ﷺ: «وإني سألت أهلَ العلم فأخبروني أنّ على ابني جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ» [متفق عليه عن أبي هريرة]، ولم ينكرْ عليه الرسولُ ﷺ سؤالَه لأهل العلم.

وبقول الرسولِ ﷺ: «ألا سألوا إذْ لم يعملوا» [أخرجه أبو داود عن جابر].

ومنع من التقليد في الفروع ابنُ حزم والشوكانيُّ.

ومنعُهم مبنيٌّ على تعريفهم للتقليد، ولو وافقناهم على التعريف لوافقناهم على الحكم.

وأما إذا اخترنا أن التقليدَ هو: (الأخذُ بمذهبِ الغيِر من غيرِ معرفةِ دليله)، أو (... من غير معرفة رجحان دليله) فلا يمكنُ أنْ نمنعَ التقليدَ؛ لأن أكثرَ المسلمين يعملون بالأحكام من غير أنْ يعرفوا الأدلةَ الخاصّةَ عليها.

[المانعون من التمذهب]:

ومن منكري التقليد مَن منع التقليدَ بمعنى: التزام مذهب إمامٍ معيَّنٍ من غير بحثٍ عن حجّته، وأجاز للعاميّ تقليدَ مَن شاء.

والفرقُ بين هذا المذهب ومذهب الجمهور: أنه يمنعُ التَمَذْهُبَ بمذهبِ إمامٍ معيَّنٍ، ولا يمنعُ أصلَ التقليدِ، والجمهورُ يُجيزون التمذْهُبَ ويعدُّونَه فرعًا عن جواز التقليد.

وحجتهم على جواز التمذهب: أنه إذا جازَ لغير المجتهد تقليدُ مَن شاء من العلماء جاز له أنْ يختارَ منهم واحدًا فيقلِّدَه دونَ غيره، لثقته في علمه وعدالته وورعه.

والمانع من التمذهب يحتجُّ بأنه لم يكنْ معروفًا في صدر الإسلام. وأنه يؤدِّي إلى التعصُّب وتركِ الحق.

ويُجابُ بأن عدمَ اشتهارِه في صدر الإسلام يُمكن منُعه، ولا يستطيعُ مدّعيه أنْ يُقيمَ الدلالةَ على عدم وجود التزام بعض العوامّ بسؤالِ واحدٍ بعينه من المفتين.

ولو سُلِّمَ، فإن عدمَ اشتهارِه في الصدر الأول لا يدلُّ على تحريمه. وأيضًا فإن المفتين في الصدر الأول لم تكنْ لهم مذاهبُ معروفةٌ في جميع مسائل الفقه. وهذا جعل المقلّدين يسألون مَن وجدوه حين تعرِض لهم المسألةُ.

وأما قولهم: إنه يؤدّي إلى التعصُّب وتركِ الدليل الشرعيّ، فيُجابُ بأن الممنوعَ هو التعصُّبُ المذهبيُّ وتركُ الدليل مع معرفتِه والعلمِ برُجحانه، وهذا غير لازمٍ من التمذهُب لزومًا بيِّنًا، ولكنه قد يحدثُ.

والذي يظهر: أن الذين أنكروا التقليدَ بمعنى التمذهبِ حملهم على إنكارِه ما رأوه في عصرهم من التعصُّب الممقوت الذي يصدُّ عن الحقّ، ويفرِّقُ الأمةَ، حتى أصبح الدينُ كأنه مللٌ شتّى. ومن مظاهره: قولُ بعضِ أتباع المذاهب ببطلان الصلاة خلفَ مَن يُخالفُ المذهبَ؛ لاحتمال أنه فعلَ ناقضًا من نواقض الوضوء التي لا يراها إمامُه ناقضةً، وهي عند إمام المقتدي به ناقضةٌ.

ولا شكّ أن مثلَ هذا مخالفٌ لما عليه المحقّقون من أتباع المذاهب كافّة، وحكوا عليه الإجماع.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة