اقتضاء الأمر الإجزاء بفعل المأمور به:
هذه المسألة من المسائل التي لم تحرر في كتب أصول الفقه تحريرًا يكشف الغطاء عن حقيقتها، وأرجو أن أوفق إلى ذلك فأقول:
عنون الغزالي وابن قدامة للمسألة بقولهما: (الأمر هل يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به؟) وعنون أبو الخطاب والرازي والآمدي بقولهم: (إتيان المأمور به هل يقتضـي الإجزاء؟) فجعلوا المقتضي للإجزاء هو إتيان المأمور به، وبين العنوانين فرق لا يخفى على اللبيب.
وقبل الكلام في حكاية الخلاف نقول: ما المراد بالإجزاء؟
والجواب: أن الإجزاء يطلق على معنيين:
1- موافقة أمر الشارع وامتثاله.
2- سقوط القضاء.
وقد ذهب بعض المعتزلة إلى المعنى الأول، وأكثر الفقهاء إلى الثاني كما تقدم في باب الحكم الوضعي.
وفعل المأمور به على الوجه المطلوب من الشارع لا خلاف في أنه يقتضـي الإجزاء بالمعنى الأول وهو موافقة أمر الشارع وامتثاله، وإنما الخلاف في أنه هل يقتضي الإجزاء بمعناه الثاني الذي هو سقوط القضاء.
وقد ذكرت كتب الأصول خلافًا في المسألة على قولين:
· أن فعل المأمور به يقتضي الإجزاء بمعنى سقوط القضاء، فإذا فعل المكلف الفعل المأمور به لا يمكن أن يؤمر بقضائه.
1- أن المكلف قد أتى بما طلب منه، فوجب أن يخرج عن العهدة بذلك الفعل، وسقوط القضاء يعني الخروج عن العهدة.
2- لو كان فعل المأمور به على الصفة المطلوبة لا يسقط القضاء للزم أن يكون الأمر يوجب فعل المأمور به مرة بعد مرة. وهذا قد أبطلناه في مسألة اقتضاء الأمر التكرار.
3- ما ورد في الحديث أن امرأة سنان بن مسلمة الجهني أمرت أن يُسأل رسول الله ﷺ: أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ أن تحج عنها؟ فقال: «نعم» [أخرجه النسائي وابن ماجه].
ووجه الدلالة: أن المرأة فهمت الإجزاء من فعل المأمور به وأقرها النبي ﷺ على ذلك.
وقد ورد حديث آخر أصح ليس فيه لفظ (يجزئ) ولكن فيه أن النبي ﷺ شبه الواجبات بالدين وقال: «فدين الله أحق بالوفاء»، والدين إذا وفّى به المدين أجزأة وبرئت ذمته باتفاق، فدين الله كذلك.
· أن فعل المأمور به لا يقتضي الإجزاء بمعنى سقوط القضاء.
1- أن من أفسد حجه يؤمر بالمضي فيه وإتمامه، ويجب عليه القضاء، ولو كان فعل المأمور به يسقط القضاء لما وجب القضاء على من أفسد حجه.
2- من صلى يظن أنه متطهر، ثم تبين له أنه صلى بلا طهارة، فإنه يجب عليه القضاء باتفاق، ولو كان فعل المأمور به يوجب سقوط القضاء لسقط القضاء عنه.
3- أن القضاء يجب بأمر جديد ولا يمتنع أن يأتي أمر آخر بوجوب القضاء مع فعل المأمور به.
4- أن الأمر يقتضي وجوب الفعل، وأما سقوط القضاء فهو شيء آخر لم يتعرض له الأمر، ولم يدل عليه.
والراجح: أن إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المطلوب يقتضـي الإجزاء أي: سقوط القضاء ولا نقول: إن الأمر يقتضـي الإجزاء، لأن الذي اقتضـى ذلك العقل والشرع وليس المعنى الوضعي للأمر.
والجواب عن أدلة المخالف على النحو التالي:
قولهم: من أفسد حجه وجب عليه المضي فيه والقضاء، يجاب بجوابين:
الأول: أن من أفسد حجه لم يأت بالمأمور به على الوجه المطلوب، وإنما أتى به مع شيء من الخلل، ولهذا وجب عليه القضاء.
الثاني: أن المفسد لحجه توجه إليه أمران: أحدهما: الأمر بالحج: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ [آل عمران:97]. والثاني: الأمر بالإتمام المفهوم من قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ ﴾ [البقرة:196]. ومن قول عمررضي الله عنه، وإجماع الصحابة على ذلك.
فالمضي في الحج الفاسد هو امتثال للأمر الثاني، وإذا أتمه اقتضى ذلك الإجزاء وأما الأمر الأول فلم يأت به على الوجه المطلوب، ولذا وجب قضاؤه.
وأما استدلالهم بوجوب القضاء على من صلى يظن أنه متطهر، فيجاب عنه بجوابين:
1- المنع من وجوب القضاء. وذكره الآمدي وجهًا للشافعية.
2- أن القضاء وجب لتدارك المصلحة الفائتة، فالمصلي فاته الإتيان بصلاة مستكملة الشروط، وأمكنه استدراكها بالقضاء، فأوجبناه عليه.
وأما الدليل الثالث فقد تقدم الجواب عنه في مسألة سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته وبينًا هناك أن القضاء لا يحتاج لأمر جديد وإنما يثبت بالأمر الأول.
ولا نمنع أن يؤمر بمثل الفعل الأول ولكن لا نسميه قضاء.
وأما الدليل الرابع فإنما يرد على من ظن أن الأمر يدل على الإجزاء بطريق الوضع، وهذا لا يقوله عالم، وإن فهم من ظاهر كلام بعض العلماء أنه يريد ذلك فلابد من تأويله وحمله على محمل صحيح؛ إحسانًا للظن في العلماء.
وأما من قال: إن إتيان المامور به على الوجه المطلوب يسقط القضاء ويقتضـي الإجزاء فلا يرد عليه هذا الدليل.
قال الآمدي: (إن الخلاف بين الفريقين لفظي، وإن بعض من تكلم في المسألة لم يعرف موطن النزاع، فأطال الكلام وشعَّبه).
ووجه هذا القول أن الجمهور القائلين بسقوط القضاء بفعل المأمور به، لا يمنعون أن يرد أمر جديد للمكلف بفعل مثل ما أمر به أولاً، ولكنهم لا يسمونه قضاء إلا حيث يكون فيه استدراك لمصلحة فاتت في الفعل الأول، كالمثالين المذكورين في استدلال الخصم.
والمعتزلة يقولون: فعل المأمور به لا يسقط القضاء الواجب بأمر جديد غير الأمر الأول، والأمر الأول لا يوجب عليه الفعل مرة ثانية.
قلت: والجزم بلفظيه الخلاف فيها نظر، لأن في كتب الفروع مسائل يمكن أن تخرَّج عليه، ولكن لما كان المشتغل بالتخريج ليس من أهل الاجتهاد، والقاعدة لم يتضح فيها رأي الأئمة المجتهدين اضطر فقهاء الفروع إلى تخريج تلك المسائل على قواعد أخرى كقاعدة اليقين لا يزول بالشك ونحوها.
ومن تلك المسائل التي يمكن تخريجها على القاعدة:
1- فاقد الطهورين: قال بعض الفقهاء يصلي على حاله ثم يقضـي إذا وجد الماء أو التراب. ومقتضى قول الجمهور في القاعدة أنه لا قضاء عليه؛ لأنه لا يطلب منه ما لا يطيق، فإذا أتى به فكيف يؤمر بالقضاء؟ وقال بعض الفقهاء: يلزم القضاء. وهو يتخرج على مذهب المعتزلة في القاعدة.
2- الجنب إذا لم يجد الماء يتيمم. وهل يجب عليه أن يغتسل إذا وجده؟ قال أكثرهم: نعم، ومقتضى قاعدة الجمهور أن لا يؤمر بذلك أمر إيجاب إلا بدليل خاص.
3- من ضل فلا يعرف جهة القبلة يصلي إلى أي جهة. وهل يلزمه القضاء إذا عرف جهة القبلة؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: يلزمه القضاء. وهو يتخرج على قاعدة المعتزلة، لا على قاعدة الجمهور إذ لا يوجد دليل جديد على وجوب القضاء.
4- المحبوس في محل نجس: يصلي فيه. واختلفوا في وجوب الإعادة عليه أو القضاء، والقول بوجوب الإعادة أو القضاء يتخرج على مذهب المعتزلة في القاعدة.
والخلاف في هذه القاعدة له صلة بالخلاف في تعريف الصحيح بين الفقهاء والمتكلمين، فالفقهاء يعرفونه بأنه: ما أسقط القضاء، والمتكلمون يعرفونه بأنه ما وافق أمر الشارع في اعتقاد المكلف.
وهذا الكلام قد مر معنا في الحكم الوضعي، ويظهر من الخلاف في هذه القاعدة أن الخلاف في تعريف الصحيح مبني عليها؛ فمن قال: إن فعل المأمور به لا يقتضي سقوط القضاء، يقول: إذا وافق الفعل أمر الشارع في ظن المكلف ينبغي أن نسميه صحيحًا ولا نرتب عليه سقوط القضاء، إذ يمكن أن يأتي بالفعل ويطلب منه قضاؤه، وإذا وصفنا فعله السابق بالصحة امتنع تعريف الصحيح بما ذكره الفقهاء من قولهم: الصحيح: ما أسقط القضاء، ويتعين أن نعرفه بأنه ما وافق أمر الشارع في ظن المكلف، ولهذا فهم يقولون: صلاة من ظن أنه متطهر إذا تبين أنه على غير طهارة صحيحة ويلزمه القضاء.
وأما من قال: إن فعل المأمور به يقتضي سقوط القضاء، فيلتزم بأن صلاة من ظن أنه متطهر تبين أنها فاسدة وليست صحيحة.
ويشكل على هذا أنه يلزمهم أن لا يقولوا: إن المصلى يثاب على تلك الصلاة؛ لأن الفاسد لا ثواب عليه، والجزم بعدم الثواب على تلك الصلاة غير صحيح، ولكن يمكنهم أن يقولوا يثاب على قصده وعلى قراءته للقرآن وعلى غيره من الذكر الوارد في الصلاة.
وقد نقل الآمدي وجهًا عن الشافعية أن لا قضاء عليه، ومن قال بهذا الوجه اطردت له القاعدة ولم يرد عليه اعتراض المتكلمين، والله أعلم.