حجم الخط:

محتوى الدرس (79)

ثالثًا: الترجيحُ لأمرِ خارجيٍّ:

وله طرقٌ، منها:

1- اعتضادُ أحدِ الخبرين بموافقة ظاهر القرآن:

مثاله: ترجيحُ خبر التغليس بالفجر على خبر الإسفار؛ لموافقته لظاهر قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران:133].

ونُقل عن الشافعيّ قولُه: (ما وافق ظاهرَ القرآن كانت النفوسُ أميلَ إليه)[1].

2- ترجيحُ القول على الفعل المجرَّد:

لأن الفعلَ إذا لم يصحبْه أمرٌ احتمل الخصوصيةَ للرسول ﷺ بخلاف القول.

مثاله: ترجيحُ حديث: النهي عن استقبالِ القبلةٍ واستدبارِها عند قضاء الحاجة، على حديثِ ابنِ عمرَ: رأيت النبيَّ ﷺ يقضي حاجتَه مستقبلاً بيتَ المقدِس، مستدبرًا الكعبةَ. [متفق عليه].

3- ترجيحُ ما كان عليه عملُ أكثر السلف على ما ليس كذلك:

لأن احتمالَ إصابة الأكثر أغلبُ.

مثاله: ترجيحُ حديثِ تكبيرات العيد، وأنها سبعٌ في الأولى وستٌّ في الثانية على رواية مَن روى أنها خمسٌ في الأولى وأربعٌ في الثانية.

وهو يرجعُ إلى الترجيح بالكثرة، وقد سبق.

4- موافقةُ أحدِ الخبرين للقياس، فيُقدَّمُ على ما خالف القياسَ:

مثاله: ترجيح حديث: «إنما هو بَضعة منك» [رواه أحمد والنسائي] على حديث: «من مس ذكره فليتوضأ» [رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي] لأن الأول موافق للقياس دون الثاني.

5- ترجيحُ الخبر المقترن بتفسير راويه له بقولٍ أو فعلٍ، دون الآخَر:

فيُقدَّمُ ما فسَّره راويه؛ لكون الظنِّ بصحَّته أوثقَ، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في خيار المجلس، فقد فسّره ابن عمر بالتفرُّق بالأبدان.

الترجيح بين محامل اللّفظ الواحد:

[تمهيد]:

من المعلوم أن لفظَ الدليل قد يتّفقُ العلماءُ على صحَّته، ويختلفون في المعنى الذي يُحمَلُ عليه، واختلافهم يحتاج من الناظر فيه إلى معرفة قواعد الترجيح بين معاني اللّفظ التي يحمله عليها المختلفون.

وهذه أهمُّ تلك القواعد:

1- تقديمُ الحقيقة على المجاز:

وهذا محلُّ وِفاقٍ إذا لم تكن الحقيقةُ مهجورةً، أو كان المجازُ غالبًا.

مثاله: ترجيحُ قول مَن حمل حديث: «الجارُ أحقُّ بشفعة جاره» [الخمسة عن جابر] على المجاوِر لا على الشريك؛ لأن إطلاقَ الجار على الشريك مجازٌ.

وترجيح مذهب أهل السنة في حمل صفات الله تعالى على الحقيقة دون المجاز، كما في صفة اليدين مثلاً، فهناك من حملها على النعمة، وهو مجازٌ.

وترجيحُ قولِ مَن حمل لفظَ الأرض في قوله ﷺ: «جُعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورا» [متفق عليه عن جابر] على التراب، دون الجِير والإسمنت؛ فإنه لا يُسمى أرضًا إلاّ مجازًا، من جهة كونه مصنوعًا منها.

وأما إذا كانت الحقيقةُ مهجورةً فإن المجازَ يُصبحُ حقيقةً عرفيةً، فتُقدَّمُ على الحقيقة اللُّغوية المهجورة، كمَن حلف لا يأكلُ من هذه النخلة، فيُحمَلُ على الأكل من ثمرها لا من خشبها.

وإذا كان المجازُ غالبًا على الحقيقة مع بقاء استعمال اللفظ في حقيقته، ففيه خلافٌ، ليس هذا موضع بسطه.

2- ترجيحُ الحقيقةِ الشرعية على الحقيقة اللُّغوية:

مثاله: حملُ لفظ الصلاة في قوله ﷺ: «لا تقبل صلاة بغير طَهورٍ» [مسلم عن ابن عمر] على الصلاة الشرعية، ذاتِ القيام والركوع والسجود، دون الدعاءِ الذي هو معنى الصلاة في اللُّغة.

وحملُ لفظ الزكاة على المعنى الشرعيّ المعروف، دون المعنى اللُّغويّ، الذي هو النماءُ والزيادةُ، في مثل قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة:43].

3- تقديمُ الحمل على المجاز على الحمل على الاشتراك:

لأن المجازَ يُمكنُ العملُ به، بخلاف المشترَك فيجبُ التوقُّفُ فيه على البيان، ولأن المجازَ أكثرُ وقوعًا في اللُّغة من الاشتراك.

مثاله: لفظ النكاح في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ [النساء:22].

فإنه يحتمل أن يكون مشتركًا بين الوطء والعقد، ويحتمل أن يكون مجازًا في العقد. فمن جعله مشتركًا إما أن يجعله عامًا فيهما كالشافعي لعدم التنافر بين المعنيين، وإما أن يتوقف فيه ويطلب البيان من غيره. ومن حمله على العقد مجازًا جعل عقد الأب على المرأة يحرّمها، دون الوطء بالزنا. والقاعدة تؤيده؛ لأن المجاز أولى من الاشتراك.

ومثّل القرافي باحتجاج المالكي على بيع الغائب بقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ [البقرة:275].

فيعترض بكونه مشتركًا بين المحرمة والمباحة، ويجاب بأن إطلاقه على المحرّمة مجاز، والحمل على المجاز أولى من الحمل على الاشتراك.

4- تقديمُ المعنى الذي لا يحتاج إلى إضمارٍ على المعنى الذي يحتاج إلى إضمارٍ:

مثاله: تقديمُ ابنِ حزمٍ تركَ الإضمار في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ ﴾ [البقرة:184]، ولم يضمرْ (فأفطر)، كما أضمرَ الجمهور، فالقاعدة تؤيِّدُه، لولا ما نقلوه من النصّ والإجماع على صحّة صوم المسافر إذا صام.

ومن الأمثلة الصحيحة: أن الجمهورَ حملوا حديث: «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه» [رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي سعيد] على أن ذكاةَ أمه تكفي عن ذكاته. والحنفية قالوا لا بدَّ أنْ نُضمر(مثل)؛ ليكونَ المعنى: مثل ذكاة أمه، وترك الإضمار أولى من الإضمار.

5- تقديمُ التأسيس على التأكيد:

والمرادُ بالتأسيس: حملُ الزيادة في اللّفظ على زيادة المعنى.

والتأكيدُ: حملُ الزيادة على تأكيد المعنى السابق.

مثاله: إذا قال الرجلُ لزوجته: أنتِ طالقٌ طالقٌ. فهل يُحمَلُ على التأكيد فلا تقعُ إلاّ واحدةً، أو على التأسيس فتقعُ طلقتان. والقاعدة تُؤيِّدُ الاحتمالَ الثاني عند من لا يعتبر النية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة