5- الأسماء الموصولة:
وقد أطلق ابن الحاجب وغيره القول بعموم الأسماء الموصولة لكن التحقيق أن العام بعضها لا كلها. والعام من الأسماء الموصولة:
أ- (من) الموصولة، وهي للعقلاء، كقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ ﴾ [البقرة:184]، وقد تأتي لغير العقلاء كقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ ﴾ [النور:45]، وقد تقع (مَن) للخصوص كقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ ﴾ [محمد:16].
ب - (ما) الموصولة، وهي لغير العاقل غالبًا، كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة:29] وقد تعم العاقل وغيره كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ [السجدة:4].
ج - (الذي) و(التي) وفروعهما وهذه الموصولات لا تكون عامة إلا إذا كانت جنسية لا عهدية، فإن كانت للعهد لا تعم.
ومثال العام منها قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ ﴾ [الزمر:33].
فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنها عامة في كل من دعا إلى توحيد الله تعالى، ويدل على عمومها قوله بعد ذلك: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ ﴾ [الزمر:33] وقراءة ابن مسعود: «والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به».
ومثال التثنية قوله تعالى: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ ﴾ [النساء:16].
ومثال الجمع قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ ﴾ [فصلت:30].
ومثال المفرد والمؤنث قول الرجل لزوجاته: التي تدخل الدار فهي طالق. ومثال المثنى قول الرجل لإمائه: اللتان تختصمان فسأبيعهما.
ومثال الجمع المؤنث قوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ ﴾ [النساء:15].
ومثال ما جاء لغير العموم قوله تبارك تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر:38]. وقوله تبارك وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة:29].
وكذا كل ما ورد في صفات الباري جل وعلا فهو ليس للعموم، ونظرًا لكثرة وقوعها للعهد لم يعدها بعضهم من صيغ العموم.
د- (أي) الموصولة: وقد أنكر عمومها جماعة من الأصوليين، ومثال ما جاء عامًا منها قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا ﴿٦٩﴾ ﴾ [مريم:69].
لقد أطلق بعض العلماء القول بعموم أسماء الاستفهام، ولم يعدها إمام الحرمين والغزالي من صيغ العموم.
وحجة من منع عمومها أنها بمعنى أحد الشيئين أو الأشياء، وهي بهذا تشبه المطلق في أن كلاً منهما عمومه بدلي لا شمولي.
وقد أجاب العلائي عن هذه الحجة بأن أسماء الاستفهام وإن كان فيها تردد بين شيئين أو أشياء، لكنها تفارق المطلق في أنها تدل على الأفراد بعينها، والمطلق إنما يدل على الماهية الذهنية من حيث هي، ولا دلالة له على الأفراد.
· والمشهور من أسماء الاستفهام التي تعمُّ ما يلي:
أ- (مَن): ويستفهم بها عن العقلاء، ومثالها قوله تعالى: ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ ﴾ [الإسراء:51].
ب- (ما): ويستفهم بها عن غير العقلاء غالبًا، كقوله تعالى: ﴿ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴿٥٢﴾ ﴾ [الأنبياء:52].
ج- (أين)، و(أنى): ويستفهم بها عن المكان، ومثال الأولى قوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾ ﴾ [التكوير:26]، ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ ﴾ [آل عمران:37].
د- (متى)، و(أيان): ويستفهم بهما عن الزمان، ومثال الأولى قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴿٥١﴾ ﴾ [الإسراء:51]، ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ ﴾ [الأعراف:187].
ه- (أي) الاستفهامية: ومثالها قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ ﴾ [الأنعام:19].
و- (كم) الاستفهامية: ومثالها قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ ﴾ [الكهف:19].
7- النكرة في سياق النفي وما في معناه:
· اتفق أرباب العموم على أن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم في الجملة.
وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض صورها وفي طريقة عمومها.
ولقد عدها كثير من الأصوليين من أقوى صيغ العموم كما سيأتي بيان ذلك.
· ويشترط لإفادة النكرة العموم:
أن لا يكون النفي لسلب الحكم عن المجموع، كقولنا: ما كل عدد زوجًا. فإن هذا لا يفيد عموم السلب بل يفيد سلب العموم.
ومثال النكرة المنفية قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ ﴾ [البقرة:255].
وقد تصحبها (مِن) فتقوي دلالتها، حتى إن بعضهم قال إنها نص في العموم إذا صحبتها (مِن) ومثالها قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٦٥﴾ ﴾ [ص:65].
· والمراد بـ (ما في معنى النفي):
النهي، والشـرط، والاستفهام الإنكاري، مثال المسبوقة بنهي قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ ﴾ [الجن:18] ومثال المسبوقة بشرط قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة:6]. ومثال المسبوقة باستفهام إنكاري قوله تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴿٦٥﴾ ﴾ [مريم:65].
· وقد اختلفوا في الفعل إذا وقع في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام الإنكاري أو الشرط هل يعم؟
فقال المالكية والشافعية والحنابلة: إنه للعموم؛ لأنه ينحل إلى مصدر وزمان فإذا قال: والله لا أتكلم، فكأنه قال: لا يحدث مني كلام في المستقبل، فيكون عامًا. قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿١٣﴾ ﴾ [الأعلى:13]، وقوله: ﴿ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ﴾ [فاطر:36].
وقال جمهور الحنفية: إنه لا يعم؛ لأن الفعل لا أفراد له، والتعميم باعتبار المصدر قياس في اللغة، وهو غير جائز.
· وثمرة الخلاف تتضح في التخصيص بالنية:
فالجمهور أجازوا في مثل قوله: والله لا أبيع ولا أشتري، أن يستثني بيع وشراء طعامه وشرابه فلا يحنث بذلك، بل يحنث بالمتاجرة لنيل الكسب.
والحنفية قالوا: لا يصح أن تكون النية هنا مخصصة؛ لأنه لا عموم للفعل فيحنث بكل ما يسمى بيعًا أو شراء لغة.
· واختلفوا في مفعول الفعل المتعدي إذا حذف هل يكون عامًا؟
فقال الشافعية والمالكية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إنه يكون عامًا في مفعولاته، وخالف أبو حنيفة رحمه الله ووافقه الفخر الرازي وغيره.
· وفائدة الخلاف أيضًا تظهر في التخصيص بالنية:
فعند الجمهور لو قال: والله لا آكل، ونوى مأكولاً معينًا صح، ولا يحنث بأكل غيره.
وعند أبي حنيفة لا يصح التخصيص بالنية؛ لعدم العموم، والتخصيص فرع العموم فيحنث بأكل أي شيء.
8- الظروف الدالة على الاستمرار:
وذلك مثل (أبدًا) و (سرمدا) و (دائمًا) و (أبد الآبدين) و (دهر الداهرين) ونحو ذلك، فإنها تفيد عموم الأزمنة.
ومن أمثلتهم قوله تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ﴾ [البينة:8]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ۖ ﴾ [القصص:71].
وقوله ﷺ: «ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر» [متفق عليه].