قوة دلالة العام :
اختلف العلماء الذين قالوا للعموم صيغة في دلالة العام على ثبوت الحكم لكل فرد من أفراده أهي قطعية أم ظنية؟ واستثني من محل النزاع أمران:
أ- دلالة العام الوارد على سبب خاص على صورة السبب؛ فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنها دلالة قطعية، وأن صورة السبب لا يمكن تخصيصها من العموم.
ب- دلالة العام على أخص الخصوص أي على أقل ما يطلق عليه اللفظ فقد نص كثير من الأصوليين على أنها قطعية. ومرادهم أن العام لابد أن يدل على هذا القدر قطعًا، ولكن هذا القدر ليس معينًا بل شائعًا في أفراد العام.
الخلاف في قوة دلالة العام بين الحنفية والجمهور:
ذهبوا إلى أن العام قبل التخصيص قطعي الدلالة على كل فرد من أفراده.
1- أن الألفاظ تدل على معانيها في اللغة قطعًا، وألفاظ العموم موضوعة للعموم فتكون قطعية الدلالة على كل فرد من أفراده حتى يرد ما يصرفها عن ذلك.
2- لو جاز أن يرد العام ويراد به بعض أفراده من غير قرينة تدل على ذلك، للزم الإيهام والتلبيس، وارتفع الأمان عن اللغة والشرع، ولزم التكليف بما لا يطاق؛ لأن السامع لا يمكنه معرفة المراد منه، فإذا كلف مراعاة هذا الاحتمال كان ذلك تكليفًا بما لا يطاق؛ لأن إرادة المتكلم خفية لا تعلم إلا بدلالة منه. ونصوص الشريعة أكثرها ورد بصيغة العموم فلو جوزنا أن يكون المراد بها البعض من غير قرينة لرجعنا إلى مذهب الواقفية الذي أبطلناه.
ذهب جمهور العلماء إلى أن دلالة العام على كل فرد من أفراده دلالة ظنية.
1- أن احتمال التخصيص قائم، ومع الاحتمال لا يمكن القطع.
2- أن أكثر آيات الأحكام العامة مخصوصة، وكثرة التخصيص تورث شبهة واحتمالاً في دخول كل فرد تحت مسمى العام، فلا يمكن القطع بذلك.
3- لو كانت دلالة العام قطعية لا متنع تخصيص القرآن بالقياس وخبر الواحد، لكن التخصيص بهذين الدليلين واقع عند الصحابة والتابعين وأكثر الأئمة فعلم أن دلالته ظنية.
وأجابوا عن أدلة الحنفية بما يلي:
قولهم: إن هذه الصيغ موضوعة للعموم، واللفظ يدل على معناه الموضوع له قطعًا. يجاب بجوابين هما:
1- لا نسلم أن دلالة اللفظ على ما وضع له قطعية، بل اللفظ ظاهر فيما وضع له، وليس نصًا إلا حين ينقطع الاحتمال.
2- أن يجاب بالفرق بين العام وغيره من الألفاظ الخاصة، فالعام ظني لما ذكرناه من احتمال التخصيص بخلاف غيره من الألفاظ، وهذا الجواب أقوى من الذي قبله.
قولهم: لو جاز أن يرد العام مرادًا به الخصوص بلا قرينة لارتفع الأمان... إلخ. يجاب عنه بجوابين هما:
1- المنع من الملازمة، فلا يلزم من قولنا المذكور التلبيس ولا ارتفاع الأمان ولا التكليف بالمحال.
أما عدم لزوم التلبيس وارتفاع الأمان عن اللغة، فلأن الكلام فيما إذا لم تظهر لنا قرينة صارفة ولم نقطع بانتفائها، والتلبيس إنما يلزم لو قطعنا بعدم القرينة الصارفة ومع ذلك لم يرد باللفظ عمومه.
وأما عدم لزوم التكليف بالمحال، فلأن المكلف لم يطلب منه معرفة مراد الشارع في واقع الأمر، وإنما المطلوب منه الامتثال لما يظهر أنه مراد الله ورسوله، وهذا ليس محالاً؛ إذ العام ظاهر في دخول كل فرد من أفراده، فيجب العمل به في عمومه إذا لم يظهر ما يصرفه عن ذلك.
2- أن اللفظ الخاص يحمل على حقيقته مع احتماله المجاز ما لم تقم قرينة على صرفه عن حقيقته إلى مجازه، وهذا باتفاق بيننا وبينكم، ولم تقولوا إنه يفضـي إلى التلبيس وارتفاع الأمان، فكذلك العام يحمل على عمومه مع احتماله الخصوص، ولا يلزم من ذلك التلبيس وارتفاع الأمان عن اللغة.
والراجح في هذه المسألة: مذهب الجمهور، وهو أن دلالة العام ظنية.
وقد ترتب على الخلاف في هذه المسألة خلاف في مسائل أصولية وفرعية منها:
تخصيص عموم القرآن والسنة المتواترة بالآحاد:
فقد ذهب الحنفية إلى أن العام في القرآن والسنة المتواترة إذا لم يسبق تخصيصه بقطعي لا يجوز تخصيصه ابتداء بخبر الآحاد، وذهب الجمهور إلى جواز ذلك.
· ومن الفروع المبنية على هذا الأصل:
أ- أن الحنفية يوجبون الزكاة في الخارج من الأرض ولو لم يكن مما يكال ويدخر، فيوجبون الزكاة في الفواكه والخضروات.
ب- أنهم لا يشترطون النصاب في الخارج من الأرض، فيوجبون الزكاة في القليل والكثير، وذلك كله عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ ﴾ [البقرة:267] وقوله ﷺ: «فيما سقت السماء والعيون العشر» [أخرجه البخاري].
والجمهور يخصصون عموم الآية بحديث: «ليس فيما دون خمسه أوسق صدقة» [متفق عليه] فإنه يدل على أن الزكاة إنما تجب فيما يكال ويدخر. وتدل على أن المكيل لا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق.
وأما العام بعد التخصيص فهو حجة فيما بقي، ولكنه حجة ظنية، اتفق على ذلك رأي الأصوليين والفقهاء من المذاهب الأربعة.
وما نقل في كتب أصول الفقه من الخلاف في حجية العام بعد التخصيص لم ينقل عن أحد من الفقهاء الذين نقل إلينا فقههم، وإنما نقل عن بعض المتكلمين أو عن فقهاء لم يصل إلينا إلا النزر اليسير من آرائهم الفقهية، كأبي ثور وعيسى بن أبان، وفي صحة النقل عنهما نظر.
ولهذا فلا أرى جدوى من سرد الأقوال والاستدلال لكل قول، وسأكتفي بدليل القول الراجح وهو مذهب الجمهور.
الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في العصور الثلاثة المفضلة، فإنهم ما كانوا يتوقفون في العمل بالعام المخصوص في بقية أفراده، ومن ذلك احتجاج علي وعثمان رضي الله عنهما على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ [النساء:23]، وعلى إباحته بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [المؤمنون:6]، فقالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية، مع أن كلاً من الآيتين مخصوصة بإجماع؛ إذ ليس كل جمع بين الأختين محرمًا، وإنما يحرم الجمع بينهما في الوطء والنكاح، وأما ملك الأختين الرقيقتين فلا يحرم.
وكذلك دل العقل والإجماع على تخصيص قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [المؤمنون:6]، فليس كل ما ملكت اليمين يجوز وطؤه.
أما كون العام بعد التخصيص ظنيًا فهو مذهب جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
فأما المذاهب الثلاثة الأخيرة فإن العام عندهم ظني الدلالة خصص أو لم يخصص، ولكن العام المحفوظ عندهم أقوى من العام المخصوص، وكثرة المخصصات تضعف دلالة العام، ولذا فإن العام المحفوظ يقدم عند التعارض على العام المخصوص، بل يقدم المختلف في تخصيصه على المتفق على تخصيصه.
وفي هذا المعنى يقول إمام الحرمين: (ويقدم أحد العمومين بكون التخصيص فيه على النزاع على ما خص بالاتفاق كقوله سبحانه: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [المؤمنون:6]، خص منه تحريم الأختين بالرضاع اتفاقًا، وهل في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ [النساء:23] تخصيص؟ على الخلاف، فكان هذا أولى لأنه أبعد عن الاحتمال)[1].
ويقول محمد الأمين الشنقيطي: (وقد تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصًا مقدم على الأكثر تخصيصًا، كما أن ما لم يدخله التخصيص أصلاً مقدم على ما دخله... وخالف فيه السبكي والصفي الهندي)[2].
وأما الحنفية فقد سبق أنهم يعدون العام المحفوظ قطعي الدلالة، وأما العام المخصوص فهو ظني الدلالة؛ لما فيه من احتمال كون هذا الفرد أو ذاك داخلاً في الدليل المخصص بقياس أو نحوه.
ولعل للخلاف في حجية العام المخصوص أثرًا في قولهم إنه حجة ظنية، فإن الخلاف وإن كان ضعيفًا قد يورث شبهة.