[باب الإعراب]([1])
باب الإعراب
قال: (بابُ([2]) الإعْرابِ) الإعْرَابُ هُوَ: تَغْييرُ أَوَاخِرِ الكَلِمِ لِاخْتِلَافِ العَوَامِلِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا.
....................................................................................
وأقولُ: الإعْرابُ له مَعْنَيَانِ: أحدُهما لُغَوِيٌّ، والآخَرُ اصْطِلَاحِيٌّ.
أمّا معناه في اللغة([3]) فهو: الإظْهارُ والإبانةُ، تقول: أَعْرَبْتُ عَمَّا فِي نَفْسِي، إذا أَبَنْتَهُ([4]) وأَظْهَرْتَهُ.
وأما معناه في الاصطلاحِ: فهو ما ذكره المؤلِّفُ بقوله: (تَغْيِيرُ أَوَاخِرِ الْـكَلِمِ... إلخ).
والمقصودُ مِنْ (تَغْيِيرِ أَوَاخِرِ الْـكَلِمِ) تَغْيِيرُ أَحْوَالِ أَوَاخِرِ الْـكَلمِ، ولا يُعْقَلُ أنْ يُرَادَ تَغْييرُ نَفْسِ الأوَاخِرِ فإنَّ آخِرَ الكلمةِ نَفْسَهُ لا يتغيرُ، وتغييرُ أحوالِ أواخِرِ الكلمةِ عبارةٌ عنْ تَحَوُّلِها من الرفعِ إلى النصبِ أو الجرِّ: حقيقةً، أو حُكْمًا([5])، ويكونُ هذا التَّحَوُّلُ بسببِ تغييرِ العواملِ([6]): مِنْ عاملٍ يقتضـي الرفعَ على الفاعليَّةِ أو نحوِها، إلى آخَرَ يقْتَضـِي النَّصْبَ على المفعوليةِ أو نحوِها، وهَلُمَّ جَرًّا.
مثلًا إذا قلتَ: (حَضَرَ مُحَمَّدٌ) فمحمدٌ: مرفوعٌ؛ لِأَنّه معمولٌ لعاملٍ يقتضي الرفعَ على الفاعليةِ، وهذا العاملُ هو(حَضَرَ)، فإن قلت: (رأيتُ محمَّدًا) تَغَيَّرَ حالُ آخِرِ (محمد) إلى النصبِ؛ لِتَغَيُّرِ الْـعامِلِ بِعامِلٍ آخَرَ يقتضي النصبَ وهو(رأيت)، فإذا قلت: (حَظِيتُ بِمُحَمَّدٍ) تغيرَ حالُ آخرِه إلى الجرِّ؛ لِتَغَيُّرِ الْـعامِلِ بعامِلٍ آخَرَ يقتضي الْـجَرَّ وهو الْـباء.
وإذا تأَمَّلْتَ في هذه الأمثلةِ ظَهَرَ لك أنَّ آخِرَ الكلمةِ - وهو الدالُ([7]) مِنْ محمد - لم يتغير، وأنّ الذي تغيرَ هو أحْوالُ آخرِها: فإنّك تراه مَرْفُوعًا في المثال الأوَّلِ، ومنْصُوبًا في المثال الثاني، ومجرورًا في المثال الثالثِ.
وهذا التغييرُ من حالة الرفعِ إلى حالةِ النصبِ إلى حالة الجرِّ هو الإعرابُ عند المؤلفِ ومَنْ ذهبَ مذْهَبَهُ([8])، وهذه الحركاتُ الثّلاثُ - التي هي الرفع، والنصب، الجرُّ - هي علامةٌ وأَمَارَةٌ على الإعراب.
ومثلُ الاسمِ في ذلك: الفعلُ المضارِعُ، فلو قلت: (يُسَافِرُ إبْراهِيمُ) فيُسافرُ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ؛ لِتَجَرُّدِه مِنْ عاملٍ يقتضي نصبَهُ أو عاملٍ يقتضي جزْمَه، فإذا قلت: (لَنْ يُسَافِرَ إبراهِيمُ) تغيرَ حالُ (يسافر) مِنَ الرفعِ إلى النصبِ، لتغيرِ العاملِ بعاملٍ آخرَ يقتضي نصبَهُ، وهو(لَنْ)، فإذا قلت: (لَمْ يُسَافِرْ إبراهيمُ) تَغَيَّرَ حالُ (يسافر) من الرفعِ أو النصبِ إلى الجزمِ، لتغيرِ العاملِ بعاملٍ آخرَ يقتضي جزْمَه، وهو (لم).
واعْلَمْ أنَّ هذا التَّغَيُّرَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَينِ: لَفْظِيٌّ، وتَقْدِيرِيٌّ([9]).
فأمَّا اللفْظيُّ فهو: ما لا يمنعُ مِنَ النُّطْقِ به مانعٌ، كما رأيتَ في حركاتِ الدالِ من (محمد)، وحركاتِ الراءِ منْ (يسافر).
وأمّا التقديريُّ: فهو ما يمنعُ من التلفظِ به مانعٌ من تَعَذُّرٍ، أوِ اسْتِثْقالٍ، أوْ مُناسَبَةٍ([10])؛ تقولُ: (يَدْعُو الْـفَتَى وَالْـقَاضِي وغُلَامِي)، فيدعو: مرفوعٌ؛ لتجردِهِ منَ النّاصبِ والجازمِ، والفتى: مرفوع لكونِهِ فاعِلًا، والقاضي وغلامي: مرفوعانِ؛ لِأَنّهُما معطوفانِ على الفاعلِ المرفوعِ، ولَكِنَّ الضّمّةَ لا تظهرُ في أواخرِ هذه الكلماتِ، لِتَعَذُّرِها في (الفتى)، وثِقَلِها في (يَدْعُو)، وفي (القَاضِي)، ولِأَجْلِ مناسَبَةِ ياءِ المتكلِّمِ في (غُلامِي)؛ فتكونُ الضمةُ مقدّرَةً على آخِرِ الكلمةِ منعَ مِنْ ظُهورِها التَّعَذُّرُ، أوِ الثِّقَلُ، أوِ اشْتِغالُ الْـمَحَلِّ بحرَكةِ الْـمُناسَبَةِ.
وتقولُ: (لَنْ يَرْضَى الفَتى وَالقَاضِي وَغُلامِي)، وتقول: (إنَّ الفَتَى وَغُلامِي لَفَائِزَانِ) وتقول: (مَرَرْتُ بِالفَتَى وغُلامِي والقَاضِي).
فما كان آخرُه أَلِفًا لازِمَةً تُقَدَّرُ عليه جميعُ الحركاتِ للتَّعَذُّرِ، ويُسَمَّى الاسْمُ الْـمُنْتَهِي بالألفِ مَقْصُورًا، مثلُ: (الفتى، والعَصا، والحِجَى([11])، والرَّحَى، والرِّضَا).
وما كان آخِرُه ياءً لازِمَةً تُقَدَّرُ عليه الضّمّةُ والكسـرةُ للثقلِ، ويُسَمَّى الاسْمُ الْـمُنْتَهِي بالياءِ مَنْقُوصًا، وتظهرُ عليه الفتحةُ لِخِفَّتِها، نحو: (القَاضِي، والدَّاعِي، والْـغَازِي، والسَّاعِي، والآتِي، والرّامِي).
وما كان مُضافًا إلى ياءِ المتكلِّمِ تُقَدَّرُ عليه الحركاتُ كلُّها للمُناسَبَةِ، نحو: غُلامِي، وكِتابي، وصَديِقِي، [وابْنِي]([12])، وأُسْتاذِي([13]).
ويُقابِلُ الإعْرابَ البِناءُ، ويتَّضِحُ كلُّ واحِدٍ منْهما تمامَ الاتِّضَاحِ بسببِ بيانِ الآخَرِ. وقد تَركَ المؤلِّفُ بيانَ البناءِ، ونحنُ نُبَيِّنُه لك على الطريقةِ التي بيَّنَّا بها الإعرابَ، فنقولُ: للبِناءِ مَعْنَيانِ: أحَدُهما لُغَوِيٌّ، والآخَرُ اصْطِلاحِيٌّ.
فأمّا معناه في اللغةِ: فهو عبارةٌ عنْ وَضْعِ شيءٍ على شيءٍ على جِهَةٍ يُرَادُ بها الثُّبُوتُ واللُّزُومُ.
وأمّا معناه في الاصْطِلاحِ: فهو لُزُومُ آخِرِ الكلمةِ حالَةً واحِدَةً لِغَيْرِ عاملٍ ولا اعْتِلالٍ([14])، وذلك كلزومِ (كَمْ) و(مَنْ) السكونَ، وكَلُزُومِ (هؤلاءِ)، و(حَذَامِ)، و(أمسِ) الكَسْرَ، وكلزوم (مُنْذُ) و(حَيْثُ) الضّمَّ، وكلزوم (أيْنَ) و(كَيْفَ) الفَتْحَ.
ومِنْ هذا الإيضاحِ تَعْلَمُ أنَّ ألْقابَ الْـبِناءِ أَرْبَعَةٌ: السكونُ، والكسرُ، والضمُّ، والفتحُ.
وبعدَ بيانِ كُلِّ هذهِ الأشياءِ لا تَعْسُـرُ عليك معرفَةُ المُعْرَبِ والمَبْنِيِّ؛ فإِنَّ المُعْرَبَ: ما تَغَيَّرَ حالُ آخِرِهِ لفظًا أو تقْديرًا بسببِ [تَغَيُّرِ]([15]) العواملِ، والمَبْنِيُّ: ما لَزِمَ آخِرُهُ حالَةً واحِدَةً لغَيْرِ عامِلٍ ولا اعْتِلالٍ([16]).
بيّنِ المعربَ بأنواعه، والمبنيَّ، من الكلماتِ الواقعةِ في العباراتِ الآتيةِ:
قال أعْرابيٌّ: اللهُ يُخْلِفُ مَا أتْلَفَ الناسُ، والدَّهْرُ يُتْلِفُ ما جَمَعُوا، وكمْ مِنْ مَيْتَةٍ عِلَّتُها طَلَبُ الحياةِ، وحياةٍ سَببُهَا التَّعَرُّضُ لِلْمَوْتِ.
سأَل عُمَرُ بْنُ الْـخَطّابِ عَمْرَو بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ عَنِ الْـحَرْبِ، فقال لَهُ: هي مُرَّةُ الْـمَذَاقِ، إِذا قَلَصَتْ عنْ سَاقٍ، مَنْ صَبَرَ فِيها عُرِفَ، ومَنْ ضَعُفَ عنْها تَلِفَ.....
﴿ وَالضُّحَىٰ ﴿ ١ ﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴿ ٢ ﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴿ ٣ ﴾ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ ﴾
[الضحى:1-4].
| إِنَّ الْـعُلا [حَدَّثَتْنِي]([17]) وَهْيَ صادِقَةٌ |
| فِيما تُحَدِّثُ أنَّ الْـعِزَّ في النُّقَلِ([18]) |
الصَّبْرُ على حُقوقِ الْـمُرُوءَةِ أشَدُّ مِنَ الصَّبْرِ على ألَمِ الْـحاجَةِ، وذِلَّةُ الْـفَقْرِ مانِعَة ٌمِنْ عِزِّ الصَّبْرِ، كما أنَّ عِزَّ الْـغِنَى مانِعٌ مِنْ كَرَمِ الإِنْصافِ.
ما هو الإِعرابُ؟ ما هو البناءُ؟ ما هو المعرب؟ ما هو المبني؟ ما معنى تغيرِ أواخرِ الكلم؟ إلى كم قسم ينقسم التغير؟ ما هو التغير اللفظي؟ ما هو التغير التقديري؟ ما أسباب التغير التقديري؟ اذكر سببين مما يمنع النطقَ بالحركةِ.
اِيتِ بثلاثةِ أمثلةٍ لكلامٍ مفيدٍ، بحيثُ يكونُ في كلِّ مِثالٍ اسمٌ معربٌ بحركة مقدرة منع من ظهورها التعذر.
اِيتِ بمثالين لكلام مفيد [يكونُ]([21]) في كل واحد منهما اسم معرب بحركة مقدرة منع من ظهورها الثقل.
اِيتِ بثلاثة أمثلة لكلام مفيد في كل مثال منها اسم مَبْنِيٌّ.
اِيتِ بثلاثة أمثلة لكلام مفيد يكون في كل مثال منها اسم معرب بحركة مقدرة منع من ظهورها المناسبة.