دراسة حول علم التاريخ الإسلامي
التاريخ الإسلامي، هو تاريخ الشعوب والدول الإسلامية منذ بدء الإسلام وحتى العهد الحاضر، ويمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي. ولدى الدين الإسلامي فرصة لمزيد من الانتشار؛ فإنه يتصل بأرض بكر، ومن الممكن أن نجذب الكثيرين للإسلام، لو ربينا جيلًا من الدعاة، يحسن تقديم الإسلام للناس، وعلى هذا فخريطة العالم الإسلامي مفتوحة قابلة للامتداد.
يقول ابن الأثير: (إن من إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما في وقائع التاريخ من سيرة أهل الجور والعدوان، وما ترتب عليها من فساد وخراب وهلاك، استقبحوها وأعرضوا عنها. وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها، وما فيها من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالهم درت، استحسنوا ذلك ورغبوا فيه، وثابروا عليه)[1].
ويقول الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ:
(التاريخ مدرسة الأجيال يتعلم فيه الأحياء ما ينفعهم فيعملونه، وما يضـرهم فيجتنبونه، وهو الجسر الذي يصل ماضي الأمة بحاضرها)[2].
ظهر في كتابة التاريخ الإسلامي طريقان:
الأسلوب القديم: سرد الأحداث، من غير تعليق أو تحليل.
الأسلوب الحديث: الاهتمام بالتعليق والتحليل، وإهمال سرد الأحداث التاريخية المتتابعة.
ومن الواضح أن الطريقين يكمل أحدهما الآخر، ولا يستقيم أحدهما وحده[3]، وهذا ما حاولنا جهدنا المتواضع أن نسلكه في هذا السِّفْر المتواضع.
- أول كتاب دونه المسلمون هو كتاب الله. وقد كانوا مترددين في تدوينه، بيد أن مقتل أكثر الحُفَّاظ في حروب الردة وحروب المتنبئين جعلهم يدونونه خوفًا عليه من الضياع والنسيان.
- وأما تدوين الحديث النبوي، فإن التردد كان أكثر، وكان لا يدون خوفًا من أن يختلط بالقرآن، وقد أمر أبو بكر الناس ألا يحدِّثوا عن الرسول، وسار عمر على نهجه. ولم ينشط تدوين الأحاديث إلا في منتصف القرن الثاني الهجري (8م).
- وعلى ذلك فإن تردد المسلمين على تدوين غير ذلك من العلوم كان أكثر. ومن هنا وجب علينا الحذر في تلقي الأخبار التي دوَّنَها المؤرخون، فإن الأحداث الأولى لم تصل للمؤرخين مدونة، وإنما وصلتهم من الرواة.
وبدأ تدوين التاريخ الإسلامي في القرن الثالث الهجري (9م)، وكان من باكوراتها: سيرة ابن هشام (213 هـ- 828م).
ومن أهم الكتب القديمة التي تطرقت إلى التاريخ الإسلامي: تاريخ الطبري (310هـ- 922م)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (630 هـ- 1232م) والبداية والنهاية لابن كثير (774 هـ- 1372م) وغيرها.
وأما حديثًا فالكتابة عن التاريخ الإسلامي العام قليلة جدًا، وأبرز من برع في هذا الميدان الدكتور أحمد شلبي (موسوعة التاريخ الإسلامي)، ومحمود شاكر (التاريخ الإسلامي).
- من بدء الخليقة (عهد آدم عليه السلام).
- إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ ﴾ [يوسف:111]
الأمة الإسلامية هم الجماعة الذين تجمعهم العقيدة الإسلامية على مدار التاريخ، فالذين اتبعوا أنبيائهم من عهد آدم عليه السلام وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن سيسير على هديه إلى يوم القيامة، فيؤمن بربه، ويصدق الرسل، هم جميعًا الأمة الإسلامية. فالرابطة الأصيلة هي العقيدة، وليست اللغة أو التاريخ أو المكان أو الأصل أو غيره.
المخلوق الأول: آدم عليه السلام (أول الأنبياء):
اقتضت حكمة الله أن يستخلف مخلوقًا على هذه الأرض، ويسخر له كل كنوزها وطاقاتها، فكان هذا المخلوق هو آدم، خلقه الله من تراب، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأمر الملائكة بالسجود له، وطرد إبليس ولعن عندما رفض السجود لآدم امتثالًا لأمر الله. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ ٣٠ ﴾ ﴾ [البقرة: 30].
ثم خلق الله لآدم حواء زوجًا له من ضلعه الأيسر وأسكنهما في الجنة، ثم إن إبليس الذي توعد بغواية آدم وذريته ما زال بهما حتى أغواهما وجعلهما يأكلان من الشجرة المحرمة. بعدها ندما وتابا إلى الله، فتاب عليهما، وأنزلهما إلى الأرض، وعلم جبريل آدم طرق المعيشة على الأرض من زراعة ورعي وغيره. فزرع وأكل وكان يجتهد للحصول على قوته ثم رزقهما الله بالأولاد. وحصل اختلاف في مكان نزولهما على سطح الأرض، وأكثر الأقوال أنه كان بجزيرة العرب، وكان الإنسان منذ ذلك اليوم في صورته الجميلة المتكاملة ولم يتدرج ويتطور من صورة القرد كما يدعي الماديون أصحاب نظرية التطور الباطلة. قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿ ٤ ﴾ ﴾ [التين: 4].
قابيل وهابيل (وأول جريمة على الأرض):
هما أول ابني آدم، وكانت شريعة الله أن يتزوج ذكر كل بطن بأنثى البطن الآخر، وكانت حواء تحمل في كل بطن ذكر وأنثى. فأراد قابيل وهو الأكبر أخت بطنه (وهي شرعًا لأخيه). فرفض هابيل، ثم قدما قربانًا لله فتقبل الله من هابيل قربانه وهو كبش طيب. لم يتقبل من قابيل الزرع الفاسد الذي قدمه لله، فحسده قابيل وقتله، فكانت أول جريمة يرتكبها بشر على سطح الأرض.
قال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿ ٢٧ ﴾ ﴾ [المائدة: 27].
ثم رزق الله آدم شيثًا، ثم رزقه البنين والبنات الذين تزوجوا وتكاثر نسلهم، وكان آدم يعلمهم التوحيد ويبلغهم دعوة الله إلى أن مات.
وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألف»، قلت: كم الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر: جم غفير» قلت: من كان أولهم؟ قال: «آدم. ومات آدم». واختلف في عمره. وأصح الأقوال أنه بين 950- 1000 سنة[4].
شيث بن آدم عليه السلام:
هو من أبناء آدم، وكان نبيًا، واستمر في الدعوة إلى الله وإقامة شريعته في الأرض.
وهو النبي بعد آدم وشيث، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿ ٥٦ ﴾ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿ ٥٧ ﴾ ﴾ [مريم:56-57]. واستمر إدريس في الحكم بشريعة الله إلى أن قبضه الله. وذكر ابن إسحاق إنه أول من خط بالقلم.
وكان الغرض من إرسال الرسل استمرار شريعة الله، وإقامة الحجة على الناس. قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴿ ١٥ ﴾ ﴾ [الإسراء: 15]. وقال: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ ﴾ [النحل:36].
تكاثر السكان بجزيرة العرب (في الحجاز على أكثر الاحتمالات) فأخذوا يهاجرون منها، وكانت الهجرات تأخذ الاتجاهات التالية:
1- نحو الشمال الشرقي: حيت استقروا في العراق، ثم واصلت جماعات منهم إلى آسيا وأمريكا.
2- نحو الشمال: باتجاه الشام، ثم انتقلت جماعات إلى مناطق البحر المتوسط.
3- نحو الجنوب: باتجاه بلاد اليمن، ومنها هاجرت جماعات إلى أفريقيا والهند.
وسنلاحظ أن كل الأنبياء خرجوا من جزيرة العرب والشام والعراق ومصر، فهي كانت أول المناطق المعمورة على الأرض[5].
كانت الحضارة الفرعونية والحضارة السومرية هي أول وأقدم الحضارات على مسرح التاريخ[6].
الفصل الثاني :
ممالك وأنبياء العراق
بعد تكاثر السكان في جزيرة العرب هاجرت مجموعات نحو الشمال الشـرقي، واستقرت في العراق وعملوا بالزراعة، وكانوا يعبدون الله ثم ما لبثوا أن عبدوا الأصنام.
دعوة نوح عليه السلام (أول الرسل):
بعث الله إلى هذه الأقوام نوحًا، كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على دين الحق ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [البقرة: 213] ثم صاروا إلى الفساد، وكانت بداية عبادة الأصنام أنه كان من قوم نوح رجال صالحين، وبعد موتهم قال أتباعهم (بوحي من الشيطان) لو صورناهم كان أشوق لنا إلى عبادة الله، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، أخبرهم إبليس أنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، فأشهر أصنامهم (ود وسواع ويعوق ونسـر). دعاهم نوح إلى عبادة الله ونبذ عبادة الأوثان، وبذل كل الأسباب لإقناعهم، فلم يجد إلا الصد والكفران، ولم يؤمن معه إلا القليل؛ بالرغم من أنه لبث فيهم 950 سنة. قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ ٥٩ ﴾ ﴾ [الأعراف: 59]. ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿ ٥ ﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿ ٦ ﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿ ٧ ﴾ ﴾ [نوح:5-7]، فلما يئس منهم دعا عليهم ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿ ٢٦ ﴾ ﴾ [نوح: 26]. فلبى الله دعوته وأمره بصنع الفلك وهي السفينة العظيمة: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ [المؤمنون:23]، وحمل معه من آمن به، ومن الحيوانات من كل زوج اثنين، استمر القوم في الفساد والسخرية منه ومن سفينته.
فلما انتهى حصل الطوفان العظيم وامتلأت الأرض بالمياه، تحركت السفينة شمالًا ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿ ١١ ﴾ ﴾ [الحاقة: 11] فأهلك الله القوم الكافرين، ثم رست السفينة على جبل الجودي (جبل أرارات في شرق تركيا اليوم) فخرج الركاب واستقروا هناك، وبدأت زيادة السكان من جديد، ثم تفرق أبناء نوح، فهاجر سام وآبناؤه باتجاه جزيرة العرب، واتجه أبناء حام جنوبًا نحو العراق وما جاورها، وتحرك يافث وذريته شرقًا وجزء منهم غربًا، وتفرق آخرون في اتجاهات متباينة.
استقرت مجموعة في ناحية من العراق يعرف بسهل شنعار، فعظم شأنهم، وعرفوا بالسومرين عملوا بالزراعة، وبنوا السدود، أقام بجانبهم قوم عرفوا بالأكاديين وعاصمتهم (أكاد)، وانتقل بعضهم إلى المرتفعات الشرقية من هذه البقعة، وبنوا مدينة (سوزا) وهم العيلاميون، وكان السومريون أكبر قوة في المنطقة، ومن أشهر ملوكهم (سرجون)، ومن مدنهم الشهيرة (أور)، عبدوا التماثيل والكواكب وتمادوا في غيهم وضلالهم، فبعث الله إليهم نبيه إبراهيم وهو من مدينة (أور).
إبراهيم عليه السلام:
هو من ذرية سام بن نوح، أرسله الله إلى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله، فجادلهم وناقش ملكهم (النمرود) الجبار المتغطرس الذي كان يدعي الألوهية. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ ﴾ [البقرة: 258]. حطم إبراهيم أصنام قومه في غيابهم، وجعل الفأس في رأس كبيرهم ليبين لهم عجزها وبطلانها ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴿ ٥٨ ﴾ ﴾ [الأنبياء: 58].
تبين للقوم عجزها ومع ذلك استمروا في غيهم وضلالهم، وقرروا حرقه، قال تعالى: ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿ ٦٨ ﴾ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴿ ٦٩ ﴾ ﴾ [الأنبياء:68-69]. بعد كل هذا الجهد لم يؤمن به إلا زوجه سارة ولوط ابن أخيه، فهاجر بهم إلى بلاد الشام. وسنكمل الحديث عن إبراهيم في موضوع الشام.
الدولة الأكادية والبابلية (في العراق)[7]:
أما السومريون قوم إبراهيم، فقد زاد غيهم وضلالهم، فسلط الله عليهم جماعات ظالمة تغلبت عليهم ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿ ١٢٩ ﴾ ﴾ [الأنعام: 129] فسيطر الأكاديون على المنطقة. ثم أتت جماعات من الجنوب الغربي، فانتصـروا عليهم، وحكموا المنطقة، وجعلوا عاصمتهم (بابل)، فعظمت دولتهم، وقد اهتموا بالزراعة والعمران، ومن أشهر ملوكهم (حمورابي) الذي وضع قوانين عرفت بـ (شريعة حمورابي) وهي أول قوانين بشرية وضعية على الأرض لغرض الهيمنة والسيطرة، وقد سقطت من بعده. استمروا في عبادة التماثيل والكواكب فسلط الله عليهم أقوامًا أهلكتهم، جاءوا من الشمال، منهم الحيثيون والميتانيون ثم الآشوريون.
سيطر الآشوريون على تلك المناطق (شمالي العراق) وكانت عاصمتهم (نينوى)، ثم امتد نفوذهم إلى كل العراق وبلاد الشام وأجزاء من مصـر، وأشهر ملوكهم (سلمنصرالثالث) و(آشور بانيبال) واستمروا في عبادة الأوثان، ولم يتعظوا بما حل بسابقيهم. ولم يعملوا عقولهم، أرسل الله إليهم نبيه يونس عليه السلام.
أرسله الله إلى أهل نينوى، فدعاهم إلى عبادة الله وتوحيده، فلم يؤمنوا، فضاق بهم ذرعًا، وغضب، وسافر في سفينة في نهر دجلة، فأراد الله أن يعطيه درسًا لعدم صبره اضطربت السفينة، وكادت تغرق، فقرر من من عليها أن يقترعوا على من يرمونه في البحر تخفيفًا (حسب العادة المتبعة عندهم)، فوقعت القرعة على يونس لثلاث مرات، فرموه في البحر والتقمه الحوت بأمر الله، فندم يونس على فعله وتسرعه وتاب إلى ربه فغفر له. قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ ١٣٩ ﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿ ١٤٠ ﴾ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿ ١٤١ ﴾ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿ ١٤٢ ﴾ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿ ١٤٣ ﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ ١٤٤ ﴾ ۞ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴿ ١٤٥ ﴾ ﴾ [الصافات:139-145].
عاد إلى قومه، فدعاهم، وكانوا قد ندموا على عنادهم، وتابوا إلى الله[8]. قال تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ﴿ ٩٨ ﴾ ﴾ [يونس: 98].
حضارة الدولة الكلدانية (البابلية الثانية):
أصبح الكلدانيون حكام المنطقة، وأعظم ملوكهم كان (بختنصر) الذي استولى على بلاد الشام، ودمر القدس، واستباح اليهود وسلبهم ملكهم، فأهلكهم وشردهم وأسرهم، ومنذ ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل وتشتتوا في أنحاء الأرض، واستقر جماعات منهم في الحجاز ومصر وغيرها. واحتل بختنصر مصر، ومن أشهر أعماله بناء برج بابل المشهور، واستمرت هذه الدولة حتى قضى عليها الفرس، واحتلوا المنطقة حوالي عام 1161 ق. هـ/504 ق. م.
ويعود الفرس في أصلهم إلى العراق، فهاجروا شرقًا، وعمروا فارس، فلما قويوا غزوا الكلدانيين -كما ذكرنا- وسيطروا على مصر والعراق. فبقيت مصـر في حكمهم إلى أن احتلها الاسكندر المقدوني (الحاكم الإغريقي). أما العراق فقد بقيت تحت سيطرة الفرس حتى الفتوحات الإسلامية.